كُتّاب الموقع
إسرائيل بعد انتخاب وحرب: أبراهام للإقليم وجيوش تعمل معها

منير الربيع

الإثنين 26 تشرين الأول 2026

كان بنيامين نتنياهو كثير الصراحة عندما قال إن الفرصة المتاحة أمام إسرائيل لن تكون متوفرة لاحقاً لضرب إيران والقضاء على برنامجها النووي. واعتبر أن السنتين المتبقيتين من ولاية دونالد ترامب الرئاسية هما تلك الفرصة. وهما السنتان اللتان يريدهما نتنياهو لمواصلة حربه التي تهدف إلى إسقاط النظام الإيراني، وتغيير وجه المنطقة وتوازناتها وتحالفاتها، والدخول في اتفاقات إبراهيمية جديدة. يفتح ذلك الباب أمام الكثير من السيناريوهات حول الانتخابات الإسرائيلية، فكل استطلاعات الرأي حتى الآن تشير إلى أن أياً من الفريقين غير قادر على تشكيل الحكومة، وهو ما يعني أن هناك حاجة لتوسيع دائرة التحالفات والبحث عن تشكيل حكومة "وحدة وطنية" على أن يترأسها نتنياهو لسنتين، وبعدها يتولى غادي إيزنكوت رئاسة الحكومة للسنتين المتبقيتين، وهو سيناريو اتبع سابقاً بين نفتالي بينيت ويائير لابيد. وربما هذا السيناريو هو الذي يدفع الأميركيون باتجاهه، مع ما يعنيه من منح نتنياهو سنتين إضافيتين لمواصلة حربه وفرض مشروعه.
 
فوز نتنياهو.. الخطر الأكبر
 
بغض النظر عن نجاح هذا السيناريو من عدمه، يبقى فوز نتنياهو والجمهوريين هو الأخطر، فالمشروع سيمضي قدماً، لأن نتنياهو لن يتراجع عن مساعيه لتحقيق أهدافه، لا في لبنان ولا في سوريا ولا حتى على مستوى المنطقة ككل. كلاهما يريدان المضي قدماً في مشروع التطبيع، وفكفكة أي تحالف مضاد أو مقابل. إذ على مدى الأشهر الماضية سعى الأميركيون والإسرائيليون لإقناع دول عربية عديدة بالانخراط إلى جانبهما في الحرب على إيران، وبالدخول في اتفاقات أمنية وعسكرية تمهد لاتفاقات إبراهيمية. تجددت المساعي بعد اندلاع الحرب في اليمن مجدداً، ومعروف أن إسرائيل تريد مواجهة حلف مكة وتفكيكه. وهي تريد للحرب على إيران أن تكون عنصر تقارب مع دول خليجية، وهذا ما تريد تعزيزه من خلال استعدادها للانخراط في الحرب ضد الحوثيين. فمواقف نتنياهو كانت واضحة في أن القضاء على إيران هو المدخل للقضاء على كل حلفائها خصوصاً حزب الله والفصائل العراقية والحوثيين.
 
الجميع يستعد لما بعد الحرب
 
تبدو الحرب كأنها واقعة، وكأن القرار بشأنها متخذ، ويبقى السؤال الأساس حول موعد اندلاعها ومدتها ونتائجها، بينما كل دولة تبحث عن مرحلة ما بعد الحرب، وعما ستفرزه من نتائج، وعن شكل التحالفات بعدها، خصوصاً على مستوى خطوط النفط والتجارة والشراكات الاقتصادية والاستثمارية. وهذا ما تريد إسرائيل استباقه لتعزيز تحالفاتها مع دول عربية وخليجية، في مقابل سعيها لتفكيك حلف مكة. وبينما تسعى كل الدول إلى تنويع وتوسيع تحالفاتها، فإن المملكة العربية السعودية، التي انضمت إلى حلف مكة وعززت العلاقة مع تركيا، لا يغنيها ذلك عن تعزيز علاقتها الدفاعية والأمنية والاقتصادية مع اليونان، التي زار رئيس وزرائها الرياض والتقى ولي العهد السعودي محمد بن سلمان.
 
معروف أن هناك علاقة صداقة شخصية وقوية جداً تجمع بين رئيس الوزراء اليوناني وبن سلمان، فقبل سنوات، وعندما سحبت الولايات المتحدة الأميركية صواريخ الباتريوت من السعودية، عرضت اليونان تقديم منظومتها للدفاع الجوي وصواريخ الباتريوت العائدة لها، وقد نقلتها إلى الأراضي السعودية، كما أن رئيس الوزراء اليوناني يمتلك قصراً في السعودية جرى تقديمه له كهدية بنتيجة موقفه هذا. لذا، ليس توقيت الزيارة التي أجراها إلى السعودية أمراً تفصيلياً، على وقع الاستنفار الكبير في المنطقة واستعداد الدول لاندلاع الحرب في أي لحظة.
 
لا ينفصل ذلك عن التحالفات التي تتشكل، ومشروع طريق الهند، أو البحث بين دول الشرق الأوسط عن شراكات واتفاقات حول منابع ومعابر النفط والغاز. وعلى الرغم من أن ذلك يأتي في ظل الحرب، فهو يأتي أيضاً بعد توقيع تركيا لاتفاق ترسيم الحدود البحرية مع شرق ليبيا، وهو الأمر الذي أزعج إسرائيل ومصر واليونان وقبرص. لكن على الرغم من ذلك، فإن العلاقات المصرية التركية لم تنقطع، وزار وزير خارجية مصر إسطنبول والتقى نظيره التركي هاكان فيدان على هامش اجتماع تركي عربي أوروبي.
 
لا يمكن لكل هذه التحالفات أن تتبلور قبل حسم نتيجة الحرب في المنطقة، فلا أحد من هذه الدول قادر على تحمل آثار حالة اللاحرب واللاسلم القائمة. ففي حال حققت واشنطن وتل أبيب أهدافهما من الحرب على إيران، فإن ذلك سينقل الصراع في المنطقة إلى مستوىً آخر، وعندها لا بد من رصد مسار التنافس أو التصارع أو التصادم التركي الإسرائيلي، وما ستكون عليه مواقف الدول العربية. لكن الأكيد أن تحقيق الأهداف في إيران وعودة نتنياهو رئيساً للحكومة سيفتحان شهيته أكثر لحسم ملفات أخرى، ليس من خلال الحرب بل من خلال الضغط السياسي أو الأمني أو العسكري ومن خلال تفكيك التحالفات المضادة له، وعقد تحالفات مع أطراف منها، بمعنى أنه سيسعى إلى إبرام اتفاق مع السعودية ومع دول خليجية أخرى لتطويق تركيا وإضعاف نفوذها.
 
لبنان وسوريا في قلب التجاذب
 
لبنان وسوريا لن يكونا بمنأىً عن كل هذه التطورات. فسوريا هي ساحة التجاذب الأساسية بين إسرائيل وتركيا. في الأيام الماضية كثفت إسرائيل اعتداءاتها وتوغلاتها وتدخلها، وأرسلت المزيد من الأسلحة، ولا يزال نتنياهو يسعى إلى التلاعب بالوضع الداخلي من بوابة محافظة السويداء، وسط تقديرات كثيرة تشير إلى سعيه لافتعال مشكلة بين الدولة السورية والدروز تبرر له التدخل عسكرياً أكثر والسيطرة على مناطق جديدة بما فيها مناطق من محافظة درعا، تمنحه قدرة على فتح طرق بين المناطق الدرزية في سوريا، وتأمين خط مفتوح لاحقاً باتجاه مناطق درزية في جنوب لبنان. في مقابل هذه الخطط الإسرائيلية، لا تزال هناك جهود تبذل بين دمشق وعمّان والرياض وأنقرة وواشنطن من أجل معالجة ملف السويداء من دون أي صدام، ومن دون أن يؤدي إلى إضعاف سوريا على أراضيها أو إدخالها في حالة صراع داخلي.
 
أما لبنان، الذي يعيش جموداً سياسياً بانتظار تطورات الوضع في المنطقة، فيجد نفسه أمام البحث عن أجوبة عن أسئلة ما بعد نتائج الانتخابات وما ستفرزه الحرب من موازين وتوازنات جديدة. الأسئلة اللبنانية كثيرة هنا، تبدأ من كيفية احتواء التصعيد وتجنبه، ولا تنتهي بالأسئلة عن تجدد المفاوضات العسكرية والسياسية، ومصير الجنوب وما بعد اليونيفيل وآلية التحقق، والتحقيقات بشأن شحنة المتفجرات وما يرافقها من ضغوط. بالنسبة إلى لبنان، مهما كانت نتيجة الانتخابات الإسرائيلية، فلن تؤدي إلى تغيير جوهري، ستبقى الشروط الإسرائيلية على حالها ولن يكون هناك انسحاب قبل تحقيق الشروط التي تفرضها تل أبيب.
 
كل الخيارات تبدو في غاية الصعوبة. فواشنطن وتل أبيب تصرّان على ضرورة الوصول إلى اتفاق سلام بين لبنان وإسرائيل، كما هناك إصرار على التنسيق الأمني والعسكري المشترك، وعلى أن يتم العمل بين الجيشين من ضمن غرفة عمليات مشتركة. وتذهب إسرائيل أبعد من ذلك في بعض الطروحات التي تقدمها أمام مسؤولين دوليين زاروها سابقاً، بالقول إنه في حال لم يتحرك الجيش ضد حزب الله فهي ستواصل عملياتها العسكرية. كما تقدم عروضاً كثيرة حول استعدادها لمساعدة الجيش اللبناني على مواجهة الحزب من دون أي خوف، ولو اقتضى الأمر أن تخوض إلى جانبه معارك مشتركة ضد الحزب، وأن تنفذ ضربات جوية بينما يتحرك الجيش على الأرض. وهذا الأمر يرفضه لبنان بالمطلق، تماماً كما رفض الجيش اللبناني أي آلية للتنسيق بين الجيشين، ولا يزال يتمسك بتشكيل آلية تحقق دولية. 
 
في حال فوز نتنياهو، فإن مثل هذه الضغوط ستتجدد وتتزايد أكثر، كما أن الضغوط الأميركية لن تتراجع في مسألة إنجاز التحقيقات في ملف شحنة المتفجرات، تصل إلى حد المطالبة بتوقيف مسؤولين كبار في حزب الله وليس فقط مسؤولين من الصف الثالث أو الرابع.
 
المصدر: نداء الوطن