التراجع عن التصعيد يُظهر مَن يملك اليد العليا
إريكا سولومون- نيويورك تايمز
الأربعاء 5 آب 2026
عندما بدا الرئيس الأميركي دونالد ترامب وكأنّه يتراجع مرّة أخرى عن تصعيد عسكري، كان قد لوّح به ضدّ طهران، قدّم مادة جديدة للسردية التي يحرص المسؤولون الإيرانيّون على الترويج لها: إنّهم ليسوا الطرف الذي يخشى الحرب، بل ترامب. وتعتقد القيادة الإيرانية أنّها عثرت على كعب أخيل في العالم. وبمساعدة حلفائها من الميليشيات الإقليمية، أمضت طهران الأسبوع الماضي في التشديد على قدرتها على تهديد العديد من أهم منشآت الطاقة والممرات المائية في العالم، إذ واصلت رفع سقف المواجهة مع واشنطن بشأن موعد وكيفية وقف الأعمال العدائية المتجدّدة بينهما، والعودة إلى اتفاق قصير الأمد لبدء مفاوضات السلام.
إيران مستعدة للتصعيد
في الأيام الأخيرة، عندما أشار ترامب إلى أنّ تصعيداً كبيراً بات وشيكاً إذا لم تُقدَّم تنازلات، أكّد مسؤولان إيرانيان سابقان، أنّ القيادة الإيرانية أبلغته بأن يمضي قدماً. وأوضح أمير الموسوي، الديبلوماسي الإيراني السابق، الذي أفاد بأنّه التقى خلال عطلة نهاية الأسبوع بالفريق المحيط بكبير المفاوضين الإيرانيّين ورئيس البرلمان محمد باقر قاليباف: «إنّهم مستعدون للحرب، ولن يتراجعوا». وتحدّث الموسوي عن تبادل للرسائل بين مسؤولين أميركيّين وإيرانيّين جرى خلال عطلة نهاية الأسبوع عبر مسؤولين باكستانيّين وقطريّين، قال خلاله إنّ ترامب توعّد بشن هجوم شديد على البنية التحتية المدنية، مثل محطات توليد الكهرباء، إذا لم يستأنف الإيرانيون المفاوضات.
وأضاف، أنّ الإيرانيّين رفضوا ذلك ما لم تعُد واشنطن إلى «مذكرة التفاهم» التي جرى الاتفاق عليها سابقاً، وإنّهم أبلغوا الأميركيّين: «ليس لدينا أي مشكلة على الإطلاق مع الحرب، ونحن مستعدون للمواجهة الكبرى». وأوضح ساسان كريمي، المسؤول الحكومي الإيراني السابق رفيع المستوى وأستاذ للدراسات الإيرانية في جامعة طهران، أنّ المسؤولين الإيرانيّين رصدوا نمطاً في محاولات ترامب التأثير في مسار المفاوضات: «في كل مرّة يتمّ فيها تبادل الرسائل، يبدأ ترامب بالضغط على الوضع من خلال تهديد إيران، حتى يتمكن من محاولة انتزاع مزيد من التنازلات. لكنّ إيران ليست سهلة التلاعب بها إلى هذا الحدّ».
الخليج والدفاع
الأحد، أعلن ترامب التراجع عن التصعيد الذي كان يخطّط له، بعدما طلبت إيران ودول أخرى في الشرق الأوسط تأجيلاً، لأنّ «معالم اتفاق» قد جرى التوافق عليها. لكن لا توجد أي مؤشرات ظاهرة إلى عودة المفاوضات. وما يبدو أنّه حدث فعلاً هو أنّ السعودية وقطر أعربتا عن مخاوف بشأن قدرتهما على الدفاع بشكل كافٍ عن منشآتهما النفطية والغازية، وفقاً لديبلوماسيَّين إقليميَّين.
وتعكس الضربات الأخيرة في المنطقة مدى خطورة تلك المخاوف. فمنذ أسبوعَين، فرض الحوثيّون في اليمن، حصاراً على استخدام الرياض لممر باب المندب المائي في البحر الأحمر. وكانت السعودية قد بدأت ضخ النفط إلى مينائها على الساحل الغربي على البحر الأحمر، بهدف الالتفاف على قبضة إيران على حركة الشحن العالمية عبر مضيق هرمز.
ثم في الأسبوع الماضي، استهدفت طائرات مسيّرة منشأتَين نفطيّتَين رئيسيّتَين في السعودية، في هجوم عزته الرياض إلى ميليشيات مدعومة من إيران في العراق. وبعد يوم، اشتعلت النيران في سفينتَين في ميناء دمياط في مصر، في ما بدا أنّه هجوم بطائرة مسيّرة، واعتبره محللون إقليميّون ضربة أخرى نفّذتها إيران أو وكلاؤها.
نقطة التحوُّل
وإلى جانب هذه الديناميكية، كان هناك أيضاً الهجوم الذي وقع في 17 تموز على مواقع عسكرية أميركية في الأردن، وأسفر عن مقتل 3 جنود أميركيّين. ويرى علي فايز، مدير مشروع إيران في مجموعة الأزمات الدولية: «كانت الضربة في الأردن هي نقطة التحوُّل» لأنّها لم تُظهر فقط أنّ ترسانة إيران الصاروخية لا تزال ممتلئة جيداً، بل أظهرت أيضاً أنّ قدرات طهران الاستخبارية كانت أكبر ممّا كان يُعتقد سابقاً.
كما أثار الهجوم معارضة نادرة داخل الأردن، إذ تحدّى مئات الأردنيّين البارزين، من بينهم سياسيّون ومحامون، القيود المفروضة في بلادهم على حرّية التعبير للمطالبة بانسحاب القوات الأميركية. ويعتقد فايز أنّ «الاستراتيجية الإيرانية هدفت برمّتها، خلال هذه الفترة، إلى جعل الولايات المتحدة تدرك أنّه إذا حدثت جولة أخرى من التصعيد، فإنّ نطاق وحجم الردّ الإيراني سيكونان أكثر تدميراً بكثير للمنطقة والاقتصاد العالمي». وأضاف، أنّ ترامب لم يستوعب يوماً بصورة كاملة دوافع الإيرانيّين، وكيف يرفضون أن يتعرّضوا للتنمُّر أو الإخضاع، وطوال ولايته الحالية والسابقة على حدّ سواء، «يحجم عن تعلّم الدرس» المتمثل في أنّ التكتيكات العدوانية تجاه إيران لم تؤدِّ إلّا إلى تشديد موقفها: «لقد مرّت 8 سنوات من الضغط الأقصى الذي مارسه من خلال العقوبات الاقتصادية»، مشيراً إلى أنّها باتت مقترنة الآن بضغط عسكري لم يُنتج قط ما سعى إليه».
مخزون الذخائر
كما تكافح واشنطن في ظل استنزاف مخزوناتها من الذخائر. ويؤكّد مسؤولون عسكريّون أنّ قدرتهم على خوض صراعات مستقبلية قد تتضرّر بسبب نقص قد يستغرق سنوات لعكس مساره، ولا سيما في الأسلحة الدفاعية مثل صواريخ باتريوت. وأوضح فرزان ثابت، المحلل بالشأن الإيراني في المعهد العالي للدراسات الدولية والتنمية في جنيف بسويسرا: «الخيارات العسكرية الأميركية ليست كبيرة، ولا يتعلّق الأمر ببساطة بنقص الذخائر الذي يجري الإبلاغ عنه. أولاً، ليس واضحاً أنّ التصعيد العسكري المحدود والمحدَّد زمنياً الذي يرغب ترامب في القيام به في هذه المرحلة سيكون كافياً لتغيير حسابات إيران. وثانياً، من الصعب تصوُّر أنّ هذه الخيارات يمكن أن تضعف قوة إيران الصاروخية وقدرتها على استخدام الطائرات المسيّرة، إلى درجة تمنعها من إغلاق مضيق هرمز بشكل فعّال أو إلحاق مزيد من الضرر بالبنية التحتية الحيوية وقطاع الطاقة في الخليج».
المصدر: الجمهورية