كُتّاب الموقع
صانع الملوك العربي في الانتخابات الإسرائيلية يريد شراكة مع اليهود

ديفيد م. هالفينغر وآدم راسغون- نيويورك تايمز

الإثنين 19 تشرين الأول 2026

قد يُعذَر مَن يتابع الإعلانات الانتخابية بصورة عابرة، قبيل الانتخابات الإسرائيلية المقرّرة في 27 تشرين الأول، إذا اعتقد أنّ أخطر تهديد لمستقبل البلاد هو طبيب أسنان تحوَّل إلى  سياسي يُدعى منصور عباس. فعلى مدى أشهر، ظهر عباس، رئيس حزب إسلامي يُسمّى القائمة العربية الموحّدة (رعام)، في إعلانات انتخابية لرئيس الوزراء بنيامين نتنياهو، من دون أن يكون ذلك باختياره. ويحذّر نتنياهو في هذه الإعلانات الناخبين  اليهود، من أنّ عباس سيصبح صاحب السلطة الفعلية في الحكومة المقبلة، إذا أُخرج نتنياهو من منصبه عبر صناديق الاقتراع، وأنّه يشكّل خطراً على إسرائيل من الداخل، وأنّه قوّة دافعة نحو إقامة ما يخشاه كثيرون من الإسرائيليّين اليمينيّين أكثر من أي شيء آخر: دولة فلسطينية. تابعالحملات
 
في الواقع، لا ترتبط الأولويات المعلنة لعباس كثيراً بالضفة الغربية وقطاع غزة، بل تتمحور بالكامل حول المواطنين العرب في إسرائيل، الذين يشكّلون نحو 20% من السكان، ويعانون من تفشّي الجرائم العنيفة ومن سياسات الإسكان التمييزية.
 
 
وما يمنح الهجمات المتواصلة التي يشنّها نتنياهو عليه طابعاً بالغ الحساسية، هو أنّ عباس قد يتحوَّل إلى صانع الملوك في الانتخابات، وهو دور سبق أن أدّاه. ففي النظام الإسرائيلي المتعدِّد الأحزاب، قد يصبح من المستحيل على قادة المعارضة تشكيل ائتلاف كبير بما يكفي لإطاحة نتنياهو من السلطة، إذا رفضوا الاستعانة بدعم عباس.
 
مَن هو عباس
وهذا ما يجعل عباس، على الأرجح، السياسي العربي الأكثر نفوذاً الذي عرفته إسرائيل. وتزداد أهمية ذلك إذا أخذنا في الاعتبار أنّ «رعام» هو حزب محافظ اجتماعياً، الأمر الذي يجعله شريكاً غير متوقع للأحزاب الليبرالية.
 
 
وأوضح عباس في مقابلة، أنّ ما يحفّزه أكثر من أي شيء آخر ليس مجرّد الرغبة في هزيمة ما يسمّيه «هذه الحكومة العنصرية والفاشية»، بل استبدالها بحكومة يكون فيها المواطنون العرب «شركاء، ويكون لنا فيها صوت، ونتمتع فيها بالنفوذ». وأكّد لمئات الناخبين في تجمّع انتخابي في بلدة طوبا الزنغرية، البدوية في شمال إسرائيل، أنصتوا إليه وهو يشدّد على ضرورة إقامة شراكة بين العرب واليهود: «لن نبقى أيتاماً على مائدة أصحاب النفوذ».
 
 
ويصفه بعضهم بأنّه السياسي الأكثر دهاءً في البلاد. لفت عباس الأنظار للمرّة الأولى عام 2021، عندما تفاوض مع نتنياهو للانضمام إلى الحكومة التي كان الأخير يعتزم تشكيلها، في خطوة كانت ستشكّل، عملياً، مباركة من رئيس الوزراء لما كان سيصبح محطة مفصلية لحزب إسلامي. لكنه تحالف بعد ذلك مع خصوم نتنياهو للإطاحة به بدلاً من ذلك.
 
 
استعاد نتنياهو رئاسة الحكومة في العام التالي، وشكّل الحكومة الأكثر يمينية في تاريخ إسرائيل. ثم جاء هجوم 7 تشرين الأول 2023، ليدفع كثيراً من الإسرائيليّين إلى النظر إلى جميع الفلسطينيّين، بمَن فيهم المواطنون العرب في إسرائيل، باعتبارهم تهديدات محتملة.
 
 
وردّ عباس (52 عاماً) بمضاعفة جهوده للتواصل مع اليهود الإسرائيليّين وكسب قبولهم. فأدان هجوم 7 تشرين الأول في يوم وقوعه، وساعد في إيجاد مساكن للإسرائيليّين الذين فرّوا من المناطق المحاذية لقطاع غزة. كما ندّد مراراً بحركة «حماس»، معتبراً أنّ استخدام العنف لم يؤدِّ إلّا إلى إلحاق الضرر بالفلسطينيّين.
 
هجمات من كل الاتجاهات
ومع اقتراب الانتخابات الإسرائيلية في 27 تشرين الأول، يتعرّض عباس لهجمات من جميع الاتجاهات. إذ يصوّره نتنياهو وحلفاؤه على أنّه متعاطف مع الإرهابيّين، أو ما هو أسوأ من ذلك.
أمّا قادة المعارضة الصهيونية، الذين سبق أن أشادوا بعباس بوصفه رائداً شجاعاً، فقد باتوا اليوم ينأون بأنفسهم عنه علناً، في محاولة لاستمالة الناخبين اليمينيّين. ووصل قادة الأحزاب العربية الأخرى، الذين يختارون الطريق الأقل تعقيداً، المتمثّل في الاحتجاج على جميع  الحكومات الإسرائيلية وعدم الانضمام إلى أي منها، إلى حدّ الاقتراب من اتهامه بالتخلّي عن قضيّته ومبادئه.
 
 
لكن ذلك لم يثنِه عن مساره. ففي طوبا الزنغرية، جلس مئات الرجال المسلمين ، يستمعون إلى عباس، وهو إمام أيضاً، بينما استشهد بتعاليم النبي محمد بشأن القيادة: «على القائد أن يثق بالمسار الذي يسلكه». وبعد أيام، وفي مؤتمر صحافي في الناصرة، أقدم على أكثر خطواته جرأة حتى الآن، معلناً أنّ يوآف سيغالوفيتز، نائب تيار الوسط اليساري ومسؤول الشرطة الرفيع سابقاً، سيكون المرشح الثاني على لائحة «رعام»، في تحالف هو الأول من نوعه بين سياسيّين عرب من التيار السائد وسياسيّين يهود. وأعلن عباس بالعبرية، وسيغالوفيتز إلى جانبه: «من أجل إحداث التغيير، عليك أن تنظر إلى الشخص الآخر باعتباره إنساناً، لا عدواً». تابعالحملات
 
المساعدة من خلال أدوات الدولة
وُلد عباس في المغار، وهي مدينة في الجليل تضمّ سكاناً من الدروز والمسيحيّين والمسلمين، ولم يطمح يوماً إلى دخول عالم السياسة. وقال إنّ والده كان بقالاً و»مصلحاً»، أي شخصاً يلجأ إليه أبناء البلدة لحلّ النزاعات الحادة وإحلال السلام بينهم. وأضاف، أنّه كان يُطلَب منه كثيراً، خلال المرحلة الثانوية، التوسّط لحلّ الخلافات بين الطلاب.
 
 
وبعد سنوات، عندما أصبح طبيب أسنان، اندلعت اشتباكات بين الدروز والمسيحيّين في بلدته، أدّت إلى إحراق منازل وفرار الآلاف. فأغلق عباس عيادته لمدة شهر، وعمل على التوسّط للتوصّل إلى تسوية أعادت الهدوء وأفضت إلى إعادة بناء المنازل.
 
 
وقال إنّه، رغبةً منه في تقديم مزيد من المساعدة للناس، خلص إلى أنّ السبيل الوحيد لتحقيق ذلك هو «من خلال أدوات الدولة». ومنذ دخوله الكنيست عام 2019، ركّز عباس، المتزوِّج والأب لثلاثة أطفال، على ما يسمّيه «القضايا الملحّة» بالنسبة إلى المواطنين العرب في إسرائيل، ولا سيما تفشّي الجرائم العنيفة وعمليات الابتزاز على نطاق واسع في المناطق العربية.
 
 
وفي طريق عودته من طوبا الزنغرية، قال عباس إنّ جهوده جعلته هو أيضاً هدفاً للتهديدات، وإنّه تلقّى تهديدات بالعنف من شبكات الجريمة المنظمة، فضلاً عن عرب و يهود وفلسطينيّين من الضفة الغربية.
 
 
المساعدة في إعادة بناء كنيس يهودي
وعلى المستوى الوطني، استقطبت جهود عباس للتواصل مع  اليهود اهتماماً أكبر بكثير. ففي أيار 2021، عندما اندلعت أعمال شغب بين العرب واليهود في إسرائيل، زار كنيساً يهودياً أُحرق في مدينة اللد برفقة رئيس البلدية اليهودي اليميني، وعرض المساعدة في إعادة بنائه، مندّداً بأعمال العنف.
 
 
ودعا بعض العرب إلى استقالته، معتبرين أنّ أولوياته كانت في غير محلّها، في وقت كانت فيه الشرطة الإسرائيلية تنفّذ حملات توقيف بحق المواطنين العرب.
 
 
ويعتقد محمد مجادلي، الصحافي العربي: «كان هذا الأمر غير مقبول إطلاقاً في ذلك الوقت. اتصل بي أحد أبرز قادة الحركة الإسلامية وقال: يمكنك أن تقول إنّ منصور عباس انتهى بالنسبة إلينا. لكنه نجح في إقناعهم بأنّ ما فعله كان التصرُّف الصحيح».
 
مستقبل مشترك؟
شكّل انضمام «رعام» إلى الحكومة الائتلافية التي قادها نفتالي بينيت عام 2021 نقطة تحوُّل مفصلية. فالأحزاب العربية اعتادت انتقاد السياسات الإسرائيلية والاحتجاج عليها من خارج الحكومة. ويرى عباس، أنّ تحقيق إنجازات كبرى لا يمكن أن يتمّ إلّا من خلال ممارسة السلطة. وقال إنّه إذا كان ذلك يعني تحمّل مسؤولية سياسات يعترض عليها المواطنون العرب، «فنحن مستعدّون لدفع الثمن».
 
 
لكنّ بعض المواطنين العرب يرَون أنّه يدفع بالفعل ثمناً باهظاً للغاية. فنادراً ما يتحدّث عباس عن الفلسطينيّين في الضفة الغربية وقطاع غزة، خشيةً من أن تصبح الدعوة إلى إقامة دولة فلسطينية أكثر إثارة للرفض بين الناخبين في إسرائيل.
 
 
وعندما أشار بإيجاز إلى تأييده إقامة دولة فلسطينية خلال مؤتمر حزبي في آب، شنّ عدد من قادة المعارضة، الذين قد يصبحون شركاء محتملين له في أي ائتلاف حكومي، هجوماً على تصريحه. كذلك، تساءل مواطنون عرب عن أسباب عدم اتخاذ عباس موقفاً أكثر وضوحاً ضدّ الحرب الإسرائيلية على غزة، التي أودت بحياة عشرات الآلاف من الفلسطينيّين. أنجزمعاملاتك
 
مقايضات مثيرة للجدل
وأوضحت بشائر فحوم جيوسي، الرئيسة المشاركة لمنظمة «مبادرات إبراهيم»، التي تعمل على تحسين العلاقات بين العرب واليهود في إسرائيل: «إنّ المقايضات التي يجريها تثير جدلاً واسعاً داخل المجتمع العربي. قد يقول البعض إنّ ثمن هذه المقايضات باهظ للغاية. فهم يرَون أنّه يتحرّك إلى حدّ كبير وفق شروط الأحزاب الصهيونية، في حين تقول أحزاب عربية أخرى: تقبّلوني كما أنا».
 
 
ويرى صفوت فريج، رئيس الحركة الإسلامية، أنّه على الرغم من أنّ المواطنين  العرب في إسرائيل قد لا يستسيغون كل ما يقوله عباس، فإنّ كثيرين منهم يتقبّلون فكرة أنّ التسوية تشكّل جزءاً من نهجه.
 
 
وفي الوقت نفسه، يتعرّض عباس لهجوم عنيف من اليمين، بسبب تصريحات مؤيّدة للفلسطينيّين أدلى بها في الماضي، ومنها إعلانه في إحدى المرّات أنّ الإسرائيليّين «لا حق لهم» في القدس، وأنّهم «يتعدّون على هذه الأرض». ويزعم عباس أنّه، قبل دخوله السياسة، لم تكن لديه تفاعلات تُذكر مع اليهود الإسرائيليّين، وإنّ ذلك أثّر في «فهمه للوضع والظروف والنوايا»، لكنّ «وجهات نظره تطوّرت. ربما، إذا نظرت إلى الماضي، أجد جملة هنا وأخرى هناك لم أكن لأقولها اليوم».
 
 
ويؤكّد عباس أنّه، خلافاً لما قد يبدو، لم يتخلَّ عن القضية الفلسطينية، بل ينظر إلى حلّ الصراع من منظور أبعد مدى، وإنّ ذلك يبدأ بإظهار قدرة العرب واليهود على التعاون لحلّ المشكلات داخل إسرائيل، من أجل خلق الأمل واستعادة «الثقة بأننا نستطيع العمل معاً من أجل مستقبل مشترك».
 
 
شراكة غير متوقعة
قد يشكّل تحالف عباس مع سيغالوفيتز نموذجاً يُحتذى به. وتذكّر سيغالوفيتز، أنّهما مازحا ذات مرّة داخل قاعة الكنيست بشأن خوض الانتخابات معاً، عندما كان يشغل منصب نائب وزير الأمن القومي في الحكومة الائتلافية التي شارك فيها عباس.
 
 
وكان سيغالوفيتز قد جعل من مكافحة الجريمة في المجتمعات العربية مهمّة له، وأنشأ قوّة عمل خاصة لمحاربة الجريمة المنظمة. وقال إنّه خلال فترة إشرافه، انخفض معدل جرائم القتل بنسبة 16%.
 
 
وقد منح ذلك سيغالوفيتز رصيداً من الثقة لدى المواطنين العرب في إسرائيل. فعندما عاد نتنياهو إلى السلطة عام 2022، عيّن إيتمار بن غفير، وهو متطرّف من اليمين المتشدّد، على رأس وزارة الأمن القومي المشرفة على الشرطة. وتخلّت الحكومة عن جهود سيغالوفيتز، فيما ارتفعت أعداد جرائم القتل بصورة حادة. ووفقاً لمنظمة «مبادرات إبراهيم»، قُتل العام الماضي 252 مواطناً عربياً، في حصيلة قياسية.
 
 
وليست هذه الشراكة مثالية تماماً. فسيغالوفيتز لا يتحدّث العربية، ما يؤدّي إلى مواقف محرجة خلال الحملات الانتخابية. ويعارض عباس حقوق المثليّين، بينما يؤيّدها سيغالوفيتز، وهو علماني لديه ابنة مثلية. أمّا في كثير من القضايا الأخرى، فيقول الرجلان إنّهما سيقبلان الاختلاف في الرأي.
 
 
وبالنسبة إلى عباس، فإنّ خوض الانتخابات إلى جانب سيغالوفيتز، المظلي السابق في الجيش، قد يساعده في التصدّي لهجمات اليمين وتبديد مخاوف قادة المعارضة من تشكيل حكومة تعتمد على دعم «رعام».
 
 
وقال سيغالوفيتز في مقابلة، إنّه كان يعلم أنّه سيتعرّض لهجمات من «جميع المجانين في الكنيست» بسبب انضمامه إلى لائحة مرشحي حزب إسلامي، «لكنني أثق بمنصور. إنّه شخص شجاع يدفع ثمن شجاعته. وبالنسبة إليّ، فهو يمثّل نوعاً من الأمل لمستقبل إسرائيل». وستُختبر هذه الآمال في 27 تشرين الأول.
 
 
وخلال جولته الانتخابية في سخنين، شمال إسرائيل، بقي عباس بعد انتهاء الكلمات الأخيرة، مبتسماً أمام الكاميرات لالتقاط صور السيلفي، ومرحّباً بوجوه مألوفة وتنقّل بين الحاضرين.
 
 
وتوسّل إليه أحد الناخبين، إحسان بشير (53 عاماً) أن ينضمّ إلى الحكومة المقبلة، حتى لو كان نتنياهو على رأسها، بهدف خفض معدّلات الجريمة. فابتسم عباس وأومأ برأسه موافقاً، مضيفاً أنّه يأمل في أن يفوز «رعام» بعدد كبير من المقاعد، وأن تتمتع الحكومة الجديدة بأغلبية واسعة. اكتشفالثقافة
 
المصدر: الجمهورية