يقظة أميركا واندحار الترامبية: ترامب ونتنياهو ومسار التاريخ
منير الربيع
الخميس 5 تشرين الثاني 2026
تعكس نتيجة الانتخابات النصفية في الولايات المتحدة، الجزء الأساسي من حركة التاريخ الأميركية. أهميتها في توقيتها، وعلى إيقاع الأزمات والحروب التي خاضها دونالد ترامب والسياسات التي اعتمدها. صحيح أن الكثير من الرؤساء السابقين للولايات المتحدة استكملوا النصف الثاني من ولاياتهم الرئاسية بخسارة مجلسي النواب والشيوخ. لكن هذه المرّة تبدو المسألة مختلفة جذرياً، بانعكاساتها على الداخل الأميركي وعلى عالم "الغرب"، وعلى العالم أجمع وعلى إسرائيل بالذات، إذ لم تمرّ ساعات على صدور النتائج حتى خرجت مواقف أميركية عدة تشير إلى أن العلاقة بإسرائيل ودعمها المطلق هو أحد الأسباب الرئيسية لخسارة الانتخابات. وذلك لا يمكن فصله عن مسار يتعمم في الغرب خصوصاً في أوروبا، وفي الأوساط الشعبية الأميركية ولا سيما الفئات الناشئة التي عبّرت عن رأيها وتوجهاتها في الانتخابات، وهذا ما يمكن أن يُبنى عليه للمستقبل في سياق "تصحيح المسار التاريخي للغرب"، هذا الغرب الذي لم يتحمّل الإبادة الإسرائيلية في غزة، ولا نظام الفصل والتهجير العنصري الذي تعتمده ليس فقط في فلسطين بل في دول المنطقة ككل خصوصاً سوريا ولبنان، إضافة إلى رفض عقلية الأبارتهايد التي تتحكم بإسرائيل وأريد لها أن تنسحب على الولايات المتحدة الأميركية والعالم أيضاً. وللمفارقة أن الغرب في حركته التاريخية والمحاسبة التي تفرضها الشعوب قادر على تصحيح مساره، وهو ما انعكس في استحقاقات كثيرة من البرازيل إلى غيرها عبر خسارة "اليمينيين" في الانتخابات.
مرتكزات النظام
يمكن لهذه الانتخابات أن تكون سياقاً في مسار تصحيح التاريخ. التاريخ الأميركي بالتحديد، أميركا تلك الفكرة التي تحتضن الجميع وتفتح لهم الأفق، لا يمكنها أن تكون نقيضة في نُظُمها وسياساتها لما تدعيه قيمها وأقانيمها الدستورية، ولا يمكنها أن تنعزل عن العالم أو تعزل العالم عنها، ولا يمكنها أن تستمر في انعزالات عنصرية في الداخل. ولا يمكنها أن ترتبط بشخص وحيد فقط، ولا بسياسة متماهية مع دولة واحدة لها مشاكل مع أكثر من نصف العالم كإسرائيل. ما جرى عملياً، هو نهاية لمشروع ترامب الشخصي في مقابل انتصار للمؤسسات الدستورية بغض النظر عن السياسات، وهذا يشكل فرصة لنهاية الترامبية على المستوى العالمي، خصوصاً أن ترامب بطبعه النزق وطريقة إدارته للحكم وللعلاقات الدولية، لا يمكن أن تكون مقبولة في النظم القيمية المختلفة، خصوصاً تلك التي يتحدث عنها ترامب، وجزء من الأثمان التي دفعها الحزب الجمهوري هي تصرفات ترامب، وأثر تعاطيه مع حلفاء أميركا التقليديين خصوصاً أوروبا، إضافة إلى مساهمته في هز مرتكزات النظام القائم، كما أنه كان لديه طموح على المستوى الشخصي لتقاسم "العالم مع أقوياء" وتحديداً مع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، والرئيس الصيني شي جين بينغ. خسارة ترامب لمشروعه الشخصي، لا تعني انتهاء الأثر الكامل للترامبية الذي سيبقى حاضراً في سياسة الحزب الجمهوري للمستقبل، في إطار اليمين الشعبوي الأميركي الذي سيبقى موجوداً.
ملاقاة أوروبا
لا يمكن لذلك أن يكون منفصلاً عما شهدته أوروبا بين يساريين ومهاجرين في مواجهة اليمين المحافظ، فله ما لاقاه في الولايات المتحدة الأميركية، التي لا يمكن لشعبها أن يكون على مسافة بعيدة من القيم أو الاتجاهات الأوروبية، مع الإشارة إلى رفض فكرة ترامب في اختزال العالم بين أقوياء، والذهاب إلى التفاهم مع روسيا والصين على حساب الدول الأخرى ومصالحها والمشتركات التاريخية التي ترتكز عليها علاقة الولايات المتحدة مع أوروبا وما بين الشعبين.
إنقاذ الغرب ومستقبله
تلحظ النتائج تغيراً سياسياً، ديمغرافياً كبيراً جداً، وهو ما يظهر حجم التحول في الرأي العام الأميركي، فالنسبة الأكبر من المقترعين هم من فئة الشباب، وهم في غالبيتهم منحوا أصواتهم للديمقراطيين، فهؤلاء هم مستقبل أميركا، وهو ما يعني أنهم سيستمرون على توجهاتهم بالحد الأدنى لعشرين وثلاثين عاماً، وهذا ما يمكن المراهنة عليه داخل الغرب في إطار تأطير الصلة بين الشرق والغرب، ورفض الحروب، والاتجاه نحو إنصاف أكثر للمهاجرين ولديهم تعاطفهم مع قضايا منطقة الشرق الأوسط، وهؤلاء الشباب وطلاب الجامعات هم الذين قادوا التظاهرات وتفاعل معهم الرأي العام في رفض الإبادة الممنهجة التي ترتكبها إسرائيل في غزة، ورفضوا الدعم الأميركي المطلق لها في مشروعها هذا. وقد خرج من بين هؤلاء كثر، من زهران ممداني إلى عبد الرحمن السيد، في تعبير عن مسار يحفظ التوازن الغربي والتنوع الذي يتيحه هذا الغرب خصوصاً أميركا، وهم كما يقول عزمي بشارة من الذين سيساهمون في إنقاذ العالم الغربي ومستقبله سياسياً وأخلاقياً من كل الانهيارات التي سيُقاد إليها بفعل سياسات الانعزال أو العنصرية.
اتهام قطر وعزمي بشارة
تلك العنصرية التي دفعت إسرائيل إلى رفض نتائج الانتخابات والتصويت المرتفع للمجتمع العربي، وصولاً إلى اتهام قطر وعزمي بشارة بالدفع نحو رفع نسبة التصويت لدى العرب، وقد استكمل الإسرائيليون معركتهم هذه بتوقيف الصحافي عبد أبو شحادة فقط لأنه زار قطر وأجرى مقابلة مع بشارة وضعها الإسرائيليون في سياق تحفيز العرب على المشاركة الكثيفة في الانتخابات. المنطق نفسه يستخدمه ترامب ضد المهاجرين، بمنطق عنصري كامل، من دون إغفال حربه أو صراعه المفتوح مع وسائل الإعلام غير المؤيدة له. وهنا لا بد من العودة إلى ما يقوله عزمي بشارة في هذا المجال: "إن خسارة إسرائيل هيمنة خطابها في الغرب، هو التحوّل الأهم الذي يجب الحفاظ عليه، وتحويل موجة التضامن من تضامن إنساني مع الضحايا ونفور من الوحشيّة الإسرائيليّة إلى تضامن سياسي لا يتوقف عند خطة لوقف الحرب تشمل كل الشروط الإسرائيلية من دون حل عادل لقضية فلسطين". وهنا تكمن المعركة الفعلية في مواصلة تغيير الرأي العام الغربي تجاه فلسطين وتجاه كل القضايا العربية.
خسارة نتنياهو
أكبر الخاسرين، من نتائج الانتخابات هو بنيامين نتنياهو بالتحديد وإسرائيل من خلفه، وإن لم تنعكس الخسارة على المدى القصير فالتأسيس لها قد حصل على المدى البعيد، سواء في مراجعة الولايات المتحدة الأميركية لعلاقتها بإسرائيل، وإعلان ترامب نفسه عن إلغاء الدعم السنوي، إضافة إلى اضطرار منظمة AIPAC أي اللوبي الصهيوني الفاعل في أميركا إلى وقف الدعم العلني للمرشحين الذين لم يعد من مصلحتهم الإعلان عن تلقيهم الدعم من المنظمة الصهيونية. كما أن النتائج سيكون لها أثر على الداخل الإسرائيلي، على المدى المتوسط والبعيد بالتأكيد، أما على المدى القصير فلا بد من انتظار مصير نتنياهو وإذا كان سيتمكن من نيل التكليف بتشكيل الحكومة، أم أن أيزنكوت سينجح بتشكيل حكومته بعد تكليفه، وهذه ستكون عبارة عن تحول، ستتبعه تحولات أخرى.
الحرب وشراكة إسرائيل
ستفرض نتائج الانتخابات الأميركية كثيراً من الأسئلة حول آلية عمل دونالد ترامب، فهو الذي حمل مشروع السيطرة الأميركية على مصادر وممرات الطاقة، وهو يريد استكمال مشروعه بالمعنى الإستراتيجي، لكنه في المقابل غير قادر على تخفيض أسعار المشتقات النفطية، وهي الأسعار التي انعكست أزمات داخل أميركا وكان لها أثر فعلي على التصويت بفعل ارتفاع نسبة التضخم، إلى جانب رفض الأميركيين لعودة عصر الحروب. ولتخفيض أسعار المشتقات النفطية، هو سيبقى في حاجة ماسة إلى فتح هرمز. ذلكَ يحتاج إلى اتفاق، أو أن تتمكن الولايات المتحدة من فتحه بالقوة في حرب كبيرة تشنها. في المقابل، حتى إن أراد ترامب تجديد الحرب، فلن يكون بمقدور أي إدارة أميركية الإقدام وحدها على شن حرب على إيران، فهي تريد شركاء، أولهم وأهمهم إسرائيل. هنا لا بد من النظر إلى حسابات الإسرائيليين ونتنياهو بالتحديد. نتنياهو هو أكثر المستعجلين لخوض الحرب وتحقيق ما يعتبره إنجازاً ضد إيران. لذلكَ يبقى تقدير الأمور في غاية الصعوبة نظراً إلى حجم المتغير، وللظروف القائمة، خصوصاً أن كلا الرجلين أي ترامب ونتنياهو في مأزق، وقد يسعيان للخروج منه بالحرب، قبل حسم مصير نتنياهو بخروجه من رئاسة الحكومة.
المصدر: المدن