هل يحتاج ترامب إلى التصعيد لتسويق التسوية مع إيران؟
ليلى نقولا
الثلاثاء 3 تشرين الثاني 2026
منذ سقوط مذكّرة التفاهم الأميركية الإيرانية وعودة الوسطاء إلى التحرّك المتسارع، تجري التحليلات بين اتجاهين متناقضين: الأول يرى أنّ المنطقة تتجه نحو مواجهة واسعة مع إيران بعد الانتخابات النصفية الأميركية، والثاني يعتقد أنّ التسوية اقتربت لأنّ الهدف النهائي للإدارة الأميركية يبقى التوصّل إلى ترتيبات جديدة مع طهران وليس الانخراط في حرب طويلة ومفتوحة لأنّ كلفتها المتوقّعة وعدم ضمان نتائج مختلفة عن الحرب السابقة يجعلها خياراً غير مرغوب لدى ترامب.
غير أنّ هذا التقابل قد يكون مضلّلاً، لأنه يفترض أنّ الحرب والتسوية خياران متعارضان، من دون الأخذ بعين الاعتبار فكرة أن يتحوّل التصعيد نفسه إلى أداة لإنتاج شروط التسوية لا إلى بديل عنها.
إنّ السلوك السياسي لدونالد ترامب، يشير إلى نمط يقوم على استخدام الضغوط القصوى والمواجهة المدروسة لإعادة تشكيل البيئة التفاوضية قبل الانتقال إلى أيّ اتفاق. من هذا المنظور، قد لا يكون التصعيد مع إيران بديلاً عن الحلّ، بل أحد شروط إنتاجه.
منطق ترامب: التفاوض من موقع القوة
خلال مسيرته السياسية، لم يتبنَّ ترامب مقاربة تقوم على بناء التفاهمات التدريجية أو تقديم الحوافز المتبادلة، بل اعتمد غالباً نموذجاً مختلفاً يقوم على تصعيد الضغوط إلى الحدّ الأقصى، ثمّ فتح الباب أمام التسوية بعد تعديل ميزان القوى.
ظهر هذا النمط في أزمة غرينلاند، كما ظهر في التعامل مع فنزويلا، وفي مقاربته لكثير من ملفات السياسة الخارجية. في فلسفة ترامب السياسية، لا يُنظر إلى التفاوض باعتباره أداة للوصول إلى القوة، بل باعتباره وسيلة لترجمة التهديد والقوة التي جرى إنتاجها مسبقاً.
لذلك، حتى لو كانت الإدارة الأميركية قد حسمت خيارها الاستراتيجي المتمثّل في تجنّب حرب استنزاف طويلة في الشرق الأوسط، فإنّ ذلك لا يعني بالضرورة الانتقال مباشرة إلى التسوية مع إيران. قد يرى ترامب أنّ أيّ اتفاق مستقبلي يحتاج أولاً إلى تعديل البيئة الاستراتيجية ورفع مستوى الضغوط العسكرية والاقتصادية عليها.
معضلة الصورة والانتصار
حالياً، يبدو المعيار الأهمّ بالنسبة لترامب ليس أيّ خيار هو الأفضل، بل ما إذا كانت الظروف الحالية تسمح له بانتزاع اتفاق يستطيع تسويقه داخلياً باعتباره "انتصاراً غير مسبوق" ونتيجة "للضغط والقوة الهائلة"، وليس ثمرة تنازلات أميركية. وبالتالي، يبدو السؤال الأكثر أهمية اليوم في ظلّ عودة الوسطاء إلى محاولة تأدية دور للتوصّل إلى تسوية تمنع العودة إلى الحرب: هل يعتقد ترامب أنّ البيئة الاستراتيجية الحالية كافية لإنتاج التسوية الأفضل و"الصورة" التي يريدها؟
إذا كان الجواب إيجابياً، فإنه من الممكن العودة إلى طاولة التفاوض لإنتاج تسوية إقليمية، أما إذا كان الجواب سلبياً، فإنّ التصعيد يصبح أداة لإعادة تشكيل البيئة قبل التفاوض.
في هذه الحالة، لا يكون الهدف المباشر الأميركي للحرب إسقاط النظام الإيراني بالضرورة كما يريد نتنياهو، بل دفع إيران إلى التفاوض ضمن شروط مختلفة، وتقديم تنازلات تتيح لترامب إعلان تحقيق انتصار سياسي واستراتيجي.
وعليه، فإنّ اللجوء إلى عودة الضربات على إيران قد تُستخدم إما لإظهار "صورة" بأنّ التسوية أتت نتيجة الحرب والتصعيد الأميركي، أو لإقناع القيادة الإيرانية بأنّ كلفة الاستمرار في المسار الحالي أصبحت أعلى من كلفة تقديم تنازلات استراتيجية. لكنّ نجاح هذه المقاربة يفترض أن تكون الضغوط قادرة على تغيير حسابات طهران من دون أن تدفعها إلى تبنّي خيارات أكثر تشدّداً، وهو افتراض لا يمكن التعامل معه باعتباره نتيجة مضمونة.
خطورة اللحظة الحالية
تعتقد دوائر واسعة في "إسرائيل"، إلى جانب تيارات مؤثّرة داخل إدارة ترامب، أنّ ما تحقّق منذ 7 تشرين الأول/أكتوبر غيّر ميزان القوى الإقليمي بصورة غير مسبوقة، وفتح الباب أمام – ما يعتبرونه- "نافذة فرصة" لإعادة تشكيل البيئة الاستراتيجية في الشرق الأوسط لا ينبغي تفويتها.
وفي الوقت نفسه، أدّت الانتخابات الإسرائيلية الأخيرة إلى تعميق أزمة بنيامين نتنياهو الداخلية، فالرجل الذي خرج من الانتخابات من دون أغلبية حاكمة واضحة قد يجد في التصعيد الإقليمي فرصة لخلط الأوراق الداخلية مجدّداً.
وهكذا، في حين قد تنظر "إسرائيل" وبعض صقور الإدارة الأميركية إلى التصعيد باعتباره فرصة لتحقيق تحوّل استراتيجي دائم في ميزان القوى الإقليمي، قد ينظر إليه ترامب باعتباره مرحلة انتقالية تسبق التفاوض لتحسينه وليس لإلغائه.
لكنّ المشكلة تكمن في افتراض أنّ التصعيد من أجل التوصّل إلى حلّ مناسب أو الانتصار الساحق، يجعل ترامب قادراً على التحكّم بمسار الأحداث وضبط مستوى المواجهة. عادةً، يدخل كلّ طرف مرحلة التصعيد معتقداً أنه قادر على التحكّم بالسقف الذي ستقف عنده الأزمة، أو مؤمناً بقدرته على الانتصار، لكنّ التجارب التاريخية تشير إلى أنّ الحروب لا تسير دائماً وفق أهداف من أطلقها، ولا يمكن معرفة نتائجها مسبقاً.
قد يعتقد ترامب أنّ رفع كلفة المواجهة سيدفع إيران إلى تقديم تنازلات استراتيجية، لكنّ القيادة الإيرانية قد تنظر إلى الأمر من زاوية مختلفة تماماً. فقد ترى أنّ الاستجابة للضغوط العسكرية وتقديم تنازلات جوهرية تحت التهديد قد يشجّع ترامب على طرح مطالب إضافية في المستقبل. ومن هذا المنطلق، قد يصبح التشدّد بالنسبة إليها وسيلة للحفاظ على قدرتها التفاوضية وتجنّب تكريس معادلة تسمح للإدارة الأميركية بفرض شروطها عبر القوة.
في النتيجة، تكمن المعضلة أمام الوسطاء في كيفية إنتاج اتفاق يستطيع ترامب تقديمه باعتباره نتيجة للقوة الأميركية وبأنه "انتصار" شخصي له. لكنّ الرهان على التصعيد لتحقيق هذه الغاية ينطوي على مفارقة أساسية: فكلما ارتفعت كلفة المواجهة، ازدادت الحاجة إلى تسوية سياسية، لكنّ احتمالات التوصّل إليها قد تصبح أكثر صعوبة بعد نشوب الحرب. وقد يكتشف ترامب أنّ استخدام الحرب لتحسين شروط الاتفاق لا يؤدّي بالضرورة إلى اتفاق أفضل، بل ربما يفتح مساراً يصعب التحكّم بنهايته.
المصدر: الميادين