كُتّاب الموقع
"نيوزويك": الحرب تجتاح العالم من جديد

ديفيد أفيري - المصدر: مجلة "نيوزويك" الأميركية- نقله الى العربية: حسين قطايا

الأربعاء 14 تشرين الأول 2026

مجلة "نيوزويك" الأميركية تنشر مقالاً يتناول تصاعد النزاعات المسلحة حول العالم إلى مستويات غير مسبوقة منذ الحرب العالمية الثانية، والأسباب الجيوسياسية والتكنولوجية والاجتماعية التي أدّت إلى اتساع رقعة الحروب وتزايد حدّتها، في ظلّ تغيّر موازين القوى العالمية وتراجع قدرة المؤسسات الدولية على احتواء الصراعات.
 
أدناه نص المقال منقولاً إلى العربية:
 
إحساسك صحيح؛ فالصراعات والعنف باتا أكثر مما كانا عليه في السابق، وهذا ما يظهر عند متابعة الأخبار. فلم نشهد منذ نهاية الحرب العالمية الثانية هذا العدد من النزاعات المسلّحة المشتعلة في وقت واحد. وقد سجّل برنامج بيانات النزاعات في أوبسالا 65 نزاعاً مسلّحاً رئيسياً في عام 2025، شهدت 8 منها قتالاً مباشراً بين جيوش دول مختلفة.
 
حين انتهت الحرب العالمية الثانية عام 1945، كان عشرات الملايين قد سقطوا، ودُمّرت مدن بأكملها، وتحطّمت الاقتصادات. فأنشأنا الأمم المتحدة والتحالفات العسكرية والقانون الدولي والتكامل الاقتصادي، بهدف حلّ النزاعات قبل اللجوء إلى البنادق والقنابل. لكنّ النزاعات استمرّت بعد ذلك، وكان بعضها وحشياً، فيما اختفى القتال بين القوى الكبرى تقريباً.
 
وفي الغرب خصوصاً، أفسح هذا السلام النسبي المجال لوهم خطير، مفاده أنّ الحرب عادة بدائية تتخلّص منها البشرية تدريجياً. لكنّنا ما زلنا عبيداً لغرائزنا وقدرتنا على العنف، إلا أنّنا نملك اليوم هواتف ذكية وعملات مشفّرة وطائرات مسيّرة. وهناك 5 عوامل تفسّر لماذا يعيش جزء كبير من العالم، من أوكرانيا وغزة إلى إثيوبيا وميانمار، حالة حرب من جديد.
 
تغيّر النظام العالمي
في عام 2023، أحصى باحثون في معهد أوسلو لأبحاث السلام نزاعين مسلّحين فقط بين دول: روسيا وأوكرانيا، وإيران و"إسرائيل". وقد صنّف كثير من الباحثين النزاع الإيراني - الإسرائيلي بوصفه نزاعاً بين دول منذ عام 2018، استناداً إلى الهجمات الإسرائيلية على أفراد ومنشآت عسكرية إيرانية في سوريا. وبعد عامين، أصبح العدد 8 نزاعات، وهو أعلى رقم منذ عام 1946، بالتزامن مع تحوّل جذري في النظام العالمي.
 
حين انهار الاتحاد السوفياتي عام 1991، تمتّعت الولايات المتحدة بلحظتها الأحادية القطبية، بوصفها قوة عالمية لا منازع لها. وتفاخرت بقوة عسكرية واقتصادية لا مثيل لها، ونفوذ سياسي ودبلوماسي هائل، بينما كانت روسيا تعاني من تحوّلها في مرحلة ما بعد الاتحاد السوفياتي، وكانت الصين تنمّي قوتها الاقتصادية. لكنّ ذلك لم يجعل العالم سلمياً، فقد خاضت أميركا نفسها حروباً كثيرة.
 
وكانت الحكومة التي تفكّر في غزو دولة مجاورة أو تغيير حدود قائمة تجد عدداً أقل من الحلفاء الأقوياء الذين يمكنها اللجوء إليهم للحصول على أسلحة أو أموال أو غطاء دبلوماسي. لكنّ هذا الترتيب المختلّ ينهار. فأميركا، في عهد دونالد ترامب، تنسحب علناً من دورها بوصفها شرطياً عالمياً لضمان هيمنتها على نصف الكرة الغربي. وروسيا تتحدّى النظام الأمني الأوروبي في أوكرانيا، والصين أصبحت قوة عظمى ثانية تقدّم بديلاً اقتصادياً ودبلوماسياً، فيما باتت القوى الإقليمية المتزايدة تحدّياً تمتلك خيارات أكثر لإيجاد شركاء ومقاومة الضغوط.
 
وفي الوقت عينه، تتعرّض المؤسسات التي أُنشئت للفصل في نزاعاتنا للتقويض. فالخلافات بين الأعضاء الدائمين في مجلس الأمن تعطّله بشكل متزايد، ولم تُنشأ أي بعثة جديدة لحفظ السلام بقيادة الأمم المتحدة منذ عام 2014. وأصبح تحدّي القواعد أسهل، والعقوبة على خرقها أقلّ يقيناً. وبالنسبة إلى الحكومات المستعدّة للمقامرة، تبدو الحرب خياراً جذّاباً من جديد.
 
الحروب المحلية تصبح عالمية
المنافسة ذاتها على النفوذ التي تغري الدول بالدخول في صراعات بعضها مع بعض، تجرّ قوى خارجية إلى حروب مشتعلة خارج حدودها، حيث تتدفّق الأموال والأسلحة والمقاتلون إلى تلك الحروب، فيما تنعكس آثارها في موجات من النزوح واللجوء والاضطرابات الاقتصادية وعدم الاستقرار الأمني.
 
واليمن مثال نموذجي. فهذا البلد الممزّق لا يعاني من حرب أهلية فحسب، بل أصبح مزرعة تجارب للاعبين إقليميين أكبر. فالسعودية تدعم قوات الحكومة اليمنية، والإمارات تدعم فصائل خاصة بها، وإيران أمضت سنوات في التحالف مع الحوثيين ودعمهم. ويتمتّع الحوثيون بالقدرة على تهديد الملاحة التجارية عبر مضيق باب المندب، وقد تعرّضوا لغارات جوية أميركية وبريطانية متكرّرة.
 
والآن، يضرب الحوثيون البنية التحتية السعودية مباشرةً، وقد تشابك نزاعهم مع المواجهة الأوسع بين أميركا و"إسرائيل" من جهة، وإيران من جهة أخرى. ويحتفظ هذا الفاعل غير الحكومي، الصغير نسبياً، بنفوذ يتجاوز حجمه على أحد أكثر طرق الشحن ازدحاماً في العالم.
 
وكلّ راعٍ جديد يضيف مجموعة من المصالح التي يجب إرضاؤها قبل أن يتوقّف إطلاق النار. فالحرب التي تبدأ صراعاً على السلطة في بلد واحد يمكن أن تتحوّل بسرعة إلى منافسة أكبر على الموارد وسلاسل التوريد والطرق التجارية والنفوذ الإقليمي. وهذا يضاعف الضرر داخل دول هشّة أصلاً، ويخلق ظروفاً تؤدي إلى مزيد من تفكّكها. وقد زاد عدد هذه النزاعات الداخلية ذات الطابع الدولي بنسبة 175 في المئة منذ عام 2010، وفقاً لمؤشر السلام العالمي للعام الجاري.
 
الدول الضعيفة تتفكّك
وقعت النزاعات الـ65 التي سجّلها مركز أوبسالا العام الماضي في 35 دولة فقط. وكثير من هذه الدول يشهد أو يستضيف عدة حروب في وقت واحد. فمثلاً، تُعدّ ميانمار ساحة معركة لـ5 نزاعات منفصلة. فالحكومة العسكرية تقاتل قوات الدفاع الشعبي المؤيّدة للديمقراطية، إلى جانب خليط من المنظمات المسلّحة العرقية، لكلّ منها أراضيها وقيادتها وأهدافها السياسية. أما جمهورية الكونغو الديمقراطية، فتشهد عدداً أكبر من الجهات المتحاربة، وتمتدّ هذه النزاعات عبر شرق أفريقيا في كلا الاتجاهين.
 
والسودان يعيش إحدى أسوأ الأزمات الإنسانية في العالم، نتيجة الحرب الأهلية المستمرّة التي تغذّيها أطراف دولية. كما انهار اتفاق السلام الهشّ الذي أبرمته إثيوبيا مع الجبهة الشعبية لتحرير تيغراي عام 2022، ويُقال إنّ قوات من إريتريا المجاورة دخلت النزاع. أما الصومال المجاور، فيعاني من نزاع بطيء الوتيرة بين قوات فيدرالية مدعومة من الاتحاد الأفريقي و"حركة الشباب الجهادية".
 
وإلى الشمال الغربي من الكونغو الديمقراطية، تواجه نيجيريا تمرّدات وعنفاً طائفياً وحركات انفصالية وعصابات مسلّحة، بينما تقاتل المجالس العسكرية في مالي وبوركينا فاسو فروع "القاعدة" و"تنظيم الدولة الإسلامية"، بمساعدة "الفيلق الأفريقي" الروسي. وباتت الميليشيات والجماعات المتمرّدة، وحتى العصابات، تمتلك من القوة النارية والتمويل ما يكفي لتحدّي القوات الحكومية في أنحاء العالم.
 
لم تكن الحرب يوماً أرخص أو أسهل
الضربة الجوية التي كانت تتطلّب، قبل وقت ليس ببعيد، طائرة مقاتلة أو نظام صواريخ متقدّماً يشغّله جنود مهرة، أصبح بإمكان مقاتلَين تنفيذها باستخدام مواد متفجّرة بسيطة وطائرة مسيّرة تجارية. فقد ساعدت الأنظمة غير المأهولة الرخيصة الجماعات المسلّحة، التي كانت قدراتها محصورة في حرب العصابات، على تقليص الفجوة مع خصومها، وسمحت لقوات أصغر بمقاومة خصوم أكبر حجماً وأفضل تجهيزاً. ويقدّر مؤشر السلام العالمي أنّ هجمات الطائرات المسيّرة زادت بنسبة 11,540% خلال السنوات الثماني الأخيرة.
 
وجاء معظم هذه الزيادة من أوكرانيا، التي أقامت قواتها وصناعتها الدفاعية مقاومة مذهلة بُنيت على الابتكار السريع في التقنيات غير المأهولة وتصنيعها ونشرها. أما الزيادة الثانية، فجاءت من الحوثيين في اليمن، الذين يمتلكون الآن ترسانة جوية قادرة على ضرب البنية التحتية للطاقة في أحد أغنى بلدان المنطقة. والطائرات المسيّرة ليست سوى جزء من الصورة، فالذكاء الاصطناعي يخفض الحواجز التقنية أكثر.
 
وقد كشفت مختبرات شركة "أنثروبيك" الأميركية الشهر الماضي أنّ مستخدمين في شمال اليمن، الخاضع لسيطرة الحوثيين، استخدموا نظام "كلود" لكتابة برمجيات التوجيه والملاحة لصواريخ موجّهة وصواريخ باليستية مقترحة. ومع أنّ الشركة حجبت معظم الطلبات، فإنّ المستخدمين تمكّنوا من اختبار إطلاق نموذج أولي لسلاح، وحاولوا استخدام الذكاء الاصطناعي لتشخيص سبب فشله.
 
كما أنّ تطوّر سلاسل الكتل والعملات المشفّرة يعني أنّ الأموال باتت تتحرّك بسهولة أكبر. فقد وجد تقرير الجرائم المرتبطة بالعملات المشفّرة، الصادر عن شركة "تشيناليسيس"، أنّ الجماعات المتحالفة مع إيران، ومن بينها "حزب الله" و"حماس" والحوثيون، استخدمت العملات المشفّرة لمواصلة تمويل أنشطتها، رغم الإجراءات العسكرية والعقوبات التي شلّت الشبكات المالية التقليدية. فالأسلحة والخبرات والاتصالات والتمويل، التي كانت يوماً حكراً على الجيوش القوية والدول الغنية، أصبحت متاحة بصورة متزايدة في الأسواق أو عبر الإنترنت.
 
السياسة أصبحت وجودية
الفقر وعدم المساواة وحدهما مؤشّران ضعيفان إلى احتمال اندلاع الحروب. فكثير من المجتمعات التي تعاني من تفاوت شديد تبقى مسالمة، لكنّ الباحثين يجدون احتمالاً أعلى بكثير لاندلاع النزاعات حين يكون التفاوت بين جماعات محدّدة تفصل بينها اختلافات عرقية أو دينية أو إقليمية أو سياسية. والاستياء من عدم القدرة على الوصول إلى السلطة والأرض والموارد والأمن والعدالة موجود في كل مكان، لكنّه يصبح أكثر خطورة حين تقتنع جماعة ما بأنّها تخسر بشكل منهجي، بينما تتمتّع جماعة أخرى بمغانم السلطة.
 
وإثيوبيا من أوضح الأمثلة المعاصرة. فالبلد فيدرالي، قائم على مناطق عرقية ولغوية متميّزة، وقد انتظمت السياسة تاريخياً على أساس هذه الانقسامات نفسها. وكانت "الجبهة الشعبية لتحرير تيغراي" القوة المهيمنة داخل تحالف حكم إثيوبيا من عام 1991 إلى عام 2018، رغم أنّ التيغرايين كانوا يشكّلون نسبة ضئيلة من السكان. وساعدت سنوات من السخط، خصوصاً في منطقتَي أورومو وأمهرة الأكبر حجماً، على وصول آبي أحمد، أول رئيس وزراء من أورومو، إلى السلطة عام 2018. وقد أدّى وصوله إلى أكبر عملية لإعادة توزيع رأس المال السياسي منذ عقود. فأعاد تنظيم التحالف الحاكم القديم في "حزب الازدهار"، الذي رفضت "الجبهة الشعبية لتحرير تيغراي" الانضمام إليه.
 
وحين أُجّلت الانتخابات الوطنية خلال الجائحة عام 2020، أجرت تيغراي انتخابات خاصة بها، في تحدٍّ لرئيس الوزراء. وسرعان ما بدأت الحكومة الفيدرالية والحكومة الإقليمية تشكّكان في شرعية إحداهما الأخرى، وتحوّل الخلاف إلى حرب مروّعة استمرّت عامين، وأودت بحياة نحو 600 ألف شخص. وأوقف اتفاق وقف إطلاق النار عام 2022 القتال، لكنّه لم يحلّ التوتّر الكامن، والآن تخوض "الجبهة الشعبية لتحرير تيغراي" وقوات الحكومة الإثيوبية حرباً من جديد.
 
 
المصدر: الميادين