كُتّاب الموقع
بالديون والتفاصيل: كيف يمنعون شعب لبنان من التفكير؟

محمود القيسي

الجمعة 31 تموز 2026

«إذا أردت أن تمنع شعباً من التفكير، أغرِقه في التفاصيل الصغيرة والديون». بهذه الجملة يختصر نعوم تشومسكي آلية السيطرة الأخطر في القرن الـ21. لا تحتاج إلى رصاص ولا إلى رقابة... يكفي أن تترك المواطن يلهث وراء فاتورة المولِّد، زحمة السير، الدواء المقطوع، وقسط المدرسة. وفي لبنان، تحوَّلت هذه النظرية إلى منهج حياة. فمنذ أن يرنّ المنبِّه صباحاً حتى يغلق عينَيه ليلاً وهو يفكّر بالغد، لا يملك المواطن اللبناني «رفاهية» التفكير في الوطن، السياسة، والفساد. كل طاقته مستنزفة في البقاء. وهذا ليس صدفة، بل مأساة مقصودة... ملهاة الفضة التي تحدّث عنها درويش، تحوَّلت عندنا إلى ملهاة الفواتير.
 
مأساة النرجس، ملهاة الفواتير
 
في ديوان «أرى ما أريد»، وتحديداً في قصيدة «مأساة النرجس، ملهاة الفضة»، كتب محمود درويش: «حجر يشعّ غموضنا / أقصى الوضوح هو الغموض». يقصد الشاعر أنّ الأشياء شديدة البداهة والمباشرة قد تحمل في طيّاتها عمقاً يربك الفهم، لتصبح المعاني المطلقة محيّرة على رغم من تجرُّدها.
 
«إذا أردت أن تمنع شعباً من التفكير أغرقه في التفاصيل الصغيرة والديون» وفواتير المستشفيات والاستشفاء والأدوية.
 
يوميات مواطن «يومي» في لبنان
 
الحياة اليومية للمواطن العادي في بلد مثل لبنان مليئة بتفاصيل صغيرة وتحدّيات مستمرة، تشغِل باله وتستنزف طاقته ووقته، بجانب الهمّ الدائم للديون والأقساط. أبرز هذه التفاصيل التي تُعَدّ ولا تحصى:
 
- الروتين الصباحي: منبِّه الصباح؛ القلق المتكرّر من التأخّر عن العمل في زحمة مواصلات لا تنتهي. إعداد وجبة الإفطار والتفكير في خيارات سريعة وغير مكلفة. مفاتيح مفقودة، وبحث يومي عن المحفظة، الهاتف، وسندويشات الغداء. والتأكّد من اكتمال شحن الهاتف والبطاريات الاحتياطية في بلدٍ الكهرباء فيه مقطوعة. أخبارلبنان
 
- التنقل والمواصلات: ازدحام المرور؛ هدر ساعات طويلة يومياً في الشوارع. معاناة إيجاد مكان آمن ومجاني للسيارة في بلد أصبحت فيه المواقف مجرّد مواقف لعربات الخضار والسكاكر والثياب المحمولة بالجملة والمفرَّق والكيلو. وتتبُّع أسعار البنزين وحساب تكلفة الرحلات الصادمة؛ صوت غريب في محرِّك السيارة يُسبِّب قلقاً فورياً. فيما انتظارٌ وترقُّب لوسائل النقل العام وتأخّرها المتكرّر أو عدم وصولها.
 
- الاقتصاد المنزلي: الموازنة الصعبة بين الاحتياجات الأساسية والكماليات، في بلد سقط اقتصادياً بالضربة القاضية من وراء طبقة سياسية معشعشة وفاسدة. والتنقل بين المتاجر للحصول على أفضل العروض والتخفيضات «الملعوبة» في السوق السوداء والبيضاء. صنبور يقطر من هنا، مصباح محترق من هناك، أو باب أو نافذة مرّ عليها الزمن ومضى، تحتاج إصلاحاً مثل الحكومات التي مرّت على البلد.
 
- الفواتير التي لا تنتهي: ملاحقة مواعيد دفع الكهرباء المقطوعة؛ وفاتورة مولدات كهرباء مافيا المولّدات ومشغليهم. بالإضافة إلى المياه المقطوعة دائماً وأبداً في بلاد الأنهار والشلالات؛ والمياه غير الصالحة للشرب والغسل والاستخدامات الآدمية أصلاً. والإنترنت الذي يحتاج إلى «نِت».
 
- الصلاحية والهدر: تفقُّد تواريخ انتهاء الأطعمة في الثلاجة لتجنُّب الهدر.
 
- الالتزامات الاجتماعية: تدبير ميزانية لهدايا أعياد الميلاد، الفطر، الأضحى، والفصح... بحسب عدد الطوائف، الزواج، أو المآتم. وعبء الردّ على رسائل «واتساب» ومجموعات العمل العاجلة. والشعور بالذنب لعدم قضاء وقت كافٍ مع الأبناء أو الوالدَين. ومجاملات الجيران؛ والخوف من الموتوسيكلات المتفلتة بلا ضوابط.
 
- الصحة والراحة النفسية: الأرق الليلي من «بكرا» في بلد الأرق الذي أصبح رديف الخوف من كل يوم «جديد». والتفكير الزائد في التزامات الغد قبل النوم. وتجاهل ألم الأسنان أو الصداع لتجنُّب تكاليف الطبيب. والبحث عن نصف ساعة من العزلة بعيداً من صخب الحياة حيث الماء مقطوعة والكهرباء مقطوعة والعملة مقطوعة والهواء مقطوع.
 
هذا كلّه ومن دون ذكر المصارف المقطوعة بكل أنواعها، من بنوك المال إلى مصارف المياه الآسنة المسدودة... كذلك العملة الصعبة والسهلة مقطوعة عن عموم الناس العادية.
 
«تحوّلنا إلى زومبي»
 
أعتقد أنّي أطلت عليك يا أستاذي تشومسكي... العذر منك يا صاحب مقولة «العالم إلى أين؟». نحن شعب فقدنا حاسة المسؤولية والوقوف ضدّ الظلم منذ عقود، فقدنا حتى عيون الكلام، وفقدنا حاسة الشم واللمس. تحوَّلنا في حياتنا إلى زومبي... مجرّد مخلوقات عقيمة تأكل بعضها البعض.
 
 
«أليست هذه مَلْهاة. شيء غبي. هذا التكرار. هذا السير للحوادث في دائرة مُقَدّرَة؟ أجل، هكذا تسير الأمور. كل شيء لم يبلغ نهايته من المعاناة - في بلد مثل لبنان - ولم يبلغ خاتمته النهائية يعُود من جديد، ويعاني الأحزانَ نفسَها». مراجعجغرافية
 
المصدر: الجمهورية