كُتّاب الموقع
روسيا من يالطا إلى أوكرانيا: إعادة تشكيل النظام الجيوسياسيّ

د. خالد العزّي

الإثنين 5 تشرين الأول 2026

منذ اندلاع الحرب الروسية - الأوكرانية، لم يعُد الصراع يدور حول مستقبل أوكرانيا وحدها، بل أصبح مرتبطاً بشكل النظام الأمني والسياسي الذي تَشَكّل في أوروبا بعد الحرب العالمية الثانية، ثم أُعيد تنظيمه بعد انهيار الاتحاد السوفياتي. فموسكو ترى أنّ تحوُّلات ما بعد الحرب الباردة أضعفت موقعها وأمنها الاستراتيجي، بينما تعتبر الدول الغربية، أنّ تغيير الحدود بالقوّة يهدِّد النظام الدولي.
 
ويستند النقاش حول الحدود الأوروبية إلى تسويات تاريخية متعاقبة، أبرزها ترتيبات ما بعد الحرب العالمية الثانية ومؤتمر يالطا عام 1945، ثم منظومة الأمن الأوروبي التي تطوَّرت بعد الحرب الباردة. أمّا اتفاقيات وستفاليا لعام 1648، فلا تمثل أساساً للحدود الأوروبية الحديثة، لكنّها ارتبطت بتطوُّر مفهوم سيادة الدولة وعدم التدخّل في شؤونها.
 
ومع انهيار الاتحاد السوفياتي، اعترفت روسيا الاتحادية بالحدود الدولية للجمهوريات السوفياتية السابقة، وأصبحت أوكرانيا دولة مستقلة ضمن حدودها المعترف بها دولياً. غير أنّ نهاية الحرب الباردة لم تُنهِ التنافس حول المجال الأمني والجغرافي لروسيا، التي واصلت ربط أمنها بمصالح تاريخية واستراتيجية، في مناطق كانت ضمن الإمبراطورية الروسية أو الاتحاد السوفياتي.
 
إرث الحدود والنفوذ الروسي
 
تكشف الخريطة المحيطة بروسيا عن ملفات تعكس تعقيد الإرث الجغرافي للقرن العشرين. فجزر الكوريل تمثل أحد النزاعات المتبقية من الحرب العالمية الثانية، إذ تسيطر روسيا على الجزر المتنازَع عليها، بينما تطالب اليابان بالجزر الشمالية الأربع.
 
أمّا كالينينغراد، التي كانت تُعرَف باسم كونيغسبرغ وكانت جزءاً من ألمانيا، فأصبحت بعد الحرب ضمن الاتحاد السوفياتي ثم روسيا الاتحادية، وهي اليوم منطقة روسية منفصلة جغرافياً عن الأراضي الروسية الرئيسية بين بولندا وليتوانيا.
 
وفي الشمال الغربي، انتقلت مناطق كانت تابعة لفنلندا، من بينها فيبورغ وأجزاء من كاريليا، إلى الاتحاد السوفياتي نتيجة الحروب والمعاهدات. وتوضح هذه الحالات، أنّ الخريطة الأوروبية تشكّلت عبر سلسلة من الصراعات والتسويات، وليس نتيجة اتفاق واحد. اقرأعن الجيش
 
ويظهر الإرث نفسه في فضاء ما بعد الاتحاد السوفياتي. ففي مولدوفا، تحوَّلت ترانسنيستريا إلى منطقة انفصالية تحظى بدعم روسي  سياسي وعسكري، بينما تعتبرها السلطات المولدوفية جزءاً من أراضي الدولة. وفي جورجيا، أدّت  حرب عام 2008 إلى ترسيخ واقع انفصالي في أبخازيا وأوسيتيا الجنوبية، قبل اعتراف موسكو باستقلال المنطقتَين.
 
وفي أوكرانيا، أخذ هذا المسار بُعداً أكبر، بدءاً من ضمّ شبه جزيرة القرم عام 2014 والاعتراف الروسي بالمناطق الانفصالية في دنييتسك ولوغانسك، وصولاً إلى الحرب الواسعة التي بدأت عام 2022، لتصبح مسألة الحدود والسيادة في قلب المواجهة بين روسيا والغرب.
 
وتبرز كازاخستان، التي تشترك مع روسيا في أطول حدود برية بين دولتَين في العالم، بسبب وجود تجمّعات ناطقة بالروسية وأهمية الحدود في الطاقة والتجارة والنقل. وعلى رغم من عدم وجود نزاع حدودي مفتوح، أصبحت حدود إستونيا مع روسيا جزءاً من البيئة الأمنية الجديدة بعد انضمامها إلى حلف شمال الأطلسي والاتحاد الأوروبي، بينما تمثل بيلاروسيا حالة مختلفة بحكم تحالفها الوثيق مع موسكو. ولا تعني هذه الحالات وجود مطالب روسية معلنة بإعادة رسم جميع هذه الحدود، لكنّها تُظهِر كيف يمكن للجغرافيا والتاريخ والأقليات أن تتحوَّل إلى عناصر توتر في العلاقات بين موسكو وجيرانها.
 
هكذا يمكن فهم جانب من المخاوف الغربية من الحرب في أوكرانيا، ولا سيما احتمال تحوُّل القوّة العسكرية إلى وسيلة لإعادة رسم الحدود. ولذلك قدّمت الدول الغربية دعماً سياسياً وعسكرياً واقتصادياً لكييف، في محاولة للحفاظ على مبدأ عدم تغيير الحدود بالقوّة.
 
من صراع على الحدود إلى صراع على النظام الدولي
 
لا يمكن اختزال الحرب الأوكرانية في مسألة «استعادة أراضٍ تاريخية»، ولا في مواجهة روسية - غربية فقط. فقد أصبحت جزءاً من صراع أوسع حول قواعد النظام الدولي وحدود استخدام القوّة، والعلاقة بين أمن الدول الكبرى وحق الدول الأخرى في الحفاظ على سيادتها وحدودها. اقرأفي السياسة
 
والسؤال الأساسي هو: هل تبقى الحدود المعترف بها دولياً أساساً للعلاقات بين الدول، أم يمكن تعديلها عندما ترى دولة كبرى أنّ لها حقوقاً تاريخية أو مصالح أمنية في أراضي دولة أخرى؟
 
تمثل أوكرانيا اختباراً للنظام الأوروبي الذي تشكّل بعد الحرب العالمية الثانية وأعيد تنظيمه بعد نهاية الحرب الباردة. فالحرب لا تعيد تشكيل التوازنات العسكرية والسياسية فحسب، بل تختبر قدرة النظام الدولي على معالجة المخاوف الأمنية للدول الكبرى من دون المساس بسيادة الدول.
 
 
وفي النهاية، فإنّ بناء نظام أمني أوروبي أكثر استقراراً يتطلّب معالجة المخاوف المتبادلة عبر التفاوض والاتفاقات، مع الحفاظ على مبدأ احترام السيادة والحدود المعترف بها دولياً. أمّا استخدام القوّة لإعادة رسم الخرائط، فيفتح الباب أمام نزاعات جديدة، ويجعل الوصول إلى تسويات مستقرة أكثر تعقيداً.
 
المصدر: الجمهورية