أنقرة… الضلع الرابع في المعادلة اللبنانية الجديدة
خلدون الشريف
الإثنين 3 آب 2026
لم تعد المنطقة التي عرفناها قبل سنوات قليلة هي نفسها. فالعواصم التي تؤثر في توازنات المشرق تتبدل، وخرائط الطاقة والممرات التجارية يعاد رسمها، وسوريا تعود تدريجيًا إلى قلب الجغرافيا السياسية، فيما تستعيد تركيا موقعها لاعبًا رئيسيًا في صياغة معادلات الإقليم. وفي هذا السياق، تكتسب زيارة رئيس الجمهورية جوزاف عون ورئيس الحكومة نواف سلام إلى أنقرة أهمية تتجاوز بعدها الثنائي، لأنها تعكس إدراكًا لبنانيًا بأن تركيا أصبحت إحدى الدول المؤثرة في مستقبل المشرق.
فمنذ انتخاب رئيس الجمهورية، بدت السياسة الخارجية اللبنانية وكأنها تتحرك وفق مقاربة مختلفة، تقوم على وصل العواصم الأكثر تأثيرًا في مستقبل لبنان. فواشنطن تمثل المظلة الدولية الأكثر تأثيرًا في ملفات الأمن والاقتصاد، والرياض استعادت موقعها كركيزة لإعادة التوازن العربي، ودمشق عادت تدريجيًا إلى قلب المعادلة اللبنانية بحكم الجغرافيا والتحولات السورية. واليوم، تبرز أنقرة بوصفها الضلع الرابع في هذه المعادلة الدبلوماسية اللبنانية؛ ليس لأنها تحل محل أي طرف، بل لأنها أصبحت تتقاطع مع معظم الملفات التي سترسم مستقبل المشرق خلال العقد المقبل، من سوريا إلى أمن شرق المتوسط، ومن الطاقة والممرات التجارية إلى إعادة الإعمار.
إنها ليست زيارة إلى دولة صديقة فحسب، ولا مجرد محطة في جدول العلاقات الثنائية، بل إلى قوة إقليمية باتت شريكًا في صناعة التوازنات الجديدة، وقد تشكل بداية مرحلة مختلفة في العلاقات اللبنانية–التركية إذا أحسن لبنان قراءة التحولات التي يشهدها الإقليم.
لم يكن الحضور التركي في المنطقة غائبًا خلال السنوات الماضية، لكنه كان منشغلًا بإدارة أزمات متلاحقة؛ من الحرب السورية إلى التهديدات الكردية، وصولًا إلى الضغوط الاقتصادية الداخلية. أما اليوم، فتبدو أنقرة في مرحلة انتقال من إدارة الأزمات إلى المساهمة في رسم النظام الإقليمي الجديد. فالتحولات التي شهدتها سوريا، والانفتاح العربي عليها، وإعادة ترتيب الأولويات الأميركية، دفعت تركيا إلى استعادة دورها السياسي والاستراتيجي في المشرق. ولم تعد دمشق بالنسبة إليها مجرد دولة مجاورة، بل أصبحت العقدة التي تتقاطع عندها ملفات الأمن والطاقة وإعادة الإعمار والتجارة والنفوذ الإقليمي. ومن هنا، يعود لبنان تلقائيًا إلى الحسابات التركية، ليس باعتباره ملفًا منفصلًا، بل جزءًا من المشهد السوري–المشرقي الأوسع.
وهذا التحول يرتبط أيضًا بتطور مفهوم الأمن القومي التركي. فمنذ أكثر من عقد، لم يعد هذا المفهوم يقتصر على حماية الحدود أو مواجهة التنظيمات المسلحة، بل توسع ليشمل إدارة البيئة الأمنية المحيطة بتركيا ومنع تشكل مصادر تهديد على امتداد حدودها الجنوبية. وفي هذا الإطار، لم تعد حلب ودمشق مدينتين خارجيتين في التفكير الاستراتيجي التركي، بل أصبحتا جزءًا من المجال الأمني الذي تعتبر أنقرة أن استقراره ينعكس مباشرة على أمنها الداخلي. وإذا كانت دمشق تمثل عقدة الاستقرار السوري، فإن بيروت تشكل امتدادًا طبيعيًا لهذا الاستقرار. فأي انهيار أمني في لبنان ينعكس على سوريا، وأي اضطراب في سوريا يمتد أثره إلى تركيا، ولذلك تنظر أنقرة إلى استقرار لبنان باعتباره جزءًا من استقرار المشرق، لا ملفًا منفصلًا أو شأنًا ثنائيًا فحسب.
ولا يكتمل فهم هذا التحول من دون التوقف عند طبيعة العلاقة التركية–الإسرائيلية. فمن الخطأ اختزالها في التوتر الذي برز بعد الحرب على غزة، لأن جوهر التنافس بين الطرفين أعمق من خلاف سياسي عابر، بل يتعلق بتنافس بين مشروعين مختلفين لشكل النظام الإقليمي المقبل. تسعى إسرائيل إلى تكريس نفسها القوة العسكرية والأمنية الأولى في المنطقة، مع الحفاظ على حرية الحركة في سوريا ولبنان ومنع أي قوة إقليمية أخرى من تثبيت حضورها على حدودها الشمالية. أما تركيا، فترى أن أي نظام إقليمي يقوم على احتكار القوة من طرف واحد سيكون نظامًا هشًا، وأن الاستقرار يحتاج إلى توازنات متعددة لا إلى هيمنة مطلقة. وهذا لا يعني أن أنقرة تبحث عن مواجهة عسكرية مع إسرائيل، لكنها ترفض أن تتحول الأخيرة إلى المرجعية الوحيدة في ترتيب ملفات المشرق، ولذلك أصبحت سوريا ساحة تنافس مباشرة بين الطرفين، وقد يمتد أثر هذا التنافس تدريجيًا إلى لبنان عبر ملفات الأمن وإعادة الإعمار والنفوذ السياسي.
وإذا كان هناك ملف واحد يجمع معظم هذه التحولات، فهو سوريا. فلا يمكن الحديث عن إعادة الإعمار، أو عن ممرات اقتصادية، أو عن خطوط نفط وغاز، أو عن تجارة برية، أو حتى عن استقرار دائم في لبنان، من دون استقرارها. لكن تركيا لا تنظر إلى سوريا باعتبارها جائزة سياسية أو ساحة نفوذ فقط، بل باعتبارها عقدة عبور تربط الخليج بتركيا وأوروبا، والعراق بشرق المتوسط، وتفتح الباب أمام إعادة تشغيل شبكات التجارة والطاقة التي تعطلت طوال سنوات الحرب. ولهذا، فإن أي سياسة تركية تجاه لبنان تمر، بصورة أو بأخرى، عبر دمشق، كما أن لبنان نفسه لم يعد قادرًا على الفصل بين مستقبله الاقتصادي ومستقبل سوريا. فالمرافئ، وخطوط النفط، والسكك الحديدية، والأسواق، وحركة الترانزيت، كلها عناصر تربط البلدين ضمن منظومة جغرافية واحدة، لأن الجغرافيا، في نهاية المطاف، أكثر ثباتًا من التحالفات.
ومن هنا، يصبح الانتقال إلى ملف الطاقة والممرات أمرًا طبيعيًا. فالعالم يشهد اليوم سباقًا على طرق التجارة لا يقل أهمية عن سباق النفوذ العسكري. ولم تعد الأفضلية لمن يملك مصادر الطاقة فحسب، بل لمن يتحكم بمسارات نقلها، وبالموانئ، وبالعقد اللوجستية التي تربط القارات. وتتقاطع هنا مصالح تركيا ولبنان أكثر مما يبدو للوهلة الأولى. فتركيا تمثل المعبر الطبيعي بين آسيا وأوروبا، فيما يمتلك لبنان، رغم أزماته، موقعًا استراتيجيًا على شرق المتوسط، إضافة إلى مرفأ طرابلس وخطوط النفط التاريخية التي يمكن أن تستعيد أهميتها إذا دخلت المنطقة مرحلة إعادة الإعمار والتكامل الاقتصادي. وإذا نجحت سوريا في استعادة استقرارها، فإن إعادة تشغيل شبكات النقل والطاقة التي تربط العراق وسوريا ولبنان وتركيا قد تصبح أحد أكبر المشاريع الاقتصادية في المشرق خلال السنوات المقبلة.
ومن هذا المنطلق أيضًا يمكن فهم الموقف التركي من مشاريع الربط الإقليمي. فأنقرة لا تعارض التعاون الاقتصادي، لكنها ترفض أن تُبنى خرائط المنطقة الجديدة على أساس تجاوزها. ولهذا اعترضت على مشروع EastMed، ليس بسبب أنبوب الغاز بحد ذاته، بل لأنها رأت فيه هندسة جيوسياسية تستبعدها من معادلة شرق المتوسط وتتجاهل حقائق الجغرافيا والاقتصاد. كما لم تبدِ حماسة لمشروع IMEC بصيغته الأولى، وطرحت في المقابل مشروع “طريق التنمية” الذي يربط الخليج بالعراق فتركيا وصولًا إلى أوروبا. فالصراع الحقيقي لا يدور حول أنبوب أو ممر بعينه، بل حول من يمتلك موقع العقدة الرئيسية في شبكة التجارة والطاقة العالمية. وفي هذا السياق، يستطيع لبنان أن يكون جزءًا من أكثر من مشروع إذا أحسن استثمار موقعه الجغرافي، بدل أن يتحول مرة أخرى إلى ضحية للصراعات الإقليمية.
أما في علاقاتها الإقليمية، فتقدم تركيا نموذجًا مختلفًا في إدارة التنافس. فالعلاقة مع إيران تشهد تنافسًا واضحًا في سوريا والعراق وجنوب القوقاز، لكنها لم تتحول يومًا إلى مواجهة مباشرة أو إلى قطيعة سياسية واقتصادية. ويدرك الطرفان أن اختلاف المصالح لا يلغي الحاجة إلى التعاون، وأن إدارة التنافس أكثر جدوى من تحويله إلى صراع مفتوح. وربما يفسر ذلك قدرة تركيا على لعب دور في لبنان من دون أن تدخل تلقائيًا في مواجهة مع إيران، بخلاف ما يحصل مع أطراف إقليمية أخرى.
وتزداد خصوصية الدور التركي إذا أخذنا في الاعتبار موقعها داخل حلف شمال الأطلسي. فهي تمتلك ثاني أكبر جيش في الحلف، لكنها في الوقت نفسه تحتفظ بعلاقات مع روسيا، وتدير حوارًا مستمرًا مع إيران، وتوسع تعاونها مع دول الخليج، وتحافظ على حضور مباشر في سوريا. وهذه القدرة على التحرك بين محاور متنافسة تمنحها هامشًا واسعًا في إدارة الأزمات، وتجعلها قادرة على مخاطبة الغرب بلغة الحلف، ومخاطبة الشرق بلغة المصالح، وهو ما يمنحها موقعًا يصعب تجاوزه في أي ترتيبات تخص المشرق.
ويبقى السؤال: أين يقف لبنان من كل هذه التحولات؟ فالزيارات المتتالية إلى واشنطن والرياض ودمشق وأنقرة لا ينبغي أن تتحول إلى مجرد محطات دبلوماسية منفصلة، بل إلى عناصر في رؤية لبنانية متكاملة تعيد تعريف موقع البلاد داخل المشرق الجديد. لقد اعتاد لبنان، طوال عقود، أن يكون ساحة تتقاطع فوقها مشاريع الآخرين. أما اليوم، فثمة فرصة مختلفة، وإن كانت صعبة، للانتقال من موقع الساحة إلى موقع الشريك، مستفيدًا من موقعه الجغرافي، ومرافئه، وخطوط الطاقة التاريخية، وعلاقاته المتوازنة مع مختلف الأطراف.
ومن هنا، فإن زيارة الرئيس جوزاف عون ورئيس الحكومة نواف سلام إلى أنقرة لا تكتسب أهميتها من الاتفاقيات التي قد تُوقَّع، بل من الرسالة السياسية التي تحملها: أن لبنان بدأ يدرك أن خرائط المنطقة تتغير، وأن تركيا أصبحت الضلع الرابع في معادلته الدبلوماسية الجديدة، وإحدى الدول التي لا يمكن تجاهل دورها في إعادة تشكيل المشرق.
ويبقى الرهان الحقيقي أن يمتلك لبنان، للمرة الأولى منذ سنوات طويلة، سياسة خارجية لا تكتفي بمتابعة التحولات، بل تسعى إلى توظيفها. فالمشرق الذي يولد اليوم لن ينتظر المترددين، ولن يمنح موقعًا للدول التي تكتفي بردّ الفعل. أما موقع لبنان داخل هذه المعادلة الجديدة، فلن تحدده الجغرافيا وحدها، بل قدرته على الانتقال من دولة تتلقى نتائج التحولات إلى دولة تشارك، ولو بقدر، في صناعة مستقبلها.
المصدر: المدن