"الأرض فيها وجهُ مذبحةٍ": إسرائيل تريد إسقاط المحافظة الأولى
منير الربيع
الثلاثاء 8 أيلول 2026
لا يجد المرء سلاسة في التعبير. لا تسعفه المصطلحات لتستلحق الأفكار والمواجع. قد يجد نفسه أمام استعادة ما قرأ وسمع وعرف عن الجنوب، عن صور أو جبل عامل، وعن لبنان بكليته، هذا اللبنان الذي يخسر الكثير من نفسه اليوم. قد يسترجع محطات، يبحث فيها وعنها. يعود إلى مراحل يربط تحليلات، يحاول قراءة مشهد ما بين اجتياح 1978، واجتياح 1982، 4 سنوات، تعرض فيها الجنوب للتدمير والتمهيد للاجتياح الكبير. يبدو السيناريو مشابهاً اليوم، منذ العام 2024 يتعرض الجنوب للتدمير على مدى سنتين، تعنف المواجهات حيناً، وتخفت أحياناً، لكن المسار مستمر. وللمناسبة، هذه ليست حسابات انتخابية خاصة ببنيامين نتنياهو، على الرغم من ارتكاس الكثير من السرديات هناك. هذا أخطر بكثير من مجرد انتخابات. وهذه حرب تتجاوز في وحشيتها، وأهدافها، ومعانيها، كل ما يحاول البعض ربطه باستحقاقات إقليمية أو دولية، أو أنه سيتوقف بمجرد حصول اتفاق إيراني أميركي، أو بمذكرة اسلام أباد أو غيرها. إلى أن يحين الموعد أصلاً، سيكون الجنوب قد أضحى ركاماً، والتداعيات ستستمر لسنوات، وتطال مناطق ومدناً أخرى.
"إسمو جبل عامل"
قد لا يجد المرء أمامه سوى البكاء على الأطلال. يستعيد قصائد شعراء الجنوب، وفلسطين. يستذكر "اشهد يا عالم علينا وع بيروت". الآن ليشهد العالم على النبطية، التي قد لا تجد من يصبّح عليها ولا على الخيام التي أصبحت نسياً منسياً. نقف أمام العجز، ونستعيد عصام العبد الله، ونردده: كَان فِي جَبَلْ إسْمو جَبَلْ عامِلْ.. راجِعْ عَ بَيْتُو من الشّغِلِ تَعْبانْ.. وْكانِ الْوَقِتْ قَبْلِ الْعَصِرْ بِشْوَي.. بَكّيّرْ تَيْصَلّي.. تْمَدَّدْ عَ كِرْسِي إسْمها لِخْيامْ.. كِتْفُو الشّمالْ ارْتاحْ عَ الْجَولانْ.. كِتْفُو الْيَمِين ارْتاحْ عَا نِيسْانْ.. كَفّو الشْمَال بْيِفْتَحو… بْيِلْمَعْ.. نْحَاسِ الْقَمِحْ غَطّى سَهِلْ حَورانْ.. إسْمُو جَبَلْ عامِلْ!.. صُدْرو خِزانِه بِـ قَلْبْها جْهازِ الْعَرُوسْ.. فِيها عِنَبْ.. فِي تينْ.. فِي زَيتْ عَمْ يِرْشَحْ من عْرُوقِ السّْنينْ.. جْهازِ الْعِرِسِ.. لَلْبِنْتْ يَلّلي إسمْها زينبْ.. وْسَامِعْ حَدا بِيقُولْ إنّا فَلَسْطِينْ.. بِيْقِلْها عالشّامْ.. بْجِبْلِكْ حَلَقْ.. حلوِ الْحَلَقْ يِحْفَظْ حَكِي.. وْمَرّاتْ بِيألّفْ كَلامْ.. بْجِبْلِكْ حَلَقْ.. تا تِسْمَعِي صَوْتِي.. وْإسْمَعْ أنا صَوْتِي بَعدْ مَا نَامْ.. بِيْقِلْها عالشّامْ".
"أمطار من الشهبِ"
يضيع الكلام. لا صوت يعلو فوق صوت المدافع أو المسيرات، تدك جبل عامل. ينوء تحت القصف والغارات. تهيم أرضه بأبنائها. ونعود إلى عصام العبد الله مرددين: "كان في جبل إسمو جبل عامل.. عم يشتغل عز الضهر.. بين العمر والمرحلة.. بين الصخر والمرجلة.. عم يشتغل عز الضهر.. عطش الجبل.. بيمد إيدو ع البحر.. هَي صور:.. كف الجبل.. لمّا الجبل عطشان أو مقهور." لكأن صرخة العبد الله تأتي من بحر الصور الشاهد على الدمار والمترقب.. فيلاقيه صوت حبيب صادق مناجياً نبطيته الشاهدة على حرب وليدة، فيقول:" شُدّي عليكِ الجرحَ وانتصبي.. عبر الدجى رمحاً من اللهبِ.. يا ساحة الأنواء كَمْ عصفَت.. فيها خيول الهول والرعبِ.. فالأرض فيها وجه مذبحةٍ.. والجوّ أمطار من الشهبِ.. لم يبقَ غصنٌ غير منتهب.. ِلم يبقَ وجهٌ غير مستلبِ".
صور ليست بعيدة
لم يعد الجولان هو السليب فقط، ولا الذاكرة والثقافة والتراث. كل ما جمعه العبدالله في قصيدته "جبل عامل" مشروع استلاب، من الخيام إلى الجولان، ومن بحر صور إلى حوران، وما بينهم النبطية حاضرة جبل عامل، وقلعة الشقيف اللي بتشهد يا بيروت. عسى أن يبقى ما تشهد عليه بيروت. فهي التي اختبرت الاحتلال أيام الاجتياح، وعُرّفت ذات يوم بأنها أول عاصمة عربية تتعرض للاحتلال، تراقب ما يجري في النبطية، بصمت، وجل ورعب. فإسرائيل فتحت معركة النبطية، وبعد أسابيع طويلة من الاعتداءات في الشقيف، زوطر، أرنون، كفرتبنيت، النبطية الفوقا، ميفدون، شوكين، تركز إسرائيل عملياتها على النبطية وتعمل على تهجير أهلها بالكامل، ضمن سياسة الأرض المحروقة، والتدمير الكامل وبعدها التوغل والاحتلال وتثبيت النقاط. صور ليست بعيدة عن هذا المشروع، كل النشاط العسكري الإسرائيلي في المنصوري، مجدل زون، بيوت السياد، الحنية، وغيرها هدفه كشف الطريق الذي يؤدي إلى المدينة، وفي أي تطور لاحق قد تتقدم باتجاهها جحافل الاحتلال.
معركة نحو الريحان؟
إنها حرب مستمرة، وإن لم تعلن إسرائيل عن ذلك وعلى الرغم من إعلانها أنها تلتزم بوقف إطلاق النار وتتهم حزب الله بخرقه. إنها حرب مكتملة الأركان، تستعيد فيها إسرائيل سياسة الإنذارات والاستهدافات للسيارات بالطائرات المسيرة والتهجير والتوغل، كأنها تجمع بين أشكال مختلفة من الحرب. ما يتضح أكثر أن التصعيد مرجح للاستمرار، وعملية القضم مستمرة، من الواضح أن الهدف هو إسقاط النبطية، لما ترمز إليه من أهمية تاريخية، ثقافية، شعبية بالنسبة إلى جبل عامل، وبوصفها أول مركز محافظة ستسيطر عليه في هذه الحرب. لا يتوقف التصعيد الإسرائيلي عند حدود النبطية، بل يتركز في شمالها أيضاً خصوصاً باتجاه عرب صاليم وبلدات أخرى في إقليم التفاح أو جبل الريحان وسط تساؤلات كثيرة تطرح إذا كانت تمهد إسرائيل لفتح المعركة باتجاه هذه المنطقة.
ضغوط على الجيش
كل المناشدات، أو المحاولات تبدو أعجز من وقف النار. الضغوط ليست كافية أو ربما ليست جدية. يدعي الإسرائيليون أنَّ في النبطية مقاتلين من حزب الله ومن الحرس الثوري الإيراني ومن جنسيات أخرى، تماماً كما ادعوا قبل الدخول إلى علي الطاهر، وبعدها أعلنوا أنهم لم يجدوا أثراً للإيرانيين. اليوم يدعون أنهم يريدون إخراج حزب الله والمقاتلين الآخرين من النبطية. وفيما مسار المفاوضات لا يزال متعثراً، يلقي الأميركيون والإسرائيليون المزيد من المسؤوليات والاتهامات والضغوط على الجيش، من خلال تسليمه لائحة شروط جديدة، حول تفكيك سلاح حزب الله وإفراغ مخازنه ومواقعه والسيطرة عليها، وتفتيش المنازل والممتلكات الخاصة، وفي حال رفض الجيش تفتيش مكان معين فهي ستتولى عملية التدمير أو السيطرة.
المصدر: المدن