كُتّاب الموقع
7 أكتوبر وهيمنة الفاشية الصهيونية الجديدة

حلمي موسى

الخميس 15 تشرين الأول 2026

تحلّ الذكرى الثالثة لحرب 7 أكتوبر في ظل انقسام إسرائيلي غير مسبوق يتخطى في كثير من جوانبه حدود التقارب والوحدة الأيديولوجية والحزبية. وبعيداً عن التحليلات المتفاخرة بما أفلحت إسرائيل في تحقيقه خلال السنوات الثلاث الفائتة، فإن القلق سيد الموقف حيث يوحي الجيش بجاهزية عالية لمواجهة أخطار فورية ومن مختلف الجبهات. لكن أشد ما يقلق كثرة من الإسرائيليين، ذلك الانقسام والذي لم يعد طولياً بين أحزاب وتوجهات من معسكرات مختلفة، وإنما داخل المعسكر الواحد أيضاً، خصوصا اليميني. 
 
وليس مصادفة أن نشير إلى تصريحات زعيم التيار الحريدي الحاخام لاندو التي قال فيها: "كان من الأفضل لو لم تقُم دولة إسرائيل وبقينا تحت الانتداب، والجنود الصهاينة المتدينون يقتلون بسبب تعاليم توراتية مشوهة". كما ليس صدفة في هذا الوقت بالذات، أن ينضم رئيس جهاز الشاباك المعروف بتطرفه اليميني، ديفيد زيني، إلى المطالبين بإعادة فرض الاعتقالات الإدارية على المستوطنين المتطرفين بعد أن ألغت حكومة نتنياهو استخدام هذا الإجراء بحقهم. وثمة أهمية لأن تصدر هذه التلميحات وغيرها في ظل نشر تقرير استخباري أميركي يحذر من احتمالات الحرب الأهلية في إسرائيل وإمكانية زوالها.
 
ضد الجيش
 
وقد فاجأ تسجيل كشفت عنه القناة (12) الإسرائيلية، الاثنين الفائت، لأقوال الحاخام الحريدي الليتواني لاندو، الجمهور الإسرائيلي بشدة لاصطدامه مع الآراء السائدة في المجتمع الصهيوني. وجاءت هذه  الأقوال خلال لقاء مع حاخامات أثناء الحرب الأخيرة. ولاندو صاحب نفوذ واسع داخل تكتل "يهدوت هتوراة"، الشريك في ائتلاف نتنياهو الحكومي، وكذلك داخل حزب "شاس"، وهما حزبان رئيسيان ضمن ما يسميه رئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتنياهو ائتلافه الطبيعي، والحزبان يرفضان تجنيد طلاب المدارس الدينية. ويرفض لاندو موقف الصهيونية الدينية التي تحاول الجمع بين دراسة التوراة والخدمة العسكرية حيث اعتبره موقفاً "مشوشاً من الناحية التوراتية". 
 
وقال إن مثل هؤلاء الجنود "يذهبون ويُقتلون لأن حاخاماتهم يعلّمونهم توراة مشوهة"، وإن قسماً من العمليات التي ينفذونها "ليس من أجل الإنقاذ، وإنما من أجل كرامة الدولة". ورفض لاندو جوهر المشروع الصهيوني وإقامة دولة إسرائيل، وقال: "لا أعرف ماذا كان سيحدث لو لم تقُم الدولة من البداية، وأنشأوا هنا إدارة دولية؛ كان الوضع سيكون ممتازاً".وأضاف "يمكن العيش من دون دولة، والعيش جيداً مع العرب"، وقال إنه لو حكم العرب كان يمكن أن يكون "الوضع الأفضل"، معتبراً أنه كان بالإمكان التعامل معهم من خلال احترامهم وعدم التدخل في شؤونهم.
 
وحمّل لاندو الحركة الصهيونية مسؤولية تعميق العداء العربي لليهود، وقال إن الصهيونية، التي زعمت أنها ستنقذ الشعب اليهودي، "جلبت الكوارث المادية، وليس الروحية فقط، على شعب إسرائيل"، مضيفاً أن العرب "لم يكرهوننا بهذه الدرجة عبر التاريخ".
 
الشاباك ضد المستوطنين! 
 
وقد وقع خلاف في اجتماع الحكومة الأسبوعي، بين رئيس الشاباك ديفيد زيني، ووزيرة الاستيطان والشتات أوري ستروك، بعدما اتهم الأول المستوطنين بالاعتداء على الفلسطينيين في الضفة الغربية، وإثارة العالم ضد إسرائيل. وسبق ذلك انتقاد نتنياهو لهؤلاء المستوطنين بعد أن كان برر أفعالهم واعتبرهم مجرد "عدد قليل". كما أن وزير الخارجية جدعون ساعر، حَمَل على أفعالهم، معتبراً أنها تلحق الضرر بصورة إسرائيل في العالم. وقد تخطى زيني هؤلاء عندما قال في الاجتماع: "لا توجد إدانات كافية من جميع القيادات، وهذا يضر بالأمن والاستيطان".
 
وطبعا استفز موقف زيني هذا وزراء الصهيونية الدينية وعلى رأسهم ستروك التي رفضت اتهاماته وقالت: "أنتِ تُصوّر الأمر وكأن العرب عسل وجنة للمشاهدين، والمستوطنون وحدهم هم المعربدون". وأضافت "الفلسطينيون يهاجمون الرعاة ويؤذونهم ويعرضون حياتهم للخطر. يجب فضح هذه الهجمات أيضاً، والتعامل معها، والتحدث عنها". 
 
فما كان من زيني إلا أن رد عليها: "الفلسطينيون لا يحرقون منازل اليهود هنا. أنتِ منفصلة عن الواقع".  وأضاف أنه إذا لم تتم السيطرة على "أعمال الشغب" التي يشنّها مستوطنون فسوف يطالب بإعادة استخدام الاعتقالات الإدارية بحقهم. تجدر الإشارة إلى أن وزير الأمن إسرائيل كاتس، وزيني نفسه، كانا وراء وقف استخدام الاعتقالات الإدارية ضد المتطرفين اليهود. وطبعا أثار الخلاف بين ستروك وزيني انتقادات وزراء حزب "القوة اليهودية" الذي يرأسه الوزير المتطرف إيتمار بن غفير، الذين طالبوا بإقالة زيني من منصبه. 
 
ذراع خطة الحسم
 
من المهم الإشارة إلى أن مئات الاعتداءات اليومية على المزارعين في الضفة الغربية، ليست نتاج عربدة مجموعة من المتطرفين اليهود بقدر ما هي تجسيد لسياسة رسمها زعيم "الصهيونية الدينية" بتسلئيل سموتريتش وقبلها نتنياهو تحت اسم "خطة الحسم". وتقضي الخطة بإنشاء البؤر الاستيطانية، ليس الزراعية وحسب وإنما الرعوية أيضاً، بهدف السيطرة التامة على المنطقة "ج" من الضفة الغربية، ومنع الفلسطينيين من استخدامها. وقد تفاخر سموتريتش بأن قال: "أقمنا أكثر من 100 مستوطنة جديدة، ومعها 160 بؤرة زراعية تحافظ على أكثر من مليون دونم من أراضي الدولة، ونحن نخطط، ونبني ونشق الطرق وننظم ونجعل مشروع الاستيطان الريادي أمراً لا رجعة فيه". وما "زعران التلال" الذين يهاجمون القرى ويحرقون الممتلكات والبيوت ويطردون أهلها ويمنعون جمع الزيتون أو حصاد القمح، إلا جنود سموتريتش الفعليين الذين يعملون باسم الفاشية الجديدة. 
 
وكان جلياً أن كل ما يحدث في الضفة ليس سوى أمر استراتيجي مُخطط له ومُدبّر، ويرمي إلى تغيير طبيعتها وتهيئتها للاستيلاء اليهودي اللاحق عليها. وهذا ما حدث في عشرات القرى، بينها جالود والتل وقصرى وبيت فوريك والتجمعات الرعوية. بل أن سموتريتش بات يخطط لنقل التجربة إلى القرى العربية في الجليل. وليس صدفة أن تكشف الشرطة الإسرائيلية أمر محاضر جامعي يهودي يخطط لقتل المئات من العرب داخل حدود 48، باستخدام مجموعات من المدنيين والعسكريين بقصد تسهيل خطة تهجيرهم.
 
الفاشية الصهيونية
 
ينظر كثيرون داخل المجتمع الإسرائيلي إلى ما وصلت إليه حال الدولة بعد تربع اليمين المتطرف على رأسها. ويرى هؤلاء، وبينهم ضباط وقادة سياسيون ومعلقون كبار، أن من يُسمّون بالمتطرفين باتوا تياراً مركزياً يعبّر عن الفاشية الجديدة التي جعلت صورة إسرائيل عالمياً في الحضيض. ويكمن خطر هذه الفاشية في أنها ليست موجهة فقط ضد العرب لتدميرهم وتهجيرهم، وإنما ترمي أيضاً للسيطرة على الدولة العبرية وتوجيهها نحو الصدام الداخلي ومع العالم بأسره.
 
وكتب الجنرال إسرائيل زئيف: "هذه حركة فاشية عميقة، قبيحة ومؤسسية، تنمو وتزدهر داخلنا. تتمتع هذه الحركة بدعم سياسي كامل، وإنفاذ ضعيف متعمّد، ولذلك فهي تعمل دون أن تدفع ثمناً. هذه الحركة تدمر قيمنا وروح يهوديتنا، وتمزق المجتمع الإسرائيلي بفأس، وتحرق علم الدولة. إنها تدمر مكانة إسرائيل في العالم، وهي مكانة بناها على مدى ثمانين عاماً، علماء وخبراء تقنية ورجال أعمال ومثقفون وشخصيات ثقافية وإعلامية وكثير من الناس الطيبين. إنها تحرق جسور التواصل مع من كانوا أصدقاءنا، وكثير منهم ينقلبون علينا الآن".
 
أما كبير المعلقين في "يديعوت أحرونوت" ناحوم بارنيع، فبعد أن عدّد مثالب الجيش الإسرائيلي في الضفة الغربية في مواجهة عربدة المستوطنين، وصف سلوك الجيش بالخيانة. لكنه أشار إلى أن سياسة الحكومة اليمينية ذاتها، تريد "الفوضى والتشريد والطرد والإبادة الجماعية. وعلى عكس أي قضية أخرى، تحقق الحكومة نجاحاً باهراً في هذه القضية". وكتب: "الضرر في العالم هائل. سيشعر كل إسرائيلي بالضرر إذا استمرت هذه الحكومة في الحكم بعد الانتخابات. لكن الضرر داخلي أيضاً. فالجيش، أي جيش، قائم على قوته الذاتية: إذا عجز عن فرض سلطته، يُعزل من منصبه. والأسوأ من ذلك، أنه يُفضح أمام الملأ. يقوم مثيرو الشغب، المحميون من قبل المحامين والسياسيين، بضرب الجنود والبصق عليهم وشتمهم وتخريب مركباتهم، ثم حرق العرب، دون أي رادع".
 
ويحاول المعلق اليميني بن درور ياميني في "يديعوت" أيضاً، تفسير ما يجري في العالم من موجات كراهية لإسرائيل، فيرفض حصر الاتهام في معاداة السامية، ويعترف "بأننا السبب في ذلك أيضاً". ويكتب: "نعم، نحن السبب. ما ترونه من هناك لا ترونه من هنا. ونحن نرى بالفعل مثيري الشغب من لحم ودم، يعيثون فساداً في أراضي يهودا والسامرة. مذبحة أخرى هنا، وترحيل آخر هناك. بالأمس فقط حدثت واحدة أخرى. عندما بدأت هذه الموجة ظننّا أنها ستهدأ. ففي النهاية، إسرائيل دولة قانون.... لكن لم يحدث شيء. ... والأمر يبدو سيئاً. وهو يخدم ما يقوله كارهو إسرائيل عنها. فليشرحوا للعالم أن هذه ليست إسرائيل، بل مجرد (حفنة) فاشيين توجد أمثالهم في كل دولة في العالم". ويخلص إلى أن ما يحصل "صراع وجودي".
 
المصدر: المدن