كُتّاب الموقع
اتفاق الإطار ينذر بسخونة سياسية: من يملك قرار جعله إلزامياً؟

زينب زعيتر

الثلاثاء 22 أيلول 2026

لا يبدو أن المعركة حول "اتفاق الإطار" انتهت عند حدود رفضه أو القبول به، بل انتقلت إلى مستوى أكثر حساسية، مع تداول أفكار تدفع باتجاه تثبيت الاتفاق بصيغة رسمية وتحويله إلى إطار أكثر إلزامًا للبنان، وصولًا إلى طرح إدراجه في مجلس الأمن. وفي هذا السياق، تتحرك واشنطن، بالتنسيق مع إسرائيل، باتجاه تكريس الاتفاق كمرجعية دولية، بما ينقل التفاهم من مساحة التفاوض إلى مساحة الالتزام الدولي، ويمنحه وزنًا مختلفًا عن الصيغة التي خرج بها أصلًا، بشكل لا يعود لبنان قادراً على التنصل منه.  
 
طرح يشوبه الكثير من علامات الاستفهام، والاستعانة بنموذج غزة هنا يصبح ضرورة. فتجربة غزة أظهرت أنّ تحويل التفاهمات والقرارات المتعلقة بوقف إطلاق النار إلى أطر رسمية، لم يؤدِّ بالضرورة إلى نتائج فعلية على الأرض، وبالتالي فإن أي أفكار من هذا النوع فيما يتعلق بلبنان، قد تصطدم بالواقع نفسه، فيما تبقى إسرائيل المستفيد الأول والأخير من تثبيت مثل هذا الإطار، في مقابل عدم وضوح ما الذي يمكن أن يحصل عليه لبنان عمليًا من هذه الخطوة.  
 
وهذا الطرح لا يأتي في فراغ، بل في ظل مساعٍ أميركية لإبقاء مسار التفاوض قائمًا وعدم قطع خط التواصل بين لبنان وإسرائيل، ولو اقتصر الأمر على مفاوضات على مستوى سفير وسفير، كما تؤكد مصادر مطلعة لـ"المدن". وفي هذا السياق، يجري التحضير لجلسة جديدة من المفاوضات، إلا أن المصادر نفسها تشير إلى أن انعقادها بات مرجحًا بعد الانتخابات الإسرائيلية. 
 
صدام داخلي 
 
أما طرح تحويل "اتفاق الإطار" إلى إطار رسمي وملزم، بحيث تصبح القرارات الناتجة عنه ذات طابع إلزامي، فقد يفتح الباب أمام صدام داخلي، فضلًا عما يحيط بالاتفاق أصلًا من شوائب قانونية ودستورية. وهذا الأمر برز بوضوح في المداخلات النيابية خلال جلسة مناقشة الحكومة، حيث تناول عدد من النواب اتفاق الإطار، وأثاروا تساؤلات حول صياغته ومدى توافقه مع الأصول الدستورية والقانونية. وتمسّك الحزب التقدمي الاشتراكي باتفاق الهدنة ورفض الاتفاق الجديد، فيما انتقد التيار الوطني الحرّ اتفاق الإطار، معتبراً أنه يتجاوز القرار 1701. وطالب النواب إبراهيم منيمنة وجميل السيد وأسامة سعد بإدراج الاتفاق على جدول النقاش داخل مجلس النواب استناداً إلى الدستور، فيما ذهبت النائبة حليمة القعقور أبعد في هذا الاتجاه، معتبرة أن الاتفاق غير ملزم للحكومة، ومقدّمة مطالعة قانونية رأت فيها أنه يخالف قواعد القانون الدولي وينتقص من حقوق لبنان في التعويض وملاحقة إسرائيل على الجرائم المرتكبة. من جهته، اعتبر النائب ملحم خلف أن الاتفاق يندرج ضمن الاتفاقيات غير التعاهدية ولا يحتاج إلى إبرام، لكنه شدّد في الوقت نفسه على ضرورة عرضه على مجلس النواب ومناقشته، متوقفاً عند البند 13 ومبدأ حسن النيّة، ومتسائلاً عن جدوى هذا المبدأ في ظل استمرار الأعمال العدائية الإسرائيلية. 
 
في المقابل، لا تزال واشنطن تتعامل مع اتفاق الإطار باعتباره صيغة قابلة للتنفيذ، فيما لم تعلن إسرائيل التخلي عنه، بل تتمسك بتفسير يربط انسحابها بنزع سلاح حزب الله. ومن هنا، فإن المشكلة لا تتعلق فقط بالصفة التي ستُعطى للاتفاق، بل بالقدرة على ضمان تنفيذه وإلزام إسرائيل بما يترتب عليها من التزامات. وما ستكون تداعياته في الداخل، خصوصاً أنّ رئيس مجلس النواب نبيه بري أعلن قبل مدة أن الاتفاق سقط عمليًا، في موقف يعكس اتساع الهوة بين النظرة اللبنانية إلى الاتفاق والتعامل الأميركي معه باعتباره إطارًا لا يزال صالحًا للبناء عليه.
 
تجاوز السجال السياسي 
 
إلا أن المسألة تتجاوز السجال السياسي إلى إشكالية قانونية تتصل بطبيعة أي قرار يمكن أن يصدر عن مجلس الأمن. ففي ظل تعثر المفاوضات واستمرار الاعتداءات الإسرائيلية، يمكن للمجلس أن يفعّل صلاحياته في إطار حفظ السلم والأمن الدوليين، لكن ذلك لا يعني تلقائيًا تحويل اتفاق الإطار إلى قرار أممي يُفرض على لبنان بمضمونه. كما أن المرجعية الدولية القائمة بين لبنان وإسرائيل تتمثل أساسًا في اتفاق الهدنة والقرار 1701، اللذين كرّسا الأمم المتحدة مرجعية للإشراف والتنفيذ. وبالتالي، فإن تثبيت اتفاق الإطار كمرجعية جديدة لا يشكل مجرد إجراء تقني، بل قد يعني إعادة صياغة جزء من قواعد العلاقة بين لبنان وإسرائيل، وهو ما يفسر حساسية الاعتراضات السياسية والقانونية المحيطة به.
 
فكيف يُفسّر ذلك قانوناً؟
 
يشرح الدكتور جهاد إسماعيل المتخصص في القانون الدستوري والدولي في حديث مع "المدن" التفسير القانوني للجدلية، معتبراً أنه من الثابت "وفقًا للمادة 33 من ميثاق الأمم المتحدة، يتعيّن على أطراف أي نزاع من شأن استمرارِه أن يعرّض حفظ السلم والأمن الدوليين للخطر، أن يلتمسوا حلّه، بادئ ذي بدء، بالوسائل السلمية، وفي مقدّمها المفاوضات والتحقيق والتسوية القضائية أو غيرها من الوسائل السلمية. بحيث يدعو مجلس الأمن الدولي، بحسب المادة نفسها، أطراف النزاع أن يسووا ما بينهم من النزاع بتلك الطرق إذا رأى ذلك ضرورةً، كما يمكن لكلّ عضو في الأمم المتحدة، بما فيه لبنان، وفق المادة 35 من الميثاق الأممي، أن ينبّه مجلس الأمن إلى أيّ نزاع يهدد السلم، لاتخاذ توصيات تؤول، في نهاية المطاف، إلى احتواء النزاع وفق المادتين 36 و37". 
 
ما يعني أنّ المجلس، لا يضع يده على النزاع إلا حينما تفشل الوسائل السلمية، ومن بينها المفاوضات، وذلك بالتدرج من مواد الفصل السادس حتى الفصل السابع، بمعنى أنه عندما يرى أن هناك عدوانا يقع على أحد الدول؛ فيمكن، عملا بأحكام المادة 39، أن يقرّر اتخاذ قراراته تحت الفصل السابع، أي اتخاذ قرارات توجب القوة أو تهدّد بها، وهذا يعني أن اتخاذ أيّ قرار في المجلس، فور وضع يده على الملف، سواء بناءً على الفصل السادس أم السابع، يُتخذ استنسابيا لا بشكل وجوبي، على أن يخلّ القرار المتخذ، برأينا، أيّ مادة من مواد الميثاق الأممي
 
ويتابع إسماعيل: "وبالعودة إلى اتفاق الإطار - أيّ ذلك المنبثق عن مفاوضات متعثّرة أو فاشلة - تبعًا لاستمرار القوة والاحتلال والعدوان على لبنان من قبل العدو الإسرائيلي، فيؤدي هذا الواقع إلى نهوض صلاحية مجلس الأمن بعد فشل الوسائل السلمية، لكن ليس لوضع هذا الاتفاق موضع التنفيذ، أو لتحويله إلى قرار مجلسي، بل إلى وجوب ترتيب مفاعيل الاتفاق من دون العمل بمضمونه من الناحية المبدئية، أيّ لردع العدوان، من دون تنازل لبنان عن حقوقه السيادية وفق أجندة الاتفاق، وذلك للأسباب الآتية:
 
أولاً: عندما يُصدر مجلس الأمن الدولي قراراته فلا يجوز لها أن تخالف مادة من مواد الميثاق بمفروض المادة 25 من الميثاق بنصّها "تنفيذ قرارات مجلس الأمن وفق الميثاق"، في حين أن بنود الاتفاق تخالف أحكام الفقرة السابعة من المادة الثانية من ميثاق الأمم المتحدة التي تنصّ على انه "ليس في هذا الميثاق ما يسوغ "للأمم المتحدة" أن تتدخل في الشؤون التي تكون من صميم السلطان الداخلي ‏لدولة ما..."، لكون هذا الإطار يمنح الولايات المتحدة دورًا إشرافيا وتدخليا على لبنان بذريعة آلية التحقق، خلافًا للمادة المذكورة...
 
ثانيا: صحيح أن مجلس الأمن الدولي يستطيع أن يعدّل قرارات أصدرها سابقًا، لكن لا يستطيع أن يقوّض القرارات بصورة مطلقة لئلا يهدم الشرعية الدولية، لأنّ المادة 25 من ميثاق الأمم المتحدة نصّت على أن أعضاء الأمم المتحدة تعهدت على قبول وتنفيذ قرارات مجلس الأمن الدولي وفق الميثاق، في حين أن هناك قرارًا صادرًا عن مجلس الأمن الدولي، تحت الفصل السابع، كان مصداقًا لاتفاق الهدنة بين لبنان واسرائيل الّتي تعطي الأمم المتحدة الإشراف على تنفيذ القرار، ومثل ذلك سارت بنود القرار 1701 على تكريس الأمم المتحدة كمرجعية فصل، وليس للولايات المتحدة الأميركية أو سواها..
 
ويختم إسماعيل مشيراً إلى أنه "هذا ويمكن للبنان، كما أيّ عضو من أعضاء الأمم المتحدة، أن ينبّه مجلس الأمن إلى جعل اتفاق الإطار مادة لقرار أممي، لكن صلاحية مجلس الأمن ليست مطلقة، بل هي مقيّدة بأحكام الميثاق، كما لا يمكن إخضاع لبنان إلى قرار الفصل السابع الّذي يطبّق، أصلا، على دولة معتدية لا على دولة معتدى عليها وفق ما يستشف من المواد 39 و40 و41 من الميثاق".
 
وعليه، فإن معركة اتفاق الإطار لا تبدو محصورة في تثبيته من عدمه، بل في الصيغة التي يمكن أن يُثبَّت بها والمرجعية التي ستتولى تنفيذه. فبحسب هذه القراءة القانونية، فإن تعثّر المفاوضات واستمرار الاعتداءات قد يفتحان الباب أمام تحرّك مجلس الأمن لردع العدوان واحتواء النزاع، لكن ذلك لا يعني تلقائيًا تحويل اتفاق الإطار إلى قرار أممي يُفرض على لبنان بمضمونه. بل إن أي خطوة أممية تبقى محكومة بميثاق الأمم المتحدة وبالمرجعيات الدولية القائمة، وفي مقدّمها اتفاق الهدنة والقرار 1701، بما يحفظ السيادة اللبنانية ولا يكرّس دورًا إشرافيًا أو تدخليًا يتجاوز هذه المرجعيات. 
 
المصدر: المدن