صراع المحاور الثلاث على رقعة الشرق الأوسط الكبير
أنس وهيب الكردي
الإثنين 21 أيلول 2026
ثلاث محاور تتصارع على امتداد رقعة الشرق الأوسط الكبير. اثنان منها صلبان، والثالث أقل صلابة. فقد شكلت تل أبيب محوراً تتعاون من خلاله مع بعض الدول والقوى في المنطقة العربية، وأوروبا (اليونان، قبرص، وألمانيا)، إلى جانب الهند. يمكن تسميته محور "أخيل" (أعظم أساطير الإغريق القدماء، والبطل المركزي في ملحمة "الإلياذة" لهوميروس)، نسبةً إلى صفقة الدفاع الجوي المسماة "درع أخيل"، التي أعلنت إسرائيل واليونان عنها مؤخراً.
أما طهران، فقد بنت محورها على امتداد العقود الماضية، من الميليشيات الشيعية التي مولتها ودربتها وسلحتها في العراق ولبنان واليمن وباكستان وأفغانستان.
بدورها، تشاركت الرياض وأنقرة وإسلام آباد في بناء محور ثالث، أطلقت عليه اسم "تحالف مكة". يملك هذا التحالف، وهو الناشئ الجديد بين محاور المنطقة، امتدادات له في سوريا ولبنان واليمن والسودان وليبيا.
هشاشة تحالف مكة
تحالف مكة هو الأشد هشاشة بين هذه المحاور؛ فالقيادة في محور "أخيل" والمحور الإيراني معقودة لمركز واحد، يتمتع بقدرات عسكرية وتقنية مثيرة، وتحالفات دولية وازنة، إلى جانب شبكة أمان عسكرية وإقليمية ودولية فعالة. أما بالنسبة إلى تحالف مكة، فهو عبارة عن تجمع هجين لقوى إقليمية متباعدة الرؤى والمصالح؛ بين اثنتين من أعمدته: تركيا والسعودية، تنافس جيوسياسي امتد لقرون.
انطلق قطار حلف "مكة" بعد انتظار. انتظر المسؤولون السعوديون والأتراك والباكستانيون أن يحسم الجانب المصري خياره بالمشاركة في الحلف، إلا أنهم اكتشفوا أن التحفظ المصري على التحالف لم يكن كناية عن تردد، بل عن تمايز.
وكما كان متوقعاً، لم يكن قطار تحالف مكة قد سار على السكة بعد، حتى تعرض لاختبارات قوى متعددة ومتعارضة فيما بينها، ظنت أنه يستهدفها. اختبرت جماعة "أنصار الله" اليمنية (الحوثيون) اتفاق مكة بعد ساعات على توقيعه، من خلال استهداف أراضي المملكة، تبعها رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، الذي وجه رسالة نارية للدور التركي الإقليمي، ومن خلاله إلى التحالف، عبر الغارات التي استهدفت مطار أبو الضهور بمحافظة إدلب شمال سوريا.
ردت إسرائيل على اتفاق مكة عبر تحويل العلاقة الاستراتيجية التي نسجتها تل أبيب سابقاً مع أثينا إلى تحالف دفاعي متكامل، عبر توقيع اتفاق "درع أخيل"، الذي يوفر حماية تلقائية لقبرص.
الغموض المصري
بالنسبة إلى مصر، التي حضر وزير خارجيتها إلى جانب نظرائه من باكستان وتركيا والسعودية المشاورات التمهيدية الرباعية حول تحالف مكة، عنت المشاركة في التحالف الوقوف إلى جانب أحد المحورين المتنافسين على النفوذ شرقي البحر الأبيض المتوسط: التركي، من جهة، والإسرائيلي اليوناني، من جهة أخرى، مع ما قد يحمله من انعكاسات سلبية على المصالح المصرية، ويورط القاهرة في صراعات النفوذ على الهلال الخصيب والبحر الأحمر، في الوقت الذي ينصب اهتمامها على أولويات أخرى: مياه النيل، غزة، السودان وليبيا.
ولم يكن إعلان أديس أبابا عزمها بناء سدود جديدة على نهر النيل بالتزامن مع توقيع اتفاق مكة وليد مصادفة؛ وإنما أتى كابتزاز إثيوبي واستغلال لحيرة القاهرة ما بين المحاور الإقليمية المتصارعة. وفي ذات السياق، لوحت العواصم الأوروبية، التي ترتاب في أي تقارب مصري تركي، باستبعاد القاهرة عن شؤون ليبيا، بعد رعايتها مؤخراً اتفاقاً سياسياً جديداً بين الأطراف المتحاربة.
ونظراً إلى مصالحها مع أطراف المحورين وتشعباتهما، فضلت مصر، حتى الآن على الأقل، التمايز عن تحالف مكة، والبقاء على مسافة مناسبة منه. وهنالك عنصران آخران أثرا في الاختيار المصري النهائي، أولهما خشية صانع القرار في القاهرة من أن يكون التحالف الوليد بديلاً عن جامعة الدول العربية، وثانيهما أن يؤدي إلى شرعنة الدور التركي في قلب المشرق العربي، وأن يزود الخليج بمظلة قوتين إقليميتين، بما يؤدي إلى تقليص هامش المناورة المصرية حيال دوله، وعلى رأسها السعودية. وربما نبع قرار القاهرة بالتمايز من رغبة القادة المصريين في تحويل بلادهم إلى بيضة القبان في المنطقة، بين المحاور المتصارعة.
الخيارات الإيرانية حيال تحالف مكة
على الضفة الشرقية من الخليج العربي، نظر كبار ضباط الحرس الثوري الإيراني بريبة إلى تحالف مكة؛ فبينما هم منشغلون بتحويل مضيق هرمز إلى "منجم ذهب جيو-استراتيجي"، انبثق إلى الوجود تحالف يقطع عليهم طريق العودة إلى مناطق نفوذهم القديمة في المشرق العربي، ومن شأنه أن يحرمهم من ورقة التفاوض مع الولايات المتحدة وإسرائيل على أمن المنطقة، كما حصل في مناسبات عديدة منذ العام 2000.
وعلى ضوء تراجع دورها عبر الهلال الخصيب واستمرار صراعها مع واشنطن حول مستقبل الملاحة في مضيق هرمز، بات على طهران أن تبني سياسة جديدة حيال تحالفي "مكة" و"أخيل". وأمام صانع القرار الإيراني، أربعة خيارات استراتيجية للتعامل مع الوضع الذي نشأ بعد تبلور هذين الحلفين؛ أولها الوقوف على الحياد فيما بينهما، وتركهما يصطدمان ببعضهما البعض، من أجل صب مجمل تركيزها على حربها مع الولايات المتحدة؛ ثانياً، تحييد، مؤقتاً، أحد المحورين قدر الإمكان وضرب الآخر؛ الانضمام إلى أحدهما على حساب الآخر، الذي يبدو للوهلة الأولى بعيداً عن الواقع، نظراً إلى أن كليهما متحالف مع واشنطن، ولما تضع الحرب الأميركية الإيرانية الإسرائيلية أوزارها بعد؛ وثالثاً، الدخول في مواجهة مع كليهما، إلى جانب حربها ضد واشنطن.
تحييد إيراني لإسرائيل
رسا قادة "الحرس الثوري الإيراني" على الخيار الثاني. وبالرغم من أن ذلك يبدو صعباً لأبعد الحدود، لأن إيران لا تستطيع اتخاذ الوقوف على الحياد حيال إسرائيل، التي لم تنه بعد حربها على حزب الله اللبناني، من جهة، ولأن الصراع الدائر بين محوري مكة وأخيل هو فعلياً صراع على اقتسام تركة إيران في المنطقة بعد هزيمتها الإقليمية، من جهة أخرى، مع ذلك، فإنه ليس مستحيلاً كما قد يعتقد الكثيرون.
اتخذت طهران عدة خطوات للسير في طريق هذا الخيار. أولى تلك الخطوات تمثلت في تحييد الأراضي التي تحتلها إسرائيل في فلسطين المحتلة عن ضرباتها، في الوقت الذي تواصلت فيه هجمات "الحرس الثوري الإيراني" على الأردن ودول الخليج في سياق الحرب الأميركية الإيرانية الهجينة، المستمرة منذ انهيار مذكرة تفاهم إسلام آباد.
في الغضون، لاذ القادة الإيرانيون بصمت القبور، ولم ينبسوا ببنت شفة حيال تبجح نتنياهو بالسيطرة على تلال علي الطاهر جنوبي لبنان، ولم يحركوا ساكناً حيال التفجيرات الإسرائيلية لمواقع حزب الله هنالك، وابتلعوا تهديداتهم بقصف إسرائيل إذا تقدم جيشها نحو تلك التلال.
أتى ذلك منسجماً مع حسابات إيرانية ترفض أن يلعب حزب الله دور "الوسادة العازلة" بين النفوذين التركي والسعودي في لبنان وسوريا، وبين المد الإسرائيلي العاتي، وأن يتحول بالتالي إلى كيس ملاكمة بين محوري مكة وأخيل المتصارعين.
دل ذلك على أن الإيرانيين لم يكونوا في يوم من الأيام بوارد الدفاع عن مصالح أي طرف في المنطقة، فما بالك بقتال إسرائيل من أجل توفير الحماية للنفوذ التركي والسعودي في العاصمة السورية دمشق.
وربما كان في ذهن الإيرانيين أن تجبر السيطرة الإسرائيلية على مرتفعات علي الطاهر السوريين والسعوديين والأتراك على تغيير حساباتهم حيال الاجتياح الإسرائيلي لجنوبي لبنان، خشيةً من نجاح الإسرائيليين في ربطه بجنوب سوريا عبر جبل الشيخ، وأن يتحولوا إلى تقديم دعم حقيقي لحزب الله كي يتمكن من عرقلة التقدم الإسرائيلي على طول الجناح الشرقي لدمشق، وإلا بإمكانهم سحب مقاتلي الحزب مجدداً من تومات جزين وإقليم التفاح وجبل الريحان، بما يعرض دمشق للانكشاف التام أمام الجيش الإسرائيلي، ويجعلها بحكم الساقطة استراتيجياً.
قتال السعوديين وتعرية للأتراك
بعد تحييدهم لإسرائيل عن المعركة، استغل قادة "الحرس الثوري" الجفاء بين الولايات المتحدة والسعودية، جراء رفض الأخيرة السماح للطائرات الأميركية بالإقلاع من أراضيها لضرب الأهداف الإيرانية. كافأ أولئك القادة الرياض على موقفها خلال حرب الأربعين يوماً، من خلال إطلاق العنان للفصائل الموالية لهم في العراق واليمن كي تستهدف الأمن القومي السعودي.
باكورة التحرشات الإيرانية بالسعودية تمثلت في استهداف خط أنابيب ينبع من قبل الميليشيات العراقية، بالتزامن مع هجوم جماعة "أنصار الله" (الحوثيين) الصاعق على منطقة المخا وسيطرتها على مضيق باب المندب، الأمر الذي شدد الطوق على صادرات النفط السعودي، ووجه لطمة مادية ومعنوية لتحالف مكة، الذي لما ينطلق من محطته الأولى بعد.
إلى الآن، سارت الخطة الإيرانية كما هو مخطط لها؛ ويمكن القول بشيء من الثقة إن "الحرس الثوري" نجح في كشف الموقف السعودي في اليمن وباب المندب، وتعرية الدور التركي في سوريا أمام العدوانية الإسرائيلية. بذلك، تتحقق لطهران غايتها الاستراتيجية المتمثلة في إضعاف تحالف مكة، عدوها اللدود؛ ففي الوقت الذي تحارب فيه أذرعها المملكة العربية السعودية، تدخل إسرائيل مواجهة لا هوادة فيها مع النفوذ التركي في بلاد الشام وشرقي المتوسط، حتى لو كان ذلك على حساب "ترميد" المزيد من المناطق اللبنانية في الجنوب.
مع ذلك، ليس لدى الإيرانيين الكثير من الأمل في أن تحقق استراتيجيتهم نجاحاً نهائياً، نظراً إلى تراجع قوتهم الجيوسياسية في موازين القوى الإقليمية، حيث إن استمرار دورهم الحالي لا ينبع من قوتهم الذاتية، وإنما من الصراع المحتدم بين محوري مكة وأخيل على السيطرة والنفوذ، وحاجة أطراف المحورين (المؤقتة) إلى ثقل إضافي لترجيح كفته على الآخر، حتى لو كان ذلك من خلال وقوف الإيرانيين على الحياد، أو عبر قليل من الدعم الإيراني لأهدافه في مواجهة الآخر.
محور أخيل
يعتبر محور أخيل أشد المحاور الثلاثة نفوذاً، وأوسعها هامش مناورة على امتداد ساحات الصراع في الشرق الأوسط الكبير.
تتحرك أطراف هذا المحور من أقصى غرب أفريقيا، ليبيا، فالسودان، ثم شرقي البحر الأبيض المتوسط، فسوريا، وفلسطين، ولبنان، ثم اليمن، والصومال، وإيران والقوقاز، وأخيراً أفغانستان. تحظى تلك الأطراف في ساحات معينة بدعم أميركي كامل، وفي ساحات أخرى تواجه الاستراتيجية الأميركية، ساعيةً إلى التأثير عليها عبر التلاعب بالسياسة الأميركية الداخلية وموازين القوى داخل إدارة الرئيس دونالد ترامب. تقاتل هذه الأطراف إيران في ساحات، وتحايدها في ساحات أخرى، لكنها تتصارع مع دول تحالف مكة على طول الخط.
في المغرب الأقصى، تدعم أطراف قريبة من محور أخيل دولة المغرب في صراعها طويل الأمد مع الجزائر، وتتشارك استراتيجية شاملة لمد خطوط أنابيب لنقل النفط والغاز من دول غرب القارة الأفريقية إلى أوروبا عبر المغرب، متجاوزةً الجزائر.
وفي ليبيا، يتشارك المغرب والإمارات واليونان ودول أوروبية وازنة طموحاً غير معلن لاستبعاد تركيا وروسيا والجزائر عن التسوية النهائية للصراع الليبي، ودق أسفين بين أنقرة والقاهرة.
في شرقي المتوسط، تخطط تل أبيب لحبس الأتراك وراء مضائق البوسفور والدردنيل، من خلال نصب "درع أخيل" على الجزر اليونانية الملاصقة لآسيا الصغرى. ومن نافل قوله إن عواصم أوروبية، بينها باريس وبرلين، زكّت الاتفاق الإسرائيلي اليوناني وتعتقدان أنه يتناسب مع مصالحهما.
وليس من قبيل المصادفة أن يلي "درع أخيل" واتفاق ليبيا توصل روسيا والحكومة السورية، برعاية أنقرة، إلى مذكرة التفاهم القاضية باستمرار وجود القاعدتين الروسيتين على الساحل السوري، في خطوة معادية للدور الأوروبي في المنطقة وأفريقيا.
ومما لا شك فيه أن المسرح الأبرز للتصادم بين محوري أخيل ومكة هو بلاد الشام، التي تشهد منذ الأزل تكثف المعاني الاستراتيجية والتاريخية والعقائدية للصراعات الإقليمية والدولية. تطمح تل أبيب إلى إسدال سيطرتها على هذا المسرح، ودحر النفوذ التركي عنه، واستتباع الدور السعودي فيه، وهي ترى في لبنان ساحة مركزية لتحقيق هذه الغايات.
علاوةً على ذلك، تشتعل المنافسة الجيو-اقتصادية بين المحورين على تحديد مسارات التجارة الدولية العابرة لبلاد الشام، وأنابيب نقل الطاقة المارة فيها. في هذه المنافسة لا تتورع إسرائيل عن بث مشاعر العداوة بين أبناء المنطقة تحقيقاً لأهدافها السياسية.
ومن غريب المصادفات أن نتنياهو قرر انتهاج ذات الاستراتيجية التي اتبعتها طهران حيال محور مكة، لكن بشكل معكوس. فلقد تبجح مرات عدة بتوقف "الحرس الثوري" عن استهداف إسرائيل، في الوقت الذي يواصل فيه استهداف دول الخليج الأخرى. وفيما أعلن مواجهة لا هوادة فيها مع الدور التركي في سوريا وشرقي المتوسط، جمد علاقاته بالسعودية، تاركاً للرياض مواجهة عدوانية الأذرع الإيرانية، وبالتالي يظهر لها خواء تحالفها مع تركيا وباكستان.
واستبق نتنياهو تجدد الصراع اليمني بخطوته لبناء علاقة استراتيجية مع إقليم "صوماليلاند"، وتعزيز الوجود الإسرائيلي على الساحل الشمالي للصومال المطل على مضيق باب المندب. وبسقوط المخا بيد "الحوثيين" لم تتأثر عملياً المصالح الإسرائيلية، بل اشتد التطويق الإيراني للسعودية.
ولربما ساهمت خسارة المخا في فتح الباب أمام بناء علاقات أكثر علانية بين تل أبيب والمجلس الانتقالي (الجنوبي)، الذي أبدى قادته استعدادهم للانضمام إلى اتفاقيات إبراهام وإقامة علاقات دبلوماسية مع إسرائيل، في حال نجاح مساعيهم لإقامة دولة مستقلة في جنوب اليمن.
وعلى الرغم من أن تل أبيب لم تكشف عن استراتيجيتها حيال العراق، إلا أن بعض أعضاء محورِها الإقليميين يفضلون تشكيل جبهة عراقية داخلية ضد النفوذين التركي والإيراني معاً، فضلاً عن استخدام الأراضي العراقية (وربما الأردنية) في الشحن من الخليج العربي وإليه للالتفاف على الأراضي والموانئ السعودية.
ربما كان الأكثر غرابة في تحركات محور أخيل هو الدعم الذي تقدمه نيودلهي لحكم "طالبان" في أفغانستان بهدف تقوية الحركة في مواجهة تطلعات إسلام آباد للهيمنة على جارتها، وتحويلها إلى حديقتها الخلفية. كما تقدم أطراف قريبة من محور أخيل دعماً مالياً لحركة "طالبان باكستان"، بهدف إضعاف القيادة الباكستانية وتشتيتها، بما يساهم في فت عضد تحالف مكة.
ساحة أخرى شهدت تحركات لمحور أخيل معادية لتركيا هي القوقاز. تعمل الهند وعواصم أوروبية على تصليب الموقف الأرميني في مواجهة مطالب الثنائي الأذربيجاني التركي المنتصر في الصراع من أجل ناغورني كاراباخ، من خلال مد يريفان بالسلاح والعتاد.
صراعات على جبهتين
بمجرد توقيعه، دخلت دول "اتفاق مكة" دوامة الصراعات الإقليمية على امتداد ساحات الشرق الأوسط الكبير، متواجهةً مع المحورين الإسرائيلي والإيراني في الوقت نفسه. يشعر مهندسو تحالف مكة بزيادة منسوب الضغط على دولهم، لذلك لا يخفون تطلعهم إلى ضم مصر والجزائر إلى صفوفهم، أو على الأقل صياغة تفاهم معهما كي يعززا جناح تحالفهم الوليد بمناطق البحر الأحمر وليبيا والمغرب الأقصى.
وبالنسبة إلى أنقرة والرياض، فقد ظهر أخيراً خطر الانسجام الخفي بين استراتيجية طهران والاستراتيجية الإسرائيلية المضادتين لـ"تحالف مكة". كما اتضح كذلك مدى استهداف إيران وإسرائيل لمناطق نفوذ الدولتين في كل من سوريا ولبنان واليمن، بالرغم من استمرار الحرب بينهما. لذلك، قد ترفع العاصمتان مستوى تنسيقهما الأمني والعسكري، في الوقت الذي تطالبان فيه واشنطن بتحديد موقفها النهائي من تحركات إسرائيل وبعض حلفائها في المنطقة، والمعادية لتحالف مكة.
إن العبء الأكبر في مواجهة التحديات النابعة عن الصراعات الإقليمية سيقع على عاتق القادة الأتراك والسعوديين. وسيكون عليهم اجتراح استراتيجية لمواجهة تلاقي المصالح الإسرائيلي الإيراني على إضعاف تحالفهم، قادرة على مواجهة الإسرائيليين الطامحين إلى تسيد بلاد الشام، وإيران المتطلعة للسيطرة على مضيقي هرمز وباب المندب.
تزداد حراجة الموقف بالنسبة إلى الرياض وأنقرة من واقع احتدام الهجمات على أدوارهما في ساحات متنوعة ومتعددة ومتباعدة، من ليبيا والسودان إلى اليمن وسوريا ولبنان، وصولاً إلى القوقاز وأفغانستان.
الفوضى مستمرة
هكذا، لا تزال الفوضى الشاملة هي المعلم الرئيسي للشرق الأوسط الكبير، ولا يزال إرساء نظام إقليمي مستقر أمراً سابقاً لأوانه وبعيد المنال في الوقت الحالي. فمن جهة، يمسك محور "أخيل" بأوراق الضغط على أكثر من ساحة؛ بينما لا يزال المحور الإيراني، وإن تراجعت قوته الذاتية، قادراً على إرباك الخصوم وتفجير جبهاتهم الخلفية؛ أما "تحالف مكة"، الوليد الهش، فيجد نفسه محاصراً بين سندان التقدم الإسرائيلي ومطرقة الأذرع الإيرانية، قبل أن تنضج بنيته الداخلية وتتضح أولوياته.
المصدر: المدن