كُتّاب الموقع
الشعبوية الأميركية وصعود «الترامبية»

د. خالد العزّي

الأربعاء 16 أيلول 2026

لم تقتصر  سياسة الرئيس الأميركي دونالد ترامب في ولايته الأولى على نهج سياسي متكامل، مستنداً فيه إلى أفكار التطرُّف التي بدأ العالم يميل إليها، بما في ذلك الشعب الأميركي، والتي انتهت بفوضى داخل الكونغرس في أعقاب الانتخابات الأميركية التي سقط فيها النهج الترامبي. ولم تكن تلك التحوُّلات مجرّد مواقف سياسية عابرة، بل كشفت عن تحوُّل أعمق في طبيعة الخطاب السياسي الأميركي، وعن تنامي اتجاهات شعبوية وقومية وجدت في شخصية ترامب تعبيراً واضحاً عنها.
 
 
وهذا ما يؤكّده الباحث السعودي، المحاضر في إحدى جامعات بنسلفانيا، علي بن حمد الخشيبان، في كتابه الترامبية: «السياسة الأميركية في مواجهة العالم»، الصادر عن دار جداول للنشر والترجمة والتوزيع، بيروت، عام 2025، والذي يتناول ظاهرة الترامبية بوصفها منظومة سياسية متكاملة.
 
ومن هنا يصبح السؤال الأهم: هل الترامبية ظاهرة مرتبطة بشخص دونالد ترامب، أم أنّها تحوَّلت بالفعل إلى نهج سياسي قابل للاستمرار وإعادة الإنتاج داخل  السياسة الأميركية؟
 
الترامبية نظرية سياسية
 
الترامبية لم تعُد مجرّد ظاهرة انتخابية عابرة، وإنما تحوَّلت إلى نهج سياسي ومنهجية إجرائية داخل واحدة من أعظم الديمقراطيات في العالم. وقد ارتبط هذا النهج بخطاب سياسي يقوم على مخاطبة الجمهور مباشرة، ومواجهة النخب والمؤسسات التقليدية، والاستناد إلى قاعدة اجتماعية وجمهور يمتد عبر شبكات إعلامية وسياسية وثقافية.
 
وقد تبنّى ترامب شعار «أميركا أولاً»، ضمن شعار خاطب به الشعب الأميركي: «لنجعل أميركا عظيمة مرّة أخرى». ولم يكن الشعار مجرّد وسيلة للوصول إلى السلطة، وإنما عبّر عن رؤية أرادت إعادة ترتيب الأولويات الأميركية، ووضع المصلحة الوطنية في مقدّمة الحسابات الداخلية والخارجية، وإعادة النظر في علاقة الولايات المتحدة بحلفائها وخصومها وبالنظام الدولي.
 
وقد انعكست خلفية ترامب كرجل أعمال ومال على رؤيته للعلاقات الدولية، فهو يميل إلى النظر إلى القضايا من زاوية المصلحة والكلفة والعائد، وإلى التعامل مع العلاقات الدولية باعتبارها مجالاً للتفاوض والصفقات، وليس فقط فضاءً تحكمه الالتزامات والتحالفات التقليدية. ومن هنا جاء اختلافه في التعامل مع عدد من الملفات الدولية، إذ أصبح السؤال الذي يحكم جزءاً من رؤيته: ماذا تحصل الولايات المتحدة في المقابل؟
 
الترامبية نهج سياسي متكامل
 
غير أنّ الترامبية لا يمكن تفسيرها بشخص ترامب وحده، فقد جاءت في بيئة سياسية واجتماعية واقتصادية مهيأة لاستقبال هذا النوع من الخطاب. وشهد المجتمع الأميركي خلال العقود الأخيرة تحوُّلات عميقة ارتبطت بالعولمة، وتغيُّر سوق العمل، وانتقال بعض الصناعات والإنتاج إلى خارج الولايات المتحدة، وتزايد الهجرة، واتساع الفجوة بين فئات المجتمع، وتراجع الثقة بالمؤسسات السياسية التقليدية.
 
لقد استطاع ترامب مخاطبة فئات شعرت بأنّ النظام السياسي والاقتصادي لم يعُد يعبّر عن مصالحها، وأنّ النخب السياسية والاقتصادية والإعلامية أصبحت بعيدة عن المواطن العادي. فقدّم نفسه بوصفه صوتاً خارج المنظومة، قادراً على تحدّي المؤسسات القائمة وإعادة الاعتبار للمصلحة الأميركية.
 
التحوُّلات العالمية ساهمت في دفع الشعب نحو الترامبية
 
ولم تكن هذه الظاهرة منفصلة عن التحوُّلات التي شهدها العالم بعد انتهاء الحرب الباردة. فقد دخل العالم مرحلة العولمة الليبرالية، واتسعت حركة رأس المال والأسواق والتجارة، وتزايد الاعتماد على المؤسسات الدولية. إلّا أنّ نتائج هذه المرحلة لم تكن متساوية بالنسبة إلى الجميع، الأمر الذي أدّى إلى ظهور اعتراضات متزايدة على ما اعتبره البعض تغوّلاً للسوق وتراجعاً لدور الدولة الوطنية، أو ما يمكن وصفه بـ«الليبرالية المتوحّشة».
 
وفي هذه البيئة وجدت الشعبوية أرضاً خصبة للنمو، لأنّها أعادت صياغة الصراع السياسي بوصفه مواجهة بين الشعب والنخب، وبين المواطن والمؤسسات التي يُنظر إليها باعتبارها منفصلة عن مصالحه.
 
الانتخابات الأميركية وغزوة الكونغرس
 
لقد كشفت الانتخابات الأميركية لعام 2020 عن حجم هذا الانقسام، خصوصاً مع رفض ترامب الاعتراف بنتيجة الانتخابات، وما تبع ذلك من توتر سياسي انتهى بأحداث السادس من كانون الثاني 2021 واقتحام مبنى الكونغرس. وأصبحت تلك الأحداث علامة فارقة، لأنّها أظهرت مدى قدرة الخطاب الشعبوي على الوصول إلى مواجهة مباشرة مع المؤسسات الديمقراطية.
 
بالنهاية، يمكن النظر إلى الترامبية باعتبارها نتاجاً لتداخل شخصية ترامب، وطريقته في التفكير السياسي مع التحوُّلات الاجتماعية والاقتصادية داخل الولايات المتحدة، وصعود الشعبوية والقومية، وأزمة الثقة بالمؤسسات التقليدية، فضلاً عن التحولات التي أصابت النظام الدولي منذ نهاية الحرب الباردة.
 
فإنّ أهمية الترامبية تكمن في كونها تعبيراً عن أزمة أوسع تتعلّق بعلاقة المواطن الأميركي بالدولة، وبعلاقة الولايات المتحدة بالعالم، وبمستقبل النظام الدولي الذي تشكّل خلال العقود التي أعقبت الحرب الباردة.
 
المصدر: الجمهورية