شغل البحث عن السعادة الإنسان منذ تفتح وعيه على هذا العالم، ومنذ اعترته المشاعر الأولى لفرح الكينونة ولذة الحضور في الوجود.وابتدأ حينذاك طريق السؤال عن إمكانية الامتلاء وشروطه. تعرجت الطريق طويلاً، دخلت في مذاهب ورؤى وتطلعات شتى،خرجت منها آخذة النبض والروح والزخم والمعنى. وما بين نفي السعادة كحضور كلي أو تأكيدها كسيرورة كيانية حية،أفق متسع لكل البدايات و الممكنات.
بدءاً يبدو أن الشعور بفرح العلاقة مع الطبيعة،حالة عفوية موجودة عند إنسان الحضارات القديمة.يظهر ذلك في الترابط الوثيق بين الألوهة والطبيعة والإنسان، حيث القداسة مرتبطة بمظهر طبيعي، وحيث الإنسان يعيش متوافقاً مع الطبيعة بكل تمظهراتها الحية وغير الحية.
هذا يفسر بشكل ما الفكرة الشائعة عن "قدرية" الشعوب القديمة ، وهي ان نظرنا اليها بمنحى الكليانيّة التي كانت متحققة، لا تلغي الإبداع والتجاوز الإنسانيين .(آدابا كسر جناح الريح، ودافع عن نفسه امام محفل الآلهة.خزعل الماجدي).
وكيف يكون الأمر استسلاماً غيبياً في حضارة أبدعت وأنجبت ،وتجاوزت ذاتها في الميادين العلمية والفنية في ما بين النهرين،سوريا ومصر ثم اليونان؟
في الحقيقة، ان الرفعة والتواضع المعرفيين لم يكونا ضدين. وهذا واضح ايما وضوح عند فيتاغور الذي كان ذا فلسفة روحية فكرية وهندسية عظيمة، ولم يرض في الوقت نفسه أن يلقب سوى ب"محب للحكمة".
مع افلاطون يصير مفهوم السعادة أكثر تأملاً في المثل العليا والسعي نحوها:الحياة ليست هنا بل في ما نجسده فيها من رفعة.أما عند زينون فالأعالي نفسها تبرز كجوهر إنساني، وتكمن في حس الواجب والفضيلة،وفي المختصر، فإن سعادة الإنسان تتجسد في ارتقاء الإنسان نموّاً في إنسانيته.
أما المسيحية فلم تكن مبتعدة عن تلك النظرة القيمية للحياة، بل كانت بالأحرى بنت السياق الحضاري الثري ذاته. والفرح في المسيحية يكون بتذوق نعمة الألوهة والمشاركة بها .الفرح أن ننهل من النبع لا أن نقبض عليه،..وهنا تتجلّى عميقاً هذه العلاقة بالطبيعة
وقد يقول قائل إن المسيحية في جوهرها غنوصية،متلاقية مع الصوفية التي ينهل بها الإنسان من معين الألوهة بلا نهاية،ويصير فرحه توحداً بالكل. وهو محق في ذلك.
أما مع بداية الحداثة الاوروبية ، فقد تكرس نوع من القطيعة مع المفهوم السابق للحياة، وذلك بإعلاء نظرة للسعادة الأنسانية ترمي لإخضاع الطبيعة و"تركيعها" في سبيل مصلحة الانسان.(كان رائده ديكارت بإعلاء الفكر على الوجودثم الفلسفة الوضعية والمادية الجدلية..). هذه النظرة خدمت التقدم التقني والعلمي لكنها خلقت إشكالية كبرى في روح العصر؛ إخضاع قارس للوجود الإنساني رآه بالبصيرة شعراء ومفكرون كبار كبودلير ونيتشه وبرغسون وغيرهم...فبالتمرد على القياسات الوضعية الجامدة والقوالب الحداثية الضيقة، وبالتشديد على "إرادة الحياة"، وعلى الرؤيا الروحية الكلية المعلية من شأن الطاقة الحيوية، كانوا رواداً سباقين للتيارات الفلسفية اللاحقة المعلية من شأن الوجود الإنساني والتجربة الحية المباشرة.هنا تصير السعادة جزءاً من التماس الوجود وتذوقه لا الالتزام بالماهيات المحددة المسبقة.(كما ترى الفلسفات الوجودية).وهنا يبرز أيضاً هايدغر الذي رسم طريقاً جديداً للفكر الإنساني..
وكأن الإنسان يعود لإعلاء صفاء البصيرة ورؤيا الحضارات القديمة في حين كان قد ظن سابقاً أنه تجاوزها. هو بالحقيقة عاد محملاً بزخم ونضج التجرية المعرفية التي خاضها عبر العصور، لتفتح أمامه آفاقاً جديدة في المعرفة والإبداع والسعادة.