كُتّاب الموقع
ربع قرن من حرب على عدو لا يمكن هزيمته

العرب اللندنية

الخميس 10 أيلول 2026

لم يكن هجوم 11 سبتمبر مجرد لحظة مأساوية، بل نقطة انعطاف أعادت تعريف الأمن والسياسة والعلاقات الدولية. وبينما سقطت الأبراج، ارتفعت أسوار الدولة الأمنية، وتحوّل الخوف إلى قاعدة دائمة، تاركاً إرثاً معقداً يثير أسئلة أكثر من أجوبة.
 
 بعد خمسة وعشرين عاماً، ما زال العالم يتحدث عن 11 سبتمبر كما لو أنه كان لحظة توقفت فيها عقارب الساعة. طائرات تصطدم بأبراج نيويورك، دخان فوق مانهاتن، مبنى البنتاغون، وطائرة تسقط في بنسلفانيا. نحو ثلاثة آلاف شخص قتلوا في ذلك الصباح، وفي الساعات التالية بدأ شيء أكبر من الهجوم نفسه: إعادة تعريف للأمن الأميركي، وللحرب، ولحدود القوة، وللعلاقة بين الدولة والمواطن، بل ولطريقة فهم العالم للعدو.
 
لكن بعد ربع قرن، ربما حان الوقت لقلب السؤال: لماذا غيّر 11 سبتمبر العالم؟ ليصبح: هل غيّر 11 سبتمبر العالم، أم أن العالم تغيّر أساساً بسبب الطريقة التي اختار بها الغرب الرد عليه؟
 
الفارق، جوهر القصة. فالقاعدة نجحت في تنفيذ هجوم مذهل، لكنها لم تكن تملك جيشاً أو اقتصاداً أو دولة أو أسطولاً. أما الرد عليها فجاء من الدولة الأقوى في العالم، مدعوماً بحلفائها، وجيوشها، وأجهزتها الاستخباراتية، واقتصادها، وشبكة تحالفاتها. وفي غضون أسابيع، انتقل العالم من مطاردة تنظيم إرهابي إلى حرب عالمية ذات تعريف فضفاض، ثم إلى احتلال دول، وتغيير أنظمة، وتوسيع صلاحيات المراقبة، وإنشاء مؤسسات أمنية جديدة، وإعادة رسم حدود ما يمكن للدولة أن تفعله باسم حماية مواطنيها.
 
هكذا أصبحت المفارقة الأولى لعصر ما بعد 11 سبتمبر واضحة: هجوم نفذته شبكة غير حكومية أدى إلى أكبر توسع في سلطة الدولة منذ عقود.
 
لم يكن ذلك بلا سبب. كان الخوف حقيقياً، والتهديد حقيقياً، والضحايا حقيقيين. وكان من الطبيعي أن تبحث الولايات المتحدة عن المسؤولين وأن تمنع تكرار الهجوم. بل إن حلف الناتو اعتبر الهجوم للمرة الأولى في تاريخه مشمولاً بالمادة الخامسة، أي مبدأ الدفاع الجماعي، في إشارة إلى أن الإرهاب لم يعد يُنظر إليه باعتباره مشكلة شرطية أو استخباراتية فقط، بل تهديداً للأمن الجماعي.
 
لكن المشكلة بدأت عندما أصبح الاستثناء قاعدة.
 
بعد أسابيع من الهجمات، أقر الكونغرس الأميركي تفويض استخدام القوة العسكرية الذي أصبح الأساس القانوني لكثير من العمليات اللاحقة. وفي أفغانستان، كان الهدف الأول واضحاً: ضرب القاعدة وإسقاط نظام طالبان الذي وفر لها الملاذ. نجحت الحملة العسكرية الأولى في الإطاحة بطالبان، لكن الحرب سرعان ما تحولت إلى مشروع أطول بكثير لبناء دولة ومؤسسات ونظام سياسي. وبعد عشرين عاماً تقريباً، عادت طالبان إلى كابول.
 
هذه ليست قصة عن أفغانستان. إنها قصة عن وهم استراتيجي أكبر: أن التفوق العسكري يمكن أن يتحول تلقائياً إلى نظام سياسي مستقر.
 
كان بإمكان الولايات المتحدة أن تصل إلى أفغانستان. كان بإمكانها أن تقصف وتحتل وتطارد وتقتل. لكن الوصول إلى بلد ليس هو نفسه القدرة على إعادة تشكيله.
 
وهنا بدأت الحرب على الإرهاب تكشف تناقضها الداخلي. فهي كانت تبحث عن عدو عابر للحدود، لكنها ردت عليه في البداية بأدوات الدولة التقليدية: الجيوش والاحتلال والقواعد والقصف. كانت القاعدة بلا حدود، أما الحرب ضدها فأصبحت، في مرحلة معينة، حرباً ذات خرائط وحدود وعواصم… ثم جاء العراق.
 
ليس من الدقة التاريخية القول إن غزو العراق كان نتيجة مباشرة لهجمات 11 سبتمبر. لم يكن العراق هو أفغانستان، ولم تكن هناك علاقة سببية بسيطة بين نظام صدام حسين والقاعدة تثبت أنه كان وراء الهجمات. لكن هذا ليس هو المهم.
 
المهم أن 11 سبتمبر غيّر البيئة السياسية التي أصبح فيها غزو العراق ممكناً. فبعد الهجمات، أصبحت فكرة “التهديد المحتمل” أكثر قوة من فكرة “الخطر المثبت”. وتحولت الوقاية من الهجوم إلى مبرر للتصرف قبل وقوعه. وبذلك اتسعت الحرب من معاقبة من نفذ الهجوم إلى محاولة منع أخطار مستقبلية، حتى عندما كانت الصلة بين تلك الأخطار و11 سبتمبر بعيدة أو ملتبسة.
 
وهنا ربما ارتكبت واشنطن أكبر أخطاء مرحلة ما بعد 11 سبتمبر: لقد تعاملت مع التفوق العسكري كما لو أنه يمنحها تفوقاً سياسياً تلقائياً.
 
لكن احتلال العراق لم ينتج شرقاً أوسطياً أكثر استقراراً. وسنوات الفوضى التي تلت ذلك ساعدت، في سياقات متعددة ومعقدة، على ظهور البيئة التي استطاع فيها تنظيم “الدولة الإسلامية” أن يتمدد. وهكذا أصبحت إحدى أكثر مفارقات “الحرب على الإرهاب” قسوة: بعض الحروب التي شُنت لمنع التطرف ساهمت في خلق البيئات التي ازدهر فيها تطرف جديد.
 
لا يعني ذلك أن “داعش” كان نتيجة مباشرة لغزو العراق وحده؛ التاريخ أكثر تعقيداً من ذلك. لكنه يعني أن القوة العسكرية لا تعمل في فراغ. إسقاط نظام قد يزيل تهديداً، لكنه قد يفتح أيضاً فراغاً أمنياً وسياسياً يستطيع خصوم جدد ملؤه.
 
السؤال بعد 25 عاماً ليس ما إذا كان 11 سبتمبر قد غيّر العالم. بل: هل كان العالم سيصبح أكثر أمناً لو كان الرد على 11 سبتمبر أكثر تواضعاً؟
 
وبعد أفغانستان والعراق، بدأت الحرب تعلمنا درساً آخر: الاحتلال مكلف. فانتقلت واشنطن تدريجياً إلى حرب أكثر خفة وأقل ظهوراً: الطائرات المسيّرة، القوات الخاصة، العمليات السرية، الضربات المحددة، وتبادل المعلومات الاستخباراتية. أصبح قتل فرد في منطقة نائية ممكناً من دون إرسال جيش لاحتلال بلد كامل.
 
من الناحية العسكرية، كان ذلك تطوراً هائلاً. ومن الناحية السياسية، كان أكثر التباساً. فكلما أصبحت الحرب أكثر دقة، أصبحت أيضاً أقل وضوحاً. وكلما أصبح قتل الخصم أسهل، أصبح النقاش حول من يملك الحق في قتله أكثر تعقيداً. لم تعد الحرب دائماً حدثاً تعلنه الدول؛ يمكن أن تصبح عملية سرية لا يعرف الجمهور عنها إلا بعد وقوعها.
 
وهكذا أنتج 11 سبتمبر شيئاً يشبه خصخصة الغموض الاستراتيجي: الدولة لا تتخلى عن الحرب، لكنها تجعلها أقل ظهوراً وأقل تكلفة سياسية… ثم جاءت التكنولوجيا لتفتح الباب الأخطر.
 
بعد 2001، لم تعد الدولة تريد فقط معرفة من يخطط للهجوم. أرادت معرفة من يتواصل مع من، ومن يسافر إلى أين، ومن يحول الأموال إلى من، ومن يستخدم أي جهاز، ومن يقرأ ماذا، ومن قد يصبح خطراً في المستقبل.
 
أنشأت الولايات المتحدة وزارة الأمن الداخلي عام 2002، وجمعت تحتها 22 وكالة وهيئة في بنية اتحادية جديدة. كما توسعت أدوات الاستخبارات والمراقبة ومكافحة تمويل الإرهاب.
 
كان ذلك مفهوماً في أعقاب الصدمة. لكن السؤال الذي لم يكن واضحاً آنذاك هو: متى ينتهي الاستثناء؟
 
هذه إحدى أهم هدايا 11 سبتمبر غير المرغوبة للعالم الحديث: لقد جعل الخوف مبرراً دائماً تقريباً لتوسيع قدرات الدولة. وفي 2001 كان الخلاف حول التنصت والمطارات وقوائم المراقبة. أما في 2026، فالسؤال أصبح أكثر اتساعاً: ماذا تستطيع الدولة أن تعرف عن مواطنيها عندما تمتلك الذكاء الاصطناعي، والتعرف على الوجوه، وتحليل البيانات الضخمة، والمراقبة الرقمية؟
 
في 2001 كانت المشكلة أن الدولة لا تعرف ما يكفي. بعد ربع قرن، ربما أصبحت المشكلة أن الدولة تستطيع أن تعرف أكثر مما ينبغي.
 
وهنا يصبح إرث 11 سبتمبر أكثر تعقيداً من مجرد تاريخ للحرب على الإرهاب. إنه أيضاً تاريخ صعود الدولة الأمنية الرقمية. لكن هناك إرثاً آخر أقل وضوحاً: تغيير موقع الولايات المتحدة في العالم.
 
دخلت واشنطن القرن الحادي والعشرين وهي القوة العظمى الوحيدة تقريباً. كانت روسيا ضعيفة، والصين لم تكن القوة التي أصبحت عليها لاحقاً، وكانت الولايات المتحدة قادرة على تحديد جدول الأعمال الدولي بدرجة استثنائية. ثم أمضت سنوات طويلة في حروب مكافحة التمرد وملاحقة الجماعات المسلحة وإدارة أزمات الشرق الأوسط.
 
مرة أخرى، لا يمكن القول إن 11 سبتمبر تسبب وحده في صعود الصين أو عودة روسيا. هذه عمليات تاريخية أوسع. لكن من الصعب أيضاً تجاهل المفارقة: العالم الذي بدأت فيه الحرب على الإرهاب كان أكثر أحادية من العالم الذي انتهت فيه مرحلتها الكبرى.
 
الولايات المتحدة لم تخسر قوتها. لكنها اكتشفت حدودها. وهذا ربما هو أهم درس استراتيجي خلال ربع قرن.
 
يمكن للقوة العظمى أن تدمر قواعد عسكرية، وتحتل عاصمة، وتقتل زعيم تنظيم، وتراقب ملايين الاتصالات، وتبني شبكة عالمية من التحالفات الأمنية. لكنها لا تستطيع بسهولة أن تقرر وحدها كيف سينتهي التاريخ.
 
لقد قتل الأميركيون أسامة بن لادن في 2011. وكان ذلك انتصاراً استخباراتياً وعسكرياً مهماً. لكن القاعدة لم تختفِ. وفق تقييمات حديثة، تراجعت قدرة التنظيم الأم، لكنه ظل يحتفظ بفروع في مناطق متعددة، بينما استفادت الجماعات المتطرفة من وسائل التواصل الاجتماعي والتكنولوجيا في التجنيد والنشر.
 
وهنا تظهر المفارقة الأكثر إزعاجاً: إذا كانت الحرب على الإرهاب قد نجحت في منع تكرار 11 سبتمبر، فلماذا بقي الإرهاب حياً؟
 
ربما لأن الحرب أخطأت في تعريف النصر. الإرهاب ليس دولة يمكن احتلالها، ولا جيشاً يمكن إجباره على الاستسلام، ولا عاصمة يمكن إسقاطها ثم إعلان انتهاء الحرب. إنه تكتيك، وشبكة، وأحياناً أيديولوجيا، وقدرة على التكيف.
 
يمكن إضعاف تنظيم. يمكن قتل قادته. يمكن تفكيك تمويله. لكن لا يمكن قصف فكرة حتى الموت.
 
وهنا ربما كان الخطأ الأكبر في لغة “الحرب على الإرهاب”: تحويل ظاهرة أمنية وسياسية واجتماعية إلى حرب لها بداية ونهاية.
 
وهو ما يفسر لماذا ما زالت المؤسسات الدولية، بعد ربع قرن، تتعامل مع الإرهاب باعتباره تهديداً مستمراً ومتغيراً. فالناتو نفسه يقول في إستراتيجيته الحالية إن الإرهاب لا يزال تهديداً مباشراً وغير متماثل للأمن، لكنه يتعامل معه اليوم ضمن بيئة تهديد أوسع بكثير من بيئة 2001. وهذا يقود إلى السؤال الأكثر استفزازاً في الذكرى الخامسة والعشرين: هل انتصر العالم في الحرب على الإرهاب، أم أنه أصبح أكثر اعتياداً على الحرب؟
 
ربما حدث الأمران معاً؛ لقد أصبحت الدول أفضل في منع الهجمات الكبرى. تطورت الاستخبارات، وتحسن تبادل المعلومات، وأصبحت الحدود والمطارات والأنظمة المالية أكثر قدرة على اكتشاف الشبكات المشبوهة. كما تعلمت الحكومات كيف تتعامل مع التهديدات العابرة للحدود.
 
لكن العالم دفع ثمناً آخر: الحروب الطويلة، آلاف الضحايا، أزمات اللاجئين، تآكل الثقة في المؤسسات الدولية، وتوسع مفهوم القوة الوقائية. والأهم أن العلاقة بين الغرب والشرق الأوسط تغيرت بصورة عميقة.
 
لم تعد الولايات المتحدة تنظر إلى المنطقة فقط باعتبارها مسرحاً للتنافس الجيوسياسي أو الطاقة. أصبحت تنظر إليها أيضاً من خلال عدسة الإرهاب، والقواعد العسكرية، والشبكات المسلحة، وأمن الحدود، ومكافحة التطرف.
 
وهذا غيّر المنطقة بدورها؛ فالدول العربية لم تكن مجرد متلقٍ للسياسة الأميركية. بعضها تعاون مع واشنطن في مكافحة الإرهاب، وبعضها أعاد بناء مؤسساته الأمنية، وبعضها استخدم الخوف من الإرهاب لتشديد قبضته الداخلية، وبعضها حاول الموازنة بين التعاون الأمني مع الغرب والحفاظ على شرعيته المحلية.
 
وهنا تظهر واحدة من أكثر نتائج 11 سبتمبر حساسية: الإرهاب أصبح مشكلة أمنية، لكنه أصبح أيضاً لغة سياسية.
 
كل طرف بدأ يعرّف “الإرهابي” بطريقة تخدم أحياناً مصالحه. وهذا جعل مكافحة الإرهاب أكثر صعوبة، لا أقل.
 
فحين تصبح الكلمة مطاطة، يمكن أن تفقد قيمتها القانونية والأخلاقية. وحين تتحول مكافحة الإرهاب إلى مظلة سياسية شاملة، يصبح من السهل الخلط بين العنف المسلح، والمعارضة السياسية، والاحتجاج، والتطرف الفكري.
 
الإرهاب ليس دولة يمكن احتلالها ولا جيشاً يمكن إجباره على الاستسلام ولا عاصمة يمكن إسقاطها وإعلان انتهاء الحرب. إنه تكتيك وأحياناً أيديولوجيا وقدرة على التكيف
 
وهنا يجب أن تكون الديمقراطيات أكثر حذراً من غيرها، لأن المعركة ضد الإرهاب لا ينبغي أن تتحول إلى معركة ضد المجتمع المفتوح الذي تقول إنها تحميه.
 
بعد خمسة وعشرين عاماً، ربما يكون هذا هو السؤال الذي يستحق أن يبقى من 11 سبتمبر. ليس: هل كانت أميركا قوية بما يكفي؟ بل: هل كانت تعرف متى تتوقف عن استخدام قوتها؟
 
فالقوة العسكرية تستطيع أن تمنع بعض الهجمات. والاستخبارات تستطيع أن تكشف بعض الشبكات. والقوانين تستطيع أن تضبط التمويل. والتكنولوجيا تستطيع أن تجعل المراقبة أكثر دقة. لكن لا شيء من ذلك يحل وحده الأسباب السياسية والاجتماعية التي تجعل جماعة ما قادرة على جذب مقاتلين أو متعاطفين.
 
وهنا فشلت الحرب على الإرهاب في فهم شيء بسيط: الأمن ليس فقط قتل العدو، بل منع العدو من إعادة إنتاج نفسه. وهذا يتطلب سياسة واقتصاداً وتعليماً ومؤسسات وثقة، وهي أشياء لا يمكن لطائرة مسيّرة أن تقصفها إلى الوجود.
 
لذلك، بعد ربع قرن، تبدو حصيلة 11 سبتمبر أكثر غرابة من أي رواية انتصار أو هزيمة. لقد هُزمت القاعدة كقوة مركزية، لكن الإرهاب لم يختفِ. سقط نظام طالبان، ثم عادت طالبان. سقط صدام حسين، لكن العراق لم يصبح نموذجاً للاستقرار الإقليمي. توسعت أجهزة الأمن، لكن النقاش حول الحرية لم ينتهِ.
 
أصبحت الولايات المتحدة أكثر قدرة على ضرب خصومها، لكنها أصبحت أكثر حذراً في استخدام القوة. وأصبح العالم أكثر خبرة في مكافحة الإرهاب، لكنه لم يصبح بالضرورة أكثر أمناً من كل التهديدات الجديدة.
 
بل إن طبيعة الخطر نفسها تغيرت. فالدول تواجه اليوم مزيجاً من الإرهاب والهجمات السيبرانية والحروب بالوكالة والطائرات المسيّرة والتضليل الرقمي والتنافس بين القوى الكبرى. لم يعد بالإمكان اختزال الأمن العالمي في رجل مختبئ في كهف أو تنظيم يرفع راية سوداء.
 
وهكذا انتهى العالم الذي بدأ في 11 سبتمبر إلى مفارقة أخيرة: كان الهدف من الحرب على الإرهاب أن تجعل العالم أكثر أمناً كي تعود الحياة إلى طبيعتها. لكنها ساعدت، في بعض جوانبها، على جعل حالة الطوارئ نفسها جزءاً من “الطبيعي”.
 
وهذا هو الإرث الذي ينبغي أن نناقشه في الذكرى الخامسة والعشرين. ليس لأن الهجمات لا تزال تستحق التذكر؛ بل لأنها تستحق أن تُفهم. فالضحايا لم يختاروا الحرب التي جاءت بعدهم، ولم يختاروا العراق أو أفغانستان أو قوانين المراقبة أو الطائرات المسيّرة أو إعادة تعريف الأمن العالمي. لكن العالم اختار كل ذلك باسم الرد عليهم.
 
ولهذا فإن السؤال بعد 25 عاماً ليس ما إذا كان 11 سبتمبر قد غيّر العالم. لقد فعل.
 
السؤال هو: هل كان العالم سيصبح أكثر أمناً لو كان الرد على 11 سبتمبر أكثر تواضعاً؟
 
ربما لن نعرف الإجابة أبداً. لكننا نعرف شيئاً واحداً: في السياسة الدولية، لا تكون أخطر اللحظات دائماً تلك التي تسقط فيها الأبراج.
 
أحياناً تكون اللحظة الأخطر هي اللحظة التي تقرر فيها الدول، تحت تأثير الصدمة والخوف، أي نوع من العالم تريد أن تبنيه فوق أنقاضها.