كُتّاب الموقع
السعودية تبادر بمواجهة حرب المضائق:مشروع لكبح إسرائيل وإيران

منير الربيع

الجمعة 31 تموز 2026

مبادرة جديدة أطلقتها المملكة العربية السعودية لتشكيل تحالف بحري هدفه حماية الملاحة وخصوصاً في البحر الأحمر. يمكن لهذه المبادرة أن تشكل عنصراً تأسيسياً جديداً لمشروع عربي قابل لأن يتطور إقليمياً في إطار طرح مشروع قوامه عربي ويكون له امتداداته الإقليمية انطلاقاً من العلاقة مع تركيا أو باكستان، ويمكنه أن يرتكز على تنويع العلاقات مع القوى الدولية وخصوصاً الدول الكبرى من الولايات المتحدة الأميركية إلى الصين وروسيا. جاء الاجتماع الذي استضافته السعودية لرؤساء أركان عدد من الدول والإعلان عن تشكيل التحالف الذي سيكون بقيادتها، بالتزامن مع زيارة أجراها وزير الدفاع السعودي خالد بن سلمان إلى الولايات المتحدة الأميركية والتقى فيها الرئيس الأميركي دونالد ترامب. 
 
حرب عالمية
 
الهدف من الزيارة هو البحث في مسار الحرب الدائرة في المنطقة، واحتمال توسعها وتصاعد وتيرتها. تتركز الحرب في البحار والمضائق، من مضيق هرمز، إلى باب المندب، ومن البحر الأحمر إلى البحر الأبيض المتوسط بعد استهداف دمياط وما لذلك من دلالات حول اتساع أفق الصراع وإمكانية التأثير اللاحق أيضاً على قناة السويس، ولا يمكن إغفال التطورات التي شهدها بحر قزوين ومسار الحرب المتصاعد بين روسيا وأوكرانيا، وهو ما لا ينفصل عن التسريبات التي تتحدث عن دعم الصين لإيران وتزويدها بالدعم العسكري والصاروخي والتقني، لتبدو الحرب كأنها تجاوزت المدار الإقليمي ووصلت إلى مشارف "حرب عالمية". 
 
خفض التصعيد
 
دول كثيرة من أبرزها السعودية إلى جانب دول خليجية وعربية أخرى، وكذلك تركيا وباكستان، جميعها لا ترغب باتساع الحرب، وهذا جزء من مبادرة ومساعٍ بذلت قبل الحرب على إيران ولا تزال مستمرة إلى اليوم. إذ إن بعض التسريبات أشارت إلى أن زيارة وزير الدفاع السعودي إلى واشنطن ركزت على ضرورة خفض التصعيد وعدم توسيع الحرب أو تصعيدها. في المقابل، تعمل الولايات المتحدة الأميركية على خوض حرب استنزاف ضد إيران لكنها لا تستنزف إيران وحدها بل دول المنطقة التي تتعرض لاعتداءات مستمرة إما من طهران أو من حلفائها. في المقابل، فإن إيران هي التي تقدم على توسيع إطار الحرب، فمن غير مصلحتها استمرار الحصار وتلقي الضربات، وفي القناعة الإيرانية أن ترامب لا يريد العودة إلى الحرب الواسعة أو الشاملة، لذلك تلجأ هي إلى توجيه ضربات مركزة تستهدف دولاً ومرافق حيوية هدفها التأثير على الاقتصاد العالمي وتعطيله إلى جانب إلحاق أكبر قدر من الخسائر. 
 
إيران وإسرائيل
 
ذلك يدفع دول المنطقة إلى السعي لإنهاء الحرب والوصول إلى اتفاق، لكن ذلك يفرض على هذه الدول أكثر من تحد، وبشكل أساسي منع إيران من الاستثمار بنتائج أي اتفاق لفرض شروطها ورؤيتها حول مضيق هرمز وكيفية إدارته، أو حول شؤون وشجون المنطقة واستمرار دعمها لحلفائها. من دون إغفال التحدي الآخر وهو أن لا تكون نتيجة الحرب أو الاتفاق تصب في مصلحة إسرائيل ورؤيتها التي تريد فرضها على كل الدول العربية ودول المنطقة. 
 
مشروع متكامل
 
يأتي التحالف الذي شكلته السعودية وشارك فيه جوزيف كليرفلد وهو الجنرال الأميركي المسؤول عن ملف لبنان أيضاً، وزيارة بن سلمان إلى واشنطن بعد توقيع اتفاق حول النووي السلمي بين أميركا والسعودية، عارضته إسرائيل، بينما ربطه الرئيس الأميركي دونالد ترامب بانضمام السعودية إلى اتفاقات أبراهام والتطبيع مع إسرائيل، وهو ما تعلن السعودية رفضه، وتربطه بمسار الدولة الفلسطينية. وهذا التحالف الذي تشكل، القابل للتوسع، يمكن موازاته بطرح مشروع عربي متكامل بالتقاطع مع دول إقليمية مثل تركيا وباكستان، قادر على أن يفرض رؤيته في المنطقة وعلى الأميركيين، وأن يكون العنوان الأساسي لذلك هو وقف المشروع الإسرائيلي وإعادة إحياء مشروع الدولة الفلسطينية، كما يمكن لهذه الدول أن تستخدم أوراقاً عديدة من بينها التنويع الذي تتمتع به في علاقاتها الدولية. 
 
الخطوط البديلة
 
في المقابل، يبدو واضحاً أن ما يطرحه الأميركيون هو التالي، ربط الحرب على إيران، وضرب حلفاء إيران وإنهائهم في المنطقة، إضافة إلى المشروع النووي السلمي للسعودية، باتفاق السلام والتطبيع مع إسرائيل، إلى جانب الانخراط المباشر في هذه الحرب. لكن السعودية تعلن رفضها انخراطها في الحرب، وكذلك بالنسبة إلى دول كثيرة في المنطقة، أولاً لأن الانخراط في هذه الحرب ستستفيد منه اسرائيل وحدها، بينما ساحة الحرب ستكون إيران والدول العربية. ثانياً، انخراط السعودية وغيرها من دول الخليج في الحرب، ستكون نتائجه كارثية على الطموحات والمشاريع الاقتصادية. ثالثاً، أي حرب من هذا النوع ستعيد إشعال الصراع السني الشيعي في المنطقة، وهو صراع سيتجدد بلا أي ضوابط، وهذا ما سيطيح بأي فرصة يمكن البناء عليها لجعل دول المنطقة ولا سيما المشرق العربي ساحة الارتكاز للخطوط البديلة. 
 
سوريا والعراق ولبنان
 
المؤكد، أن الحرب الحالية، دفعت القوى الدولية والإقليمية إلى البحث عن خطوط وممرات جديدة بدلاً من مضيق هرمز ومضيق باب المندب والبحر الأحمر. هنا تبحث الدول عن الخيارات البديلة، فإسرائيل تعرض مشروعها وتريد إعادة إحياء طريق الهند وهو بالغ الصعوبة لجهة النجاح والتطبيق تقنياً ويحتاج إلى سنوات، إذا توفرت الظروف السياسية لذلك. في المقابل، هناك مشاريع أخرى بين دول الخليج وتركيا، تمر في سوريا، العراق ولبنان، ويمكن الارتكاز إليها لربط خطوط النفط والتجارة نحو أوروبا. 
 
طريق الحجاز
 
ولكن أمام ذلك تحديات كثيرة، فإسرائيل ستسعى إلى إجهاض هذه المشاريع، وهي تريد الاستناد إلى الدعم الأميركي لدفع دول المنطقة نحوها ونحو إحياء مشروع طريق الهند وتفعيل الاتفاقات الابراهيمية الذي سيكون الطريق الوحيد لذلك. وهذا ما تريد تل أبيب استدراج لبنان وسوريا إليه استناداً إلى الضغط العسكري، كما ستسعى إلى قطع طريق الحجاز المشروع المشترك بين السعودية وتركيا ويمر في سوريا. ليست إسرائيل وحدها من سيعمل على إحباط هذه المشاريع. فإيران أيضاً ليس من مصلحتها ذلك وهي التي تنظر إلى كل ما يجري بأنه محاولة لتطويقها والالتفاف على مضيق هرمز ونفوذها في باب المندب. وهذا ما يفسر التصعيد الذي يقدم عليه حلفاء إيران في باب المندب والبحر الأحمر، وصولاً إلى استهداف دمياط، من دون إغفال ما يمكن أن يشهده العراق من أحداث لاحقاً ما دامت طهران ستكون متضررة من طريق التنمية الذي جرى توقيعه بين بغداد وأنقرة. 
 
تفكيك الميليشيات
 
هنا ستعود الكرة إلى الملعب الأميركي، ولا بد من التوقف عند كلام الرئيس الأميركي دونالد ترامب الذي وصف حلفاء إيران بأنهم سرطان العالم، معلناً أنه سيبحث إمكانية توجيه ضربات لهم. بعد أيام على هذا الموقف جاء الاجتماع الذي استضافته الرياض لرؤساء أركان دول عديدة ومن بينهم قادة عسكريين في قيادة المنطقة الوسطى في الجيش الأميركي. هذا ما قد يعيد البحث بين بعض الدول ولا سيما بين السعودية وأميركا حول تفعيل عمل هذا التحالف الذي تشكل وهو امتداد لتحالفات عسكرية سابقة نشأت في المنطقة، بهدف "حماية الملاحة" أو ضرب حلفاء إيران، أو ضرب "الميليشيات" على اعتبار أن عصر الفصائل المسلحة الخارجة عن الدول قد انتهى. ولكن السؤال الذي سيطرح مجدداً يتعلق بالثمن المقابل لذلك، خصوصاً أن هناك طروحات عربية في المقابل تقضي بضرورة تفكيك الميليشيات التي تعمل إسرائيل على دعمها سواء في قطاع غزة، أو الضفة الغربية، أو التدخلات الإسرائيلية في سوريا عبر دعم بعض الجماعات، وصولاً إلى إجبارها على الانسحاب من الأراضي السورية واللبنانية، وهو ما سيبقي الصراع مع إسرائيل مفتوحاً.
 
 
المصدر: المدن