مضى أكثر من سنة ونصف على إطلاق "اليوان" عملةً دوليّة، ودخوله نادي العملات المرجعيّة المُعتمَدة لدى صندوق النقد الدوليّ، بهدف توسيع الدَّور الذي تقوم به الصين في التجارة الدوليّة، وبما يُلائِم مستواها، باعتبارها ثاني أكبر قوّة اقتصاديّة في العالَم بعد الولايات المتّحدة الأميركيّة، بل تُنافسها على قيادة مسيرة الاقصاد العالَمي. وفي ظلّ توقّعات صينيّة بأن يُصبح "اليوان" قبل نهاية العام الحالي ثالث أكثر العملات استخداماً في المدفوعات الدوليّة (بعد الدولار واليورو)، يبرز السؤال التالي: هل يستطيع أن يُواجِه صعوبات ماليّة ومصرفيّة كبيرة ومعقّدة؟
في العام 2015، أعلن بنك الشعب الصيني أنّ اليوان يحتلّ المرتبة الخامسة في قائمة أقوى العملات المدفوعة في العالَم، وقد وقَّعت الصين اتّفاقيّات ثنائيّة لتبادُل العملة مع 36 دولة ومنطقة بقيمة 3,3 تريليون يوان ( نحو 516 مليار يورو ). ووفق تقرير صدر في منتصف تمّوز ( يوليو ) 2016، عن معهد النقد الدولي في بكين، بلغ مؤشّر تدويل "الرنمينبي"(أو اليوان) 3.6 على أساس سنوي، بزيادة 42 في المائة عن السنوات الخمس الماضية، وتوقَّع نائب مدير المعهد شيانغ سونغ أن يصل إلى 5.5، وسط تراجُعٍ حادّ لمؤشّر الاسترليني، على أثر خروج بريطانيا من الاتّحاد الأوروبي، على أن يتجاوز اليوان الينّ الياباني والجنيه الاسترليني في العام 2018، ليصبح ثالث أكبر العملات استخداماً في العالَم. وقد تمكّنت الصين بعد جهود حثيثة في ظلّ توسّع حركة تجارتها الخارجيّة مع توفير فائض كبير، وتعزيز علاقاتها الاقتصاديّة الدوليّة، فضلاً عن ثبات استقرار الاقتصاد الصيني، من دفع صندوق النقد الدولي إلى اتّخاذ قرار بانضمام اليوان بدءاً من أوّل تشرين الثاني ( نوفمبر) 2016، إلى سلّة حقوق السحب الخاصّة باعتباره عملة قابلة للاستخدام الحرّ. وتمّ تثقيله بما يُعادل 10.92 في المائة، وهو أفضل من الينّ الياباني (8.33 في المائة) والجنيه الاسترليني (8.09 في المائة)، ولكنّه بعيدٌ جدّاً عن تثقيل اليورو (30.93 في المائة) والدولار الأميركي (41.73 في المائة).
خطوة تاريخيّة
بكين اعتَبرَت هذا القرار "مُنعطفاً تاريخيّاً" في طريق تحوّلها إلى عملة دوليّة واعِدة، ووصفها البنك المركزي الصيني أنّها "مرحلة تاريخيّة تؤكّد نجاحات الصين على صعيد التطوّر الاقتصادي، وهو ثمرة الإصلاحات وفتح قطاعها المالي" ، مؤكّداً أنّ "من شأنها الدفع بإصلاح النظام النقدي الدولي". وعلى الرّغم من التباطؤ الذي شهده الاقتصاد الصيني في السنوات الأخيرة، يبقى وفق توقّعات المسؤولين في بكين، أنّه أكبر مُساهم في النموّ على المستوى الدولي، وذلك في إطار اقتصاد عالَمي ضعيف قد لا يتحمّل أزمات جديدة من دون الوقوع في ركود، ويُستدلّ من الأرقام أنّ الصين تُسهم بـ 1.2 في المائة من أصل 3.1 في المائة من النموّ العالَمي المتوقّع، مقابل 0.6 في المائة مساهمة الهند، ونحو 0.3 في المائة للولايات المتّحدة، و 0.1 في المائة لأوروبا بأكملها، الأمر الذي يجعل الاقتصاد الصيني محورياً في الحديث حول مستقبل الاقتصاد العالَمي.
ولوحظ أنّ الاقتصاد الصيني سجّل نموّاً قدره 6.9 في المائة في العام 2017، مُتجاوزاً المُستهدف الحكومي البالغ 6.5 في المائة، وليتسارع بالمُقارنة مع نموّ 2016 البالغ 6.7 في المائة، والذي كان أضعف وتيرة في الأعوام الستّة والعشرين الماضية. وارتفعت حركة الاستثمار في الأصول الثابتة في الصين بنحو 7.2 في المائة، لتفوق التوقّعات، مع العلم أنّها تظلّ أبطأ وتيرة سنويّة منذ العام 1999، وتعكس هذه المؤشّرات حالة الرواج النِّسبي التي يشهدها الاقتصاد، وخصوصاً أنّ استثمارات الأصول الثابتة في القطاع الخاصّ زادت بنسبة 6 في المائة ارتفاعاً من 3.2 في المائة في العام 2016 .
التجارة والاستثمار
في إطار السعي لترويج الدفع بـ "اليوان" لحركة التجارة الخارجيّة، بدأت بورصة "شنغهاي" في آذار ( مارس ) الماضي إطلاق العقود الآجلة للنفط بعملتها المحليّة، ودعت الصين شركات النفط العالميّة للمُشاركة في السوق الجديدة. كذلك اعتمدت باكستان "اليوان" في تعاملها التجاري مع الصين، وطبقاً للوائح النقد الأجنبي لدى بنك باكستان الوطني، أصبحت العملة الصينيّة مُعتمَدة مثل الدولار الأميركي واليورو الأوروبي، مع الإشارة إلى أنّ حجم التجارة بين البلدَين بلغ نحو 15 مليار دولار في العام 2017. ويتوقّع المراقبون أن تتعزّز علاقاتهما التجاريّة بعد إطلاق مشروع الممرّ الاقتصادي "كبيك" والذي تبلغ قيمته نحو 54 مليار دولار، ويهدف إلى ربط إقليم "شينشيانغ"، شمال غرب الصين ذي الأهميّة الاستراتيجيّة، بميناء غوادار في بلوشستان، وهو لن يوفِّر إمكانيّة أقلّ تكلفة للوصول إلى أفريقيا والشرق الأوسط فحسب، بل ستكسب باكستان مليارات الدولارت من خلال وجود شبكة من الطرق والسكك الحديديّة لنقل البضائع وخطوط الأنابيب للنفط والغاز. وقد وضع بنك باكستان الإطار التنظيمي لتسهيل استخدام العملة الصينيّة في المُعاملات التجاريّة والاستثماريّة.
وترتبط بتدويل اليوان عمليّات خلق الصين لمراكز مقاصّة في ما وراء البحار، وهي نَوع من المحطّات التي توفِّر لغَير المُقيمين الحصول على العملة الصينيّة عن طريق تشكيلة متنوّعة من الأدوات الماليّة المقوَّمة بها. وتقوم تلك المراكز بالإشراف على المدفوعات والتسويات الماليّة مع الشركات والبنوك الصينيّة، بما فيها خدمات المقاصّة، وهناك 20 مركز "يوان" في الخدمة، يعمل أكبرها حاليّاً في هونغ كونغ، سنغافورة، تايوان، سيول، لندن، باريس، فرانكفورت، لوكسمبورغ. ومع ارتفاع حجم التجارة الخارجيّة للصين مع دُول العالَم إلى 27,8 تريليون يوان (4,3 تريليون دولار) في العام 2017، فهي تطمح إلى اتّساع عمليّات التدوال بـ"اليوان" إلى جانب العملات الدوليّة الرئيسة، وخصوصا أنّ بكين ماضية في توقيع اتّفاقيات ثنائيّة مع مختلف دول العالَم لتبادُل عملتها بين البنوك المركزيّة.
هروب الرساميل
حرصاً من البنك المركزي الصيني على حماية "اليوان" من تراجع قيمته، حقَّق زيادة في احتياطاته من النقد الأجنبي بقيمة 129,5 مليار دولار، لتبلغ 3,14 تريليون دولار، وهي أوّل زيادة سنويّة يسجّلها منذ العام 2014، وقد حصل ذلك في ظلّ القوّة المحليّة لـ "اليوان"، الذي ارتفع في العام الماضي بنحو 6.8 في المائةمقابل الدولار، متعافياً من خسارة بنسبة 6.5 في المائة في العام 2016، ومُستفيداً من إجراءات تشديد القيود على حركة رؤوس الأموال، في إطار مُكافحة تبييض الأموال، وتمويل الإرهاب، والتهرّب الضريبي، وكذلك الحدّ من الصفقات الصادرة بعد تفاقم الصفقات خارج البلاد، التي استنزَفت جزءاً كبيراً من احتياطي النقد الأجنبي. ووفقاً للقواعد الحديديّة المطبّقة من أوّل كانون الثاني ( يناير ) 2018، فإنّ مَن يتجاوز الحدّ الأقصى( 100 ألف يوان سنويّاً للفرد) سيُمنع من الصفقات العابِرة للحدود لبقيّة العام وللعام التالي.
اتّخذت الصين هذه الإجراءات بعدما شهدت في السنوات الأخيرة زيادة مطّردة في حجم الأموال الهارِبة، وجاءت على رأس الدول العشر الأولى بين 149 دولة رَصَدها تقرير صادر عن منظّمة النزاهة الماليّة العالميّة، وهي مجموعة بحثيّة مقرّها الولايات المتّحدة وتُعنى بُمكافحة تدفّقات الأموال غير المشروعة، إذ بلغ متوسّط خروج الأموال منها 169 مليار دولار سنويّاً، وبتراكُم 1,39 تريليون دولار، وقد خسرت 3,79 تريليون دولار على مدى عشر سنوات، في شكلِ أموالٍ مُهرَّبة من البلاد، وهي مشكلة ماليّة معقّدة تعكس نتائج سلبيّة على وضعها المالي والاقتصادي والاجتماعي.
واذا كانت كريستين لاغارد رئيسة صندوق النقد الدولي أشادت بخطوة إطلاق "اليوان" عملة دوليّة، باعتبارها " تعكس التقدّم المُحرَز في مجال إصلاح السياسة النقديّة والعملات الأجنبيّة والنُّظم الماليّة، وفي تحرير البنية التحتيّة للأسواق الماليّة وتحسينها" ، إلّا أنّها في الوقت ذاته حثَّت الصين "على مُواصلة الإصلاحات لفتْح اقتصادها وتحسينه، وجعْل اليوان أكثر جاذبيّة كعملة احتياطيّة"، علماًأنّ هذه العملة غير قابلة للتحويل بصورة كاملة، لذلك هناك صعوبة في إعادة الرساميل التي يوظّفها أجانب.
تفاقُم الديون
فضلاً عن هذه المشكة، هناك مشكلتان حذَّر صندوق النقد الدولي من تفاقمهما وانعكاساتهما السلبيّة، الأولى تتعلّق بنشاط "صيرفة الظلّ" ويشمل النشاط المصرفي خارج الميزانيّة، وقدَّره الصندوق بنحو 17 تريليون يوان، أي ما يقرب من ثلث الناتج المحلّي الإجمالي؛ وما يزيد من أخطار هذه المشكلة هَيمنة الإقراض للمُقترضين على ذوي الأخطار المُرتفعة. أمّا المشكلة الثانية التي حذَّر الصندوق من أخطار تفاقُمها، فهي تتعلّق بضخامة الديون الداخليّة والخارجيّة للصين، وهي تحظى بنصيب الأسد من ديون الأسواق الناشئة، وإن كانت وتيرة نموّ نسبة الديون للناتج الإجمالي قد هدأت في العام الماضي مسجِّلة فقط 2 في المائة، لكنّها وصلت إلى 294 في المائة، وهو رقم كبير جدّاً في المقاييس الدوليّة، والأخطر من ذلك أنّ ديون الشركات بلغت 165 في المائة من الناتج، الأمر الذي يُهدِّد عدداً كبيراً منها بالإفلاس.
*كاتب ومُحلِّل اقتصادي من لبنان
المصدر: مؤسسة فكر