من تجاوز هرمز إلى الاصطدام بالواقع السوري!
يحيى الصادق
الثلاثاء 3 تشرين الثاني 2026
من بين الاستنتاجات الكثيرة التي يمكن استخلاصها من التصريحات الأخيرة للمبعوث الأميركي إلى العراق وسوريا، توم براك، أن مشاريع نقل الطاقة البديلة، التي كان يروّجها مع الرئيس ترامب على مدار الأشهر الماضية، لن ترى النور قريباً، وقد لا يرى بعضها النور نهائياً.
ففي حديثه إلى شبكة «سي أن أن» الأميركية، قال براك إن سوريا لا تزال تواجه عدة تحديات معقدة، من بينها وجود «صعوبات أمنية وسياسية تؤثر في قدرتها على استقطاب المستثمرين»، مشيراً إلى أنه في ظل «غياب الضمانات الأمنية الكافية واستمرار بعض القيود الاقتصادية، فإن إقناع الشركات الأجنبية بالاستثمار في سوريا، وسط هذه الظروف، يبدو أمراً بالغ الصعوبة»، مقارنة بدول أخرى في المنطقة تمتلك مصادر دخل قائمة وقطاعات نفطية أكثر استقراراً.
وبغض النظر عن دلالات هذه التصريحات بالنسبة إلى عشرات مذكرات التفاهم التي جرى التوقيع عليها بين السلطات الانتقالية السورية وشركات وتجمعات استثمارية سعودية وقطرية وإماراتية وتركية وأميركية، فإن المشاريع المقترحة لنقل الطاقة عبر سوريا وتجاوز عقدة مضيق هرمز تواجه، في ضوء تصريحات براك، نوعين من التحديات:
التحدي الأول يتمثل في تبعات الصعوبات الأمنية والسياسية التي تعيشها سوريا في أعقاب سقوط النظام، وطريقة إدارة السلطة الحالية للأوضاع الداخلية وتركة الحرب الثقيلة، وما أسفرت عنه تلك الإدارة من أحداث دموية في الساحل والسويداء وأشرفية صحنايا وجرمانا، واستئثار بالسلطة، وظهور شبكة جديدة من المحاسيب، وطغيان خطاب الكراهية والانتقام، وعودة تنظيم «داعش» إلى الظهور من جديد، وما إلى ذلك.
في خضمّ مثل هذه الظروف، يصبح النجاح في استقطاب استثمارات أجنبية كبيرة أمراً مشكوكاً فيه، أو مرهوناً بتوفير ضمانات غير متاحة حالياً. إذ إن توفر التغطية السياسية الدولية يبقى غير كافٍ بالنسبة إلى الشركات والمستثمرين على حد سواء، فكيف الحال مع مشاريع تتطلب عشرات المليارات من الدولارات، وتمتد من جنوب البلاد وشرقها إلى شمالها وغربها؟ أي إن فرص تعرضها للمخاطر تبدو مرتفعة، خاصة في ظل الحوادث المتكررة مؤخراً، والمتمثلة في استهداف خطوط نقل النفط والغاز في أكثر من منطقة جغرافية داخل البلاد. وهي حوادث، وإن لم يتوقف تكرارها منذ بداية الحرب السورية، فإنها تكتسب في هذه المرحلة دلالات إقليمية ودولية.
غير أن ما سبق لا يعني إصدار حكم نهائي بـ«إعدام» فكرة نقل الطاقة عبر الأراضي السورية في هذه المرحلة. فالعراق انتقل من مرحلة النقاش إلى مرحلة التعاقد لتنفيذ مشروع جديد لمد شبكة أنابيب تهدف إلى تصدير نفطه عبر مرفأ بانياس السوري، إذ لا خيار آخر أمامه لضمان استمرار تدفق صادراته النفطية، التي تشكل نحو 90% من إيرادات موازنته العامة، سوى تنويع منافذ التصدير. وهذا يعني أن سوريا ستكون، رغم ارتفاع مستوى المخاطر فيها، جزءاً من شبكة منافذ تشمل أيضاً تركيا والأردن ومضيق هرمز.
لكن ذلك لن يكون خياراً متاحاً لجميع دول الإقليم المصدّرة للنفط والغاز، لأسباب واعتبارات تتعلق، في جزء منها، بعدم قناعتها بتحمّل مخاطر ضخ استثمارات كبيرة في مشاريع تعبر أراضي دولة تعاني من عدم الاستقرار السياسي والأمني والاقتصادي.
التحدي الثاني يتمثل في الصعوبات التمويلية. فهذا النوع من المشاريع يحتاج إلى تمويل كبير ووقت ليس بالقصير لإنجازه، وهما أمران غير متوفرين اليوم. فسوريا ليست لديها القدرة على المشاركة في تمويل مثل هذه المشاريع، كما حدث عند تنفيذ مشروع خط الغاز العربي. وحتى لو حاولت اللجوء إلى الاقتراض الخارجي، فستكون أمام خيارين: إما رفض طلبها من قبل المؤسسات المصرفية والبنوك الدولية، لأسباب متعلقة بالوضع المالي والاقتصادي الصعب للبلاد وغياب الشفافية والحوكمة، أو طرق أبواب المنظمات الدولية والخضوع بالتالي لتوصياتها السياسية والاقتصادية في إدارة الاقتصاد الوطني كما حدث في دول عديدة.
أما الدول العربية المعنية بمثل هذه المشاريع، فهي تواجه حالياً ضغوطاً تمويلية من جراء الخسائر الاقتصادية الكبيرة التي منيت بها بفعل الحرب على إيران وإغلاق مضيق هرمز. وبالتالي، يبدو أن تمويل مثل هذه المشاريع تراجع في سلّم أولوياتها، رغم الحاجة الماسة إلى وجود مشاريع من هذا النوع. فالمخاطر الواضحة التي تحدّث عنها براك مؤخراً، والتي تعرفها هذه الدول جيداً، تقلّل في الوقت الراهن من فرص تمويلها. وحتى إن جرى التمويل بضغط سياسي، فسيكون متدرجاً زمنياً، ومبنياً على مؤشرات ومعطيات الواقع السوري الراهن وتطوراته. والدليل على ذلك أنه لا توجد دولة خليجية واحدة خصصت تمويلاً، ولو جزئياً، لهذا الخيار.
ويرتبط توقيت إنجاز مثل هذه المشاريع بعدة عوامل، أبرزها التمويل المخصص لتنفيذ كل مرحلة، والدراسات الميدانية اللازمة المتعلقة بمسار شبكة الأنابيب، وعمليات التعاقد، ومن ثم المباشرة بالتنفيذ. إذاً، نحن أمام سنوات قبل أن توضع مثل هذه المشاريع في الخدمة. فهل تمتلك الدول المصدّرة والمستوردة للنفط والغاز الإمكانات والقدرات التي تسمح لها بتحمل كلفة هذا الانتظار؟
في الوقت الذي كانت فيه واشنطن تروّج مشاريع نقل الطاقة، باعتبارها بديلاً استراتيجياً عن مضيق هرمز، كانت تدرك أن ذلك يحتوي على مبالغة كبيرة في ضوء ظروف المنطقة ودراسات الجدوى الاقتصادية، الحالية والمستقبلية، والعوامل الجيواقتصادية، وغيرها. إلا أن رفضها الاعتراف بهزيمتها العسكرية والسياسية والاقتصادية، وعدم تقديرها لأهمية مضيق هرمز، جعلاها تستمر في بث تلك المبالغات. هذه المبالغات هي نفسها التي جعلت السلطات الانتقالية في سوريا تعتقد أن البلاد مقبلة على مرحلة تعافٍ سريعة وغير مسبوقة. فجاءت تصريحات المبعوث توم براك لتكشف أن كل ذلك كان مبالغاً فيه، وأنه لم يكن في أحيان أخرى سوى مجرد سردية كاذبة لتقديم صورة مضللة للشعوب والدول عن الدور الأميركي في المنطقة والعالم.
المصدر: الميادين