كُتّاب الموقع
النفوذ المتنامي.. هل يحوّل تركيا إلى قوة إقليمية؟

العرب اللندنية

الثلاثاء 13 تشرين الأول 2026

 لم يعد صعود النفوذ التركي في الشرق الأوسط والمناطق المحيطة به تطوراً ظرفياً يمكن تفسيره بملف واحد. فمن سوريا والعراق إلى ليبيا والقوقاز، ومن شرق المتوسط إلى الخليج، راكمت أنقرة خلال السنوات الأخيرة أدوات عسكرية واقتصادية ودبلوماسية جعلتها لاعباً يصعب تجاوزه في عدد متزايد من الملفات. وفي أحدث مؤشر على هذا التحول، بدأت تركيا تقديم دعم عسكري تقني ودفاعي للسعودية في مواجهة هجمات الحوثيين، في سياق اتفاق الدفاع المشترك الذي وقعته أنقرة والرياض وإسلام آباد في أغسطس.
 
الدعم التركي للسعودية لا يزال، وفق المعطيات المتاحة، في نطاق المعدات والقدرات الدفاعية والاستخباراتية والدعم اللوجستي، فيما لم يصادق البرلمان التركي بعد على اتفاق مكة الدفاعي. لكن مجرد انتقال العلاقة من التعاون السياسي والدفاعي إلى ترتيبات يمكن أن تصبح عملياتية يعكس اتساع المجال الذي تتحرك فيه أنقرة داخل الخليج.
 
وهنا تظهر المسألة الأساسية: تركيا لم تعد تعتمد على أداة واحدة لصناعة النفوذ. فهي تستخدم القوة العسكرية المباشرة في بعض الساحات، والصناعات الدفاعية في ساحات أخرى، والتجارة والطاقة ومشروعات النقل كأدوات تأثير، إلى جانب شبكة متنامية من الشراكات مع حكومات المنطقة.
 
لكن هذا لا يعني أن أنقرة أصبحت القوة المهيمنة في الشرق الأوسط. فدراسة حديثة لمعهد بروكينغز تخلص إلى أن تركيا تعود لاعباً مركزياً، لكنها لا تبني إمبراطورية إقليمية، ولا تزال قدرتها على العمل بمفردها محدودة، فيما تبقى علاقاتها مع الولايات المتحدة وتوازناتها مع القوى الأخرى عوامل حاسمة في هامش حركتها.
 
توسع في النفوذ العربي
 
تمثل سوريا الاختبار الأهم للنموذج التركي. فقد راكمت أنقرة، منذ تدخلاتها العسكرية ابتداء من 2016، وجوداً عسكرياً واستخباراتياً وشبكات نفوذ محلية في شمال البلاد، ثم دخلت مرحلة ما بعد سقوط بشار الأسد من موقع أكثر قوة، وأصبحت من أهم الداعمين الخارجيين للسلطة الجديدة في دمشق.
 
وفي أغسطس 2025 وقعت تركيا اتفاقاً دفاعياً مع الحكومة السورية الجديدة لتدريب الجيش وتجهيزه وتقديم المشورة له، ما نقل العلاقة من دعم الفصائل والقوى المحلية إلى محاولة التأثير في بناء مؤسسات الدولة نفسها. لكن النفوذ التركي، وفق تحليل للمجلس الأوروبي للعلاقات الخارجية، لا يزال مقيداً؛ إذ لم تتمكن أنقرة من تحويل نفوذها إلى قواعد دائمة خارج الشمال، كما أن دمشق نفسها لا تبدو مستعدة للاعتماد المفرط على تركيا، بينما تفرض التحركات الإسرائيلية في سوريا عاملاً إضافياً يحد من هامش أنقرة.
 
وهذا يوضح الفرق بين النفوذ والهيمنة. تستطيع تركيا التأثير في خيارات دمشق، لكنها لا تستطيع تحديد كل هذه الخيارات منفردة. فسورية تقع عند تقاطع مصالح تركيا وإسرائيل والولايات المتحدة ودول عربية، كما أن إعادة بناء الدولة السورية ستحتاج إلى تمويل عربي ودعم دولي لا تملك أنقرة وحدها توفيره.
 
في العراق، تتحرك تركيا على مسارين متوازيين: الأمن والاقتصاد. فقد توسع التعاون مع بغداد في مواجهة حزب العمال الكردستاني، بينما تعمل أنقرة على تحويل العراق إلى أحد المفاتيح الرئيسية لمشروعات النقل والطاقة التي يمكن أن تربط الخليج بتركيا وأوروبا.
 
وتضع أنقرة «طريق التنمية» العراقي في قلب هذه الرؤية. فالمشروع الذي يربط ميناء الفاو بالحدود التركية يمنح العراق منفذاً تجارياً جديداً، لكنه يمنح تركيا أيضاً فرصة لتعزيز موقعها بوابةً لحركة التجارة بين الخليج وأوروبا. كما أن الاتفاقات التركية-العراقية في مجالات الطاقة والمياه والأمن تضيف طبقات جديدة إلى العلاقة.
 
غير أن العراق يكشف أيضاً عن حدود النفوذ التركي. فالتنافس الإيراني، والانقسام بين بغداد وأربيل، والحساسيات المتعلقة بالسيادة، والشكوك حول الوجود العسكري التركي، كلها عوامل تجعل تحويل الشراكة إلى نفوذ مستقر عملية طويلة وغير مضمونة. وتقر دراسات متخصصة بأن التقدم في التعاون الأمني التركي-العراقي لا يزال مشروطاً بالاستقرار السياسي العراقي وبالتفاهم بين بغداد وأربيل وبقدرة الأطراف على احتواء التوترات الإقليمية.
 
القوقاز ليس مجالاً تركياً خالصاً
في جنوب القوقاز، أدى الدعم التركي الحاسم لأذربيجان في حرب 2020 إلى تغيير مكانة أنقرة بصورة واضحة. وأصبح التعاون الدفاعي بين البلدين أحد أكثر عناصر النفوذ التركي رسوخاً في المنطقة.
 
لكن تطور النفوذ التركي هناك يجري وسط منافسة وتوازنات دقيقة. فروسيا لم تختف تماماً من المشهد، وإيران تراقب بعناية توسع الروابط التركية الأذربيجانية ومشروعات الممرات، فيما دخلت الولايات المتحدة بقوة أكبر إلى ملف الربط بين أذربيجان وأرمينيا.
 
وتشير دراسة حديثة إلى أن نفوذ تركيا في القوقاز يقوم على ثلاثة عناصر أساسية: الشراكة الأمنية مع أذربيجان، ومشروعات الطاقة والاتصال، والقدرة على موازنة المنافسة مع روسيا وإيران. لكنها تشير في الوقت نفسه إلى أن الضغوط الاقتصادية التركية وتعدد المستثمرين في المنطقة وتزايد استقلالية دولها تضع حدوداً لمدى تمدد أنقرة.
 
في ليبيا، شكل التدخل التركي منذ 2020 أحد أوضح الأمثلة على قدرة أنقرة على تحويل القوة العسكرية إلى نفوذ سياسي. فقد ساعد التدخل في منع قوات خليفة حفتر من السيطرة على طرابلس، وأدى إلى ترسيخ الوجود الأمني التركي، ثم تحول هذا الوجود إلى نفوذ اقتصادي وسياسي.
 
لكن تركيا أعادت في الفترة اللاحقة ضبط علاقتها بالملف الليبي، بما في ذلك إصلاح العلاقات مع مصر وفتح قنوات مع أطراف في شرق ليبيا. وهو ما يعكس تحولاً مهماً في أسلوب أنقرة: من دعم طرف واحد في صراع حاد إلى محاولة الحفاظ على نفوذ يسمح لها بالتعامل مع أكثر من مركز للقوة.
 
وهذا الأسلوب قد يكون أكثر استدامة، لكنه يضع تركيا أمام معادلة صعبة: كيف تحافظ على نفوذها دون أن تتحول إلى طرف يتحمل وحده كلفة الصراع؟
 
التحول الأكثر حساسية ربما يحدث في الخليج. فعلاقة تركيا بقطر شكلت منذ أزمة 2017 قاعدة عسكرية وسياسية لنفوذها في المنطقة، قبل أن تبدأ أنقرة في السنوات الأخيرة إعادة بناء العلاقات مع السعودية والإمارات ودول أخرى.
 
ثم جاء اتفاق مكة الدفاعي بين تركيا والسعودية وباكستان في أغسطس ليضيف بعداً أمنياً إلى هذا المسار. وترى تحليلات كارنيغي أن الاتفاق يمكن، في حال تطوره، أن يصبح جزءاً من إعادة تشكيل بنية الأمن الإقليمي في ظل تراجع الثقة في الضمانات الأميركية، وإن كانت طبيعة الالتزام الفعلي للدول الثلاث لا تزال بحاجة إلى اختبار، خصوصاً أن نص الاتفاق لم ينشر بالكامل وأن آليات الرد العسكري لم تتبلور بصورة نهائية.
 
وهنا لا ينبغي قراءة الشراكة التركية-الخليجية باعتبارها استبدالاً فورياً للدور الأميركي. فدول الخليج نفسها تنوع علاقاتها ولا تبدو راغبة في وضع أمنها تحت مظلة قوة واحدة. لكن تركيا تعرض بديلاً جزئياً: قوة عسكرية إقليمية، وصناعة دفاعية متطورة نسبياً، وعضوية في الناتو، وعلاقات متشعبة مع الأطراف المتنافسة.
 
الصناعات الدفاعية أداة نفوذ
أحد أهم أسباب اتساع النفوذ التركي هو صعود صناعة الدفاع. فقد قفزت صادرات الصناعات الدفاعية والجوية التركية إلى نحو 10 مليارات دولار في 2025، مقارنة بـ248 مليون دولار في 2002، وأصبحت تركيا مورداً لنحو 40 دولة، خصوصاً في الخليج وآسيا وأفريقيا وأجزاء من أوروبا.
 
الأهمية السياسية لهذه الصناعة لا تتوقف عند العائد المالي. فعندما تستخدم دولة ما أسلحة وطائرات مسيرة وأنظمة دفاعية تركية، تصبح العلاقة معها أكثر ارتباطاً بالتدريب والصيانة والذخائر ونقل التكنولوجيا. وهذا يخلق شبكة علاقات أمنية طويلة الأمد يمكن أن تتحول إلى نفوذ سياسي.
 
لكن الاستقلال الدفاعي التركي نفسه ليس كاملاً. فالدراسات الحديثة تشير إلى استمرار اعتماد بعض البرامج الأكثر تطوراً على محركات وتكنولوجيا ومكونات غربية، ما يعني أن قدرة تركيا على العمل بصورة مستقلة تماماً ما زالت محدودة.
 
كلما اتسع النفوذ التركي، أصبحت العلاقة مع إسرائيل أكثر مركزية في الحسابات. فالتنافس بين البلدين يمتد إلى سوريا وشرق المتوسط وشكل الترتيبات الأمنية الإقليمية، ويشكّل، وفق بروكينغز، قيداً هيكلياً على السياسة التركية.
 
المشكلة أن المصالح التركية لا تتعارض مع إسرائيل في ملف واحد فقط، بل يمكن أن تتقاطع معها في مناطق عدة، بينما تعمل اليونان وقبرص وإسرائيل على تعزيز ترتيباتها في شرق المتوسط. وبالتالي فإن قدرة أنقرة على توسيع حضورها ستظل مرتبطة أيضاً بقدرتها على إدارة التنافس مع تل أبيب من دون تحويله إلى مواجهة مفتوحة.
 
القدرة على الاستدامة
التحدي الأكبر أمام تركيا الآن ليس إثبات قدرتها على الوصول إلى ساحات متعددة، فقد أثبتت ذلك بالفعل، وإنما تحويل الانتشار إلى نظام من الشراكات المستدامة.
 
فكل منطقة تحمل معادلة مختلفة. في سورية، تواجه أنقرة مسألة إعادة بناء الدولة وتنافس إسرائيل والولايات المتحدة. وفي العراق، تصطدم مصالحها بحسابات السيادة وإيران والعلاقة بين بغداد وأربيل. وفي القوقاز، عليها موازنة علاقاتها مع أذربيجان مع روسيا وإيران والقوى الغربية. وفي ليبيا، تحتاج إلى الحفاظ على النفوذ دون العودة إلى الاستقطاب الحاد. أما في الخليج، فعليها إثبات أن شراكاتها الدفاعية قابلة للعمل من دون أن تطلب من شركائها الاختيار بينها وبين واشنطن أو بكين أو إسلام آباد.
 
ثم هناك الاقتصاد. فدولة تنشر قوات وقواعد وشبكات دفاع وتشارك في مشروعات بنية تحتية متعددة تحتاج إلى موارد مالية كبيرة. وتظل هشاشة الاقتصاد التركي عاملاً يضع سقفاً لطموحات النفوذ، كما أن اعتماد بعض برامجها الدفاعية على الخارج يقلل من مساحة الاستقلال الاستراتيجي الكاملة.
 
لذلك فإن الأدق وصف التحول التركي بأنه انتقال من سياسة الحضور إلى سياسة بناء النفوذ. أنقرة باتت تملك أدوات أكثر مما امتلكته قبل عقدين، ولها قدرة واضحة على التأثير في ملفات تمتد من المتوسط إلى الخليج والقوقاز.
 
لكن امتلاك الأدوات لا يعني امتلاك النظام. فتركيا لم تصبح قوة قادرة على إدارة الشرق الأوسط منفردة، ولا يبدو أن البيئة الإقليمية تسمح بسهولة بعودة نموذج مركز واحد للمنطقة.
 
الاختبار الحقيقي أمام أنقرة سيكون في قدرتها على تحويل شبكة المصالح المتناثرة إلى ترتيبات مستقرة، من دون أن تتحول كثرة الجبهات والشراكات إلى عبء يفوق قدرتها على التمويل والإدارة.
 
وهنا تكمن مفارقة الصعود التركي: فكلما اتسعت خريطة النفوذ، لم يعد السؤال هل تستطيع تركيا الوصول إلى المنطقة، بل هل تستطيع البقاء فيها لاعباً مؤثراً من دون أن تتجاوز حدود قوتها؟