كُتّاب الموقع
من سايكس بيكو إلى غزة: حول مساءلة الدولة القومية

أحمد عبد الحليم

الإثنين 28 أيلول 2026

بعد أكثر من قرن على اتفاقية سايكس بيكو، تعود مسألة الدولة القومية إلى صدارة النقاش في منطقتنا بإلحاح غير مسبوق. فالكيان السياسي الذي هيمن على مخيلة القرن العشرين، ووعد شعوبه بالسيادة والتنمية والتمثيل، يقف اليوم أمام أسئلة وجودية تتعلق بأصله وجدواه ومستقبله. وتزداد هذه الأسئلة حدة كلما اتسعت الهوة بين أنظمة تتحدث باسم الوطن ومجتمعات تتحمل كلفة قمعها وتدفع ثمن إخفاقاتها. يتتبع هذا المقال الجذور الكولونيالية التي نشأت منها الدولة القومية في المنطقة، ثم يرصد تحول شرعيتها من السرديات الكبرى إلى إدارة الخوف، ويعرض أطروحة المفكر حميد دباشي حول "الإمبراطور العاري" وما تفتحه من آفاق لما بعد الدولة، ليختتم بمراجعة نقدية تستند إلى تجربة المنطقة منذ عام 2011.
 
الجذور الكولونيالية
 
وُلدت الدولة القومية في المنطقة من رحم التفاهمات التي عقدتها لندن وباريس عام 1916 لتقاسم تركة السلطنة العثمانية، إذ رُسمت الحدود حينها وفق حسابات المصالح الإمبراطورية، فجمعت جماعات متباعدة داخل كيان واحد، وفرّقت جماعات متجاورة بين كيانات متعددة، وقطعت شبكات تجارية وثقافية ودينية امتدت قروناً عبر المدن والأقاليم. ومع رحيل المستعمر، تسلمت النخب المحلية جهاز الحكم كما هو، قوانين الطوارئ، والأجهزة الأمنية، والبيروقراطية المركزية، وأساليب الملاحقة والتعذيب، ثم أعادت تقديمه تحت شعارات "السيادة" و"الاستقرار" و"الثورة".
 
كما ورثت هذه النخب أيضاً نظرة المستعمر إلى المجتمع، فرأت فيه كتلة ينبغي ضبطها ومصدر خطر يجب تطويقه، وقد تحول المواطن، الشريك المفترض في العقد الاجتماعي، إلى موضوع للمراقبة والتحكم، حيث استمدت السلطة شرعيتها من الاعتراف الدولي واحتكار القوة، في حين استندت المجتمعات إلى شبكات التضامن المحلية التي ظلت ملاذها الفعلي في أوقات الشدة.
 
وتقدم التجربة الإيرانية مثالاً واضحاً على هذا المسار. فمن القاجاريين إلى البهلويين ثم الجمهورية الإسلامية، سعت كل سلطة إلى فرض هوية مصطنعة على شعب متعدد الأعراق واللغات. كما وقف الشاه محمد رضا بهلوي أمام ضريح كورش مقدماً نفسه وريثاً له، كان يعلن عملياً تطابق شخصه مع الوطن، ثم جاءت الثورة فاستبدلت أسطورة العاهل بأسطورة الولي الفقيه، وبقيت البنية القهرية على حالها.
 
من الشرعية إلى الخوف
 
مع مرور العقود، تآكلت السرديات الكبرى التي بررت بها هذه الدول وجودها، كالتحرر الوطني والوحدة والتنمية، وحل محلها خطاب واحد يقوم على التخويف الدائم من الفوضى والفتنة والمؤامرة الخارجية، فأصبح العنف غاية في ذاته ووسيلة وحيدة للبقاء في الحكم، وتحول الحاكم من "راعٍ للأمة" في الخطاب الرسمي إلى رجل يبحث عن نجاته الشخصية. وفي حالاتها القصوى، تبلغ هذه الدولة نموذج "الدولة الشاملة" التي تحتكر الفضاء العام وتعدّ كل مطالبة بالعدالة تهديداً وجودياً يستوجب السحق، على نحو يقترب مما عرفه العالم من ممارسات تنظيم الدولة الإسلامية.
 
يستدعي هذا المشهد مفهوم "المعسكر" عند الفيلسوف الإيطالي جورجيو أغامبين، حيث تتأسس السيادة على استباحة حياة البشر باسم حماية السلطة. وللمنطقة سوابق مبكرة على ذلك، منها إعدام العاملين مصطفى خميس ومحمد البقري من عمال كفر الدوار بعد أسابيع من حركة الضباط الأحرار عام 1952، في لحظة كشفت مبكراً طريقة تعامل السلطة الجديدة مع مطالب من جاءت لنصرتهم.
 
في قلب هذا النقاش، يقدم المفكر حميد دباشي أطروحة جذرية ترى أن الدولة القومية في عالم ما بعد الاستعمار تفتقر إلى الجوهر والشرعية، وتستمر بنيةً قمعية ورثت أدوات السيطرة عن القوى الإمبريالية ثم وطّنتها. ويستعير دباشي حكاية هانس كريستيان أندرسن عن الإمبراطور الذي خدعه خياطون محتالون فخرج إلى الناس عارياً وهو يظن نفسه في أبهى حلة. هكذا تبدو الأنظمة في نظره، فهي تتظاهر بارتداء ثياب السيادة والتمثيل الشعبي، وتقف عارية أمام شعوب كشفت زيفها في لحظات الانتفاضات الكبرى.
 
كما يرى دباشي في فلسطين المرآة الأوضح لعجز النظام الدولي القائم على الدولة القومية. فهي "اللا-دولة" التي تصمد في وجه دولة استيطانية مسنودة بالهيمنة العالمية، واستطاعت، بسبب غياب السيادة التقليدية تحديداً، أن تصوغ خطاباً تحررياً عالمياً يتجاوز حدودها ويفضح ادعاءات كل من يتحدث عن حقوق الإنسان ويصمت أمام الإبادة في غزة. أما الانتفاضات العربية، فيقرؤها بوصفها "ثورات مفتوحة النتائج" انطلقت لتغير مسار الزمن على المدى الطويل، فتكمن قيمتها في تبدل الفاعل السياسي، من النخب الحزبية والعسكرية إلى الشباب والنساء والمهمشين، وفي تبدل الغاية، من السعي إلى امتلاك جهاز الدولة إلى تفكيك مركزيته واستعادة المجال العام للناس.
 
ما بعد الدولة
 
من هنا تتشكل ملامح أفق مختلف. تحولت الميادين خلال سنوات الانتفاضات إلى مختبرات لفضاء عام عابر للحدود، يصل نضالات المدن ببعضها ويملك طاقة رمزية قادرة على نزع المصداقية عن أي مستبد. وفي هذا الفضاء، يؤدي الفن والسينما والأدب دوراً حاسماً، إذ تتيح للجماعات أن تعبّر عن هويتها خارج القوالب الرسمية، كما فعلت السينما الإيرانية حين قدمت صورة لوطن أرحب من النظام الحاكم. وتصبح المعرفة والثقافة وطناً بديلاً يتسع لما تضيق به الجغرافيا السياسية.
 
يتطلب هذا الأفق استعادة حق التفكير المستقل، والتحرر من "الاستشراق الجديد" الذي يفسر أزمات المنطقة بعدسات أمنية ضيقة. فالرهان الأكبر يتعلق بتغيير المخيلة السياسية ذاتها، وإدراك أن الدولة القومية بصيغتها الراهنة مرحلة تاريخية مؤقتة، قابلة للتجاوز شأنها شأن الإمبراطوريات التي سبقتها. غير أن التجربة القريبة منذ عام 2011 تفرض قراءة أكثر حذراً لأطروحة أفول الدولة القومية. فقد شهدت المنطقة دورات عنف متلاحقة، وانهيارات مؤسسية في سوريا وليبيا واليمن والسودان، وصولاً إلى الإبادة في غزة. وفي خضم ذلك، أظهرت المجتمعات، رغم إدراكها العميق لعيوب الدولة، تمسكاً بها بوصفها إطاراً يوفر حداً أدنى من النظام والحماية في مواجهة بدائل يغلب عليها التفكك والميليشيات والفوضى. وهي حقيقة تغيب كثيراً عن الخطابات التي تبشر بنهاية الدولة.
 
لذلك، يبدو أفق التحرر أكثر تركيباً مما توحي به الأطروحات الجذرية. فهو يقوم على إعادة تخيل الدولة وتجاوز حدودها الصلبة، وتحويلها من جهاز للسيطرة إلى إطار للمواطنة، مع استعادة النزعة الكوزموبوليتانية التي عرفتها المنطقة قروناً، بما يتيح بناء فضاءات سياسية أكثر عدلاً، تصون الكرامة الإنسانية وتتحرر من أسطورة السيادة الفارغة.
 
 
المصدر: المدن