كُتّاب الموقع
كان لا بد من تظاهرة في لحظة قمة بيروت

يوسف بزي

الإثنين 21 كانون الثاني 2019


ما بين ألفين إلى ثلاثة آلاف مواطن، هم مجموع من استطاعت أحزاب وهيئات ونقابات أن تحشدهم ظهيرة الأحد في ساحة البربير. هؤلاء وحدهم من لبى الدعوة إلى التظاهرة والمسيرة الموصوفة بـ"الشعبية"، احتجاجاً على فداحة أزمتنا الاقتصادية وفداحة فساد سياسيينا.

 


مشهد ديموقراطي


تنظيم التظاهرة كان بالتزامن مع اليوم الختامي للقمة الاقتصادية العربية، المنعقدة على بعد أربعة كيلومترات. هو تزامن وحسب. التظاهرة ورغم شعاراتها (المتصلة افتراضياً بعناوين القمة) تحاشت تماماً أن تزعج "الضيوف"، أو أن ترفع من طموحها، كأن تتبنى تمثيل نقمة الشعوب العربية (المعيشية والاقتصادية، على الأقل). ارتضت سمتها "المحلية" وحسب.

مع ذلك، كان جريان الحدثين في آن واحد، من غير عسر ولا اصطناع، ميزة لهذه العاصمة وما تبقى من ديموقراطية في بقاعنا العربية. فأن ترى رايات المنجل والمطرقة فيما رجال الأمن يحرسون حامليها، على بعد قليل من فنادق القادة العرب، فهذا ليس هيناً. وذاك ما زال يُحسب لبيروت.

 


لامبالاة الناس


لم تكن "شعبية" هذه التظاهرة، كما في كل مرة، يدعون إليها أولئك الذين ما زالوا يقيمون في برزخ نصف سياسة ونصف واقع ونصف خيال. ولن يدركوا أبداً أن لغتهم الخشبية باتت نثاراً وهباء، ولا تقول جملة مفيدة واحدة. لم تسعفهم صوابية احتجاجهم على رداءة أحوالنا الاقتصادية، وسخطهم على استشراء الفساد وفجور أهل السلطة ووضاعة سلوكهم، لا في مخاطبة المواطنين ولا في جذب العابرين ولا في حشد المؤيدين. ظلوا هكذا، هم أنفسهم بوجوههم المعتادة، التي حفظناها نحن الذين نواكبهم كصحافيين، في كل مرة.

وأهل التظاهرة، التي هيمن عليها أنصار الحزب الشيوعي ومحازبيه، كانوا ائتلافاً ضم كتلاً مستقلة من طلبة الحزب السوري القومي الاجتماعي، وحركة الشعب (بقيادة ابن نجاح واكيم) واتحاد الشباب الديموقراطي (أي طلاب الحزب الشيوعي)، و"الحركة الطلابية الوطنية" (!!)، والحزب الديموقراطي الشعبي (شعاره: وطن ديموقراطي علماني مقاوم)، لجنة حقوق المستأجرين في لبنان، الاتحاد الوطني لنقابات العمال والمستخدمين، حزب طليعة لبنان العربي الاشتراكي.. وذاب بين هذه الكتل، بعض ناشطي "بيروت مدينتي" وما يعرف بـ"حزب 7" والوجه البرلماني النشط والمتحمس النائبة بولا يعقوبيان، برفقة أسامة سعد وبعض الكوادر النقابية، من محترفي هكذا حراكات كالأستاذ محمد قاسم. واللافت فعلاً، هو انضمام مجموعة من "منظمة العمل الشيوعي" إلى الدعوة وتلبيتها، كواحدة من المرات النادرة التي تظهر فيها المنظمة في حركة علنية وائتلافية.

 


لا اتعاظ


والسير من ساحة البربير على امتداد الطريق الداخلية في الأحياء الشعبية الموازية للنويري والعاملية وصولاً إلى البسطة صعوداً مرة أخرى نحو تقاطع بشارة الخوري ونزولاً إلى مبنى الواردات في وزارة المالية، لم يرفد المتظاهرين بدعم من السكان ولا اهتماماً منهم. وهذا أمر فادح  ومخيب، ليس لرمي الملامة على ما قد يظنه البعض "لامبالاة" الناس، بل لمساءلة يطرحها على نفسه من يتصدر النطق باسم "الشعب" أو من يفترض بنفسه التعبير عن احتجاجات الناس.

لكن هيهات، فمنذ دهرٍ، يمكن تأريخه بمنتصف ستينات القرن الماضي، تواظب حركات وزمر وأحزاب يسارية وعروبية على "الطريقة" عينها، في ما تظنه "نضالاً" أو احتراف احتجاج أو تظاهر.. وانتهت إلى حضيض سنوات الحروب العبثية. فلا اعتبرت ولا اتعظت.

فتظاهرة تتصدرها صورة الشهيد معروف سعد، ويافطة "الثروات العربية هي ملك الشعوب وليست للنهب والحروب عليها"، تجمع ما بين طيفية الماضي وشبحية الراهن، يسارياً وعروبياً. فيتناسى منظمو التظاهرة هم "ضد" من؟ حاكم مصرف لبنان، الذي ردحوا باسمه؟ أم وزير المالية الذي هو - ويا للمفارقة - عضو "حركة المحرومين"، ولم يذكروا اسمه؟ هل هم ضد النظام الاقتصادي اللبناني أم ضد سياسات تسببت بانهيار هذا الاقتصاد؟ وأي سياسات تلك. والأسوأ ليس عدم تعيين ذاك "الضد"، بل تعيين ماذا تريد. فالكلمة التي أُلقيت في ختام التظاهرة عن الضرائب، تستحق "سياسة" تظاهرية مختلفة وشعارات لا علاقة بها بهذا اللغو "القومي السوري" (أصحاب وأصدقاء بشار الأسد) وركاكة جماعة نجاح واكيم، وغفلية حزب طليعة لبنان العربي الاشتراكي، الذي يذكرنا طول اسمه بجماهيرية معمر القذافي.

 


الضرورة


لا تحتمل هذه التظاهرة جدية بالغة، في السياسة أو في النظر إلى الرأي العام. فهي، وحسب، من فلكلورنا الضروري، من يوميات أحد مشمس، من ضرورات المشهد الناقص والباهت لأولئك القادة والرسميين اللبنانيين والعرب، المتنعمين بامتيازات فساد سلطاتهم، على امتداد الجغرافيا العربية، وما عاد أحد ينغص عليهم يومياتهم منذ هزيمة ميادين 2011 على يد العسكريتاريات والإسلامويات معاً. ولا عزاء ليسار عربي خان نفسه مليون مرة.



المصدر: المدن