في العام 2005 تم اغتيال رئيس الوزراء رفيق الحريري بعبوة استهدفت موكبه. شكل هذا مقدمة لتحولات سياسية كبيرة في لبنان من خروج القوات السورية بعد ثلاثة عقود من دخولها الى هذا البلد، إلى انقلاب سياسي أدى الى زيادة النفوذ الأميركي والسعودي في لبنان على حساب النفوذ السوري، وصولا إلى عودة العماد ميشال عون من المنفى، وخروج قائد القوات اللبنانية سمير جعجع من السجن، ومطالبتهما بتعديل موازين القوى التي اقرت في البلاد.
كان الشعار الذي رفعه العماد ميشال عون هو استعادة حقوق المسيحيين، والذي عبر عنه صهره وزير الطاقة فالخارجية جبران باسيل، بالمطالبة بتحقيق المناصفة الفعلية. وكان المنطق الذي استند اليه عون وباسيل والتيار الوطني الحر الذي يتزعمانه هو ميثاق العام 1943. هذا الشعار كان بمضمونه يعني نقض الطائف. فالمناصفة الطائفية التي استندت الى ميثاق العام 1943 استندت الى ثنائية مارونية سنية، مع استلحاق الطوائف الاخرى. وكانت هذه الصيغة السياسية الايديولوجية هي الغطاء لهيمنة طبقة رأسمالية غالبيتها من المسيحيين والسنة على اقتصاد لبنان، مع اعطاء عائد ريعي لوجهاء الريف.
لكن مرحلة الخمسينات والستينات التي شهدت تعزيز قطاع الخدمات على حساب قطاعي الزراعة والصناعة، أدت الى حالة استقطاب اجتماعي ادى الى نزوح كثيف من الريف الى المدينة.
بالتوازي مع ذلك، شهدت هذه المرحلة تضخما في حجم الرأسمالية السنية المرتبطة بصعود اقتصاد البترودولار العربي، اضافة الى صعود رأسمالية شيعية استندت في مراكمة ثرواتها على الاغتراب الشيعي في افريقيا. هذا ساهم الى حد كبير بتحولات اقتصادية اجتماعية عميقة في لبنان دفعت بالبورجوازية السنية الى المطالبة بزيادة حصتها في النظام الطائفي اللبناني، كما دفعت بالبورجوازية الشيعية الى المطالبة بالاعتراف بحصة وازنة لها في هذا النظام.
وقد جرى التفاوض بين هذه البورجوازيات بالدم خلال الحرب الاهلية بين العامين 1975 و1990. كانت أول مرحلة هي حرب البورجوازيات اللبنانية ضد الناس الفقراء لتطويعهم. وانتهت هذه المرحلة في العام 1977. تلا ذلك جولات حروب كان العامل الخارجي فيها قويا، لكن كان أيضا صراعا بين البورجوازيات اللبنانية الريعية المرتبطة برأسمال فرنسي وأميركي وسعودي وغيره، لانتزاع حصصها في النظام اللبناني. وكانت الصيغة التسوية بينها هي الاتفاق الثلاثي في العام 1985 والتي اصبحت في العام 1989 اتفاق الطائف.
وقد تم تعديل النظام الطائفي اللبناني الخادم للرأسمال الريعي على مثالثة مسيحية سنية شيعية يكون الدروز بيضة القبان فيها. وترجم هذا بعد العام 1990 تحالفا بين زعيم الدروز وليد جنبلاط وزعيم الشيعة نبيه بري وزعيم السنة رفيق الحريري وزعماء مسيحيين ثانويين في غياب زعماء الصف الأول.
مع انتخاب العماد ميشال عون رئيسا للجمهورية تم رفع شعار العهد القوي، وكان هذا في جوهره مطالبة باستعادة أولوية المسيحية السياسية في النظام اللبناني. وقام رئيس التيار الوطني الحر بعقد تحالف سياسي مع الرئيس سعد الحريري، ممثل السنية السياسية في النظام، في الوقت الذي وجه سهام الانتقاد ضد الرئيس نبيه بري ممثل الشيعية السياسية في النظام اضافة الى زعيم الدروز وليد جنبلاط. وبرز السجال بين باسيل وبري الى العلن. كان هذا في جوهره الصدام بين من يطالب بالعودة الى الثنائية المارونية السنية، في مواجهة من يطالب بترميم صيغة الطائف التي تصدعت مع اغتيال رفيق الحريري.
والآن يقف لبنان بين من يطالب بثنائية طائفية ومن يطالب بمثالثة طائفية. وفي كلتي الحالتين يغيب مشروع الدولة ومشروع الوطن.
المصدر: المحلل