كُتّاب الموقع
بحر قزوين: شريان موسكو وطهران لكسر الحصار العقابي الجديد

هاني عضاضة

الإثنين 7 أيلول 2026

يعود بحر قزوين إلى الواجهة كنقطة توتر جيوسياسي، وهو من أكثر المناطق المتنازع عليها على المستويين القانوني والسياسي والغنية بالموارد والثروات الطبيعية. ويمثّل هذا البحر، ومساحته 371 ألف كيلومتر مربع، نقطة التقاء حيوية بين قارتي آسيا وأوروبا، وتشاطئه خمس دول من بينها روسيا وإيران. ولا تنحصر أهميته الجيوسياسية في كونه خزاناً ضخماً للثروات النفطية والغازية والسمكية، أو ممراً ملاحياً حيوياً يربط روسيا عبر نهر الفولغا بالأسواق الإقليمية والدولية المتشابكة مع البحر الأسود وبحر البلطيق فحسب، بل تمتد إلى الأمن الاستراتيجي، خصوصاً بالنسبة لموسكو وطهران اللتين تعتبرانه منطقة نفوذ أمني واقتصادي مغلقة. وقد تزايدت الأهمية الاستراتيجية لهذا البحر بالنسبة لهما بعد تشدّد العقوبات الغربية على كل منهما، وهو ما تعمّق مجدداً في أعقاب حزمة العقوبات الأميركية الأخيرة التي استهدفت خطوط الإمداد والشركات المشغلة للموانئ، مما جعل من هذا البحر الملاذ الأخير والوحيد تقريباً للإفلات من الرقابة اللوجستية الدولية.
 
مستجدات إيرانية وقمة مرتقبة
 
وقد تكشفت ثلاثة تطورات رئيسية مؤخراً بالنسبة لإيران فيما يتعلق ببحر قزوين: احتمال تحوله إلى بؤرة توتر أمني جديدة في أعقاب هجوم أوكراني بالطائرات المسيّرة على سفينة إيرانية أسفر عن مقتل بحّار إيراني وإصابة آخرين، وتحرك سياسي داخلي عبر مشروع قانون قدمته إدارة الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان إلى البرلمان للتصديق على معاهدة الوضع القانوني لبحر قزوين (اتفاقية أكتاو) التي وُقِّعَت في 12 آب 2018 بين الدول الخمس المطلّة على البحر (إيران وروسيا وأذربيجان وتركمانستان وكازاخستان) لتنظيم الملاحة والصيد ولحظر وجود أي قوات عسكرية أجنبية فيه، ومخاوف بيئية من انخفاض منسوب المياه، حيث أفادت رئيسة دائرة البيئة الإيرانية شينا أنصاري في كلمة ألقتها بمناسبة اليوم الوطني لبحر قزوين الموافق 12 آب 2026 بأن مستوى مياه البحر قد انخفض بنحو 2 إلى 2.5 متر خلال العقد الماضي، وهذا ما أكَّده، بعد يومين، رئيس دائرة حماية البيئة في محافظة مازندران، محمد رضا كنعاني، إذ قال إن بحر قزوين يسجّل اليوم أدنى مستوى له منذ قرنين، مع ما يصاحبه من تهديدات بيئية أخرى تتعلّق بتزايد التلوث، وتقلص مخزون الأسماك، وتدمير المناطق الشاطئية.
 
وتستعد طهران لاستضافة قمة دول بحر قزوين الخمس في 23 أيلول الجاري، وفقاً لنائب وزير الخارجية الإيراني، كاظم غريب آبادي، الذي شدَّد على محورية بحر قزوين في حماية الأمن الإقليمي، في سياق تنديده بالهجوم الأوكراني ومطالبته الدول الخمس المطلة على البحر باتخاذ موقف ضد التحركات الإسرائيلية والأوكرانية في المنطقة. وتكتسب قمة طهران المرتقبة زخماً استثنائياً، إذ لن تقتصر النقاشات على الرد على الهجمات الأوكرانية والتحركات الإسرائيلية فحسب، بل ستشكل منصة لبحث آليات الالتفاف المشترك على العقوبات الأميركية الجديدة.
 
إمدادات الطاقة
 
تأتي هذه القمة بعد سنة و5 أشهر من استئناف إيران لعمليات التنقيب في قطاع المياه الضحلة في المكمن النفطي "رودسار"، بعد انقطاع طويل منذ عام 1997. وبعد أن وصلت حمولات النفط التابعة لشركة خط أنابيب بحر قزوين (CPC) إلى مستوى قياسي بلغ 1.83 مليون برميل يومياً في أيار 2026، بسبب زيادة الإنتاج في حقل تنغيز النفطي في كازاخستان، قبل أن تنخفض هذه الحمولات بسبب توقف عمليات التحميل بشكل متكرّر في شهري تموز الماضي وآب الجاري جراء الهجمات الأوكرانية على ميناء نوفوروسيسك الروسي في البحر الأسود، حيث يُصدَّر النفط الخام الكازاخستاني من حقل تنغيز عبر الناقلات عبر خط أنابيب CPC. وينقل هذا الخط نحو 2% من إجمالي الإمدادات النفطية العالمية و3% من إمدادات الغاز الطبيعي العالمية، فيما يمثل نحو 80% من صادرات النفط الكازاخستانية. وقد أشارت وكالة الطاقة الدولية إلى انخفاض مخزونات النفط العالمية المرصودة بمقدار 69 مليون برميل في تموز، وعزت الوكالة معظم هذا الانخفاض إلى تراجع كميات النفط في المياه عقب تجدد اضطرابات التصدير في الخليج العربي وبحر قزوين. فيما أفادت وكالة "رويترز" نقلاً عن مصادر مطلعة بأنّ هجمات البحر الأسود أدت إلى تعطيل خُمس شحنات النفط التابعة لـ CPC.
 
وتأتي القمة أيضاً بعد توقيع اتفاقية شراكة استراتيجية لمدة 20 عاماً بين روسيا وإيران، في كانون الثاني 2025، ليتحول بحر قزوين إلى خط إمداد عسكري ولوجستي آمن بين البلدين، بما يساعد على تجاوز العقوبات الغربية. ويشمل ذلك الاعتماد على العملات الوطنية في عمليات التبادل التجاري، وبناء بنية تحتية مالية مستقلة عن النظام الغربي، وربط المناطق الاقتصادية الحرة بين الجانبين وتأسيس مشاريع صناعية مشتركة. وتأتي العقوبات الأميركية الأخيرة لتختبر كفاءة هذه البنية التحتية المالية، حيث تسعى واشنطن عبر تدابيرها الجديدة إلى تجفيف منابع تمويل السفن والشركات التي تُبحر في قزوين.
 
وتدخل الصين والاتحاد الأوروبي على خط بحر قزوين أيضاً، ليتحول إلى ساحة للمنافسة التجارية الدولية. ففي مقابل المحور الروسي الإيراني، يبرز مشروع "عبر بحر قزوين" (Trans-Caspian) كمسار بديل تدعمه بكين وبروكسل لنقل البضائع نحو أوروبا بعيداً عن الأراضي الروسية، وسط استثمارات صينية كازاخستانية تتجاوز 100 مليون دولار. غير أن جميع هذه المشاريع مهدَّدة على المدى البعيد بسبب الانحسار المائي، الذي يتسبب بدوره في رفع تكاليف الشحن والتأمين.
 
ثروات هائلة وتفاوت في التوزيع
 
وإلى جانب قيمته الجيوسياسية، يمثّل بحر قزوين ثقلاً اقتصادياً هائلاً، إذ تصنفه التقديرات الدولية كأحد أكبر حقول النفط والغاز غير المستغلة بالكامل في العالم، باحتياطيات مؤكدة ومحتملة تُقدر بنحو 48 مليار برميل من النفط و292 تريليون قدم مكعب من الغاز الطبيعي، وفقاً لإدارة معلومات الطاقة الأميركية، تتصدرها حقول عملاقة مثل تنغيز وكاشاغان في كازاخستان، وحقل شاه دنيز في أذربيجان الذي يشكل العصب المغذي لخطوط أنابيب الغاز نحو أوروبا. بالإضافة إلى الثروة البيولوجية الفريدة، حيث يضم البحر أضخم مخزون عالمي من أسماك الحفش التي تنتج الكافيار الأسود، والذي يمثل قطاعاً تصديرياً عالي القيمة التاريخية والتجارية، لا سيما لإيران وروسيا.
 
المفارقة هنا في الاختلال الحاد في توزيع الثروات بين الدول الخمس، حيث تحوز كازاخستان الحصة الأكبر بأكثر من 30 مليار برميل نفط و85 تريليون قدم مكعب من الغاز، تليها تركمانستان التي تقبع فوق رابع أكبر احتياطي غاز عالمي بنحو 400 تريليون قدم مكعب، ثم أذربيجان بنحو 7 مليارات برميل نفط و60 تريليون قدم مكعب. وفي حين تبدو ثروات روسيا المباشرة متواضعة في حوض قزوين، كحقل فيلانوفسكي التابع لشركة لوك أويل الروسية، باحتياطياته البالغة 129 مليون طن نفط فقط، إلا أن موسكو تعوض هذا النقص عبر فرض "فيتو ملاحي وجيوسياسي" لتعطيل قدرة جاراتها على إيصال إنتاجها من الطاقة إلى مستوياته القصوى. هذا التعطيل الاقتصادي الممنهج يظهر بوضوح في ممارسات موسكو وطهران. فبينما توظف روسيا سيطرتها التاريخية على شبكات الأنابيب والموانئ لرهن الصادرات الكازاخستانية والتركمانية بشروطها، استغلت إيران لسنوات الفراغ القانوني لعرقلة مد خط Trans-Caspian الذي كان سيوصل الغاز التركماني والأذربيجاني مباشرة إلى أوروبا.
 
نفوذ أمني وتجاوز للحصار
 
بالنسبة لموسكو، لا تكمن القيمة الاستراتيجية الأساسية لبحر قزوين في احتياطياته من النفط والغاز تحت سطحه، بل في السيطرة الأمنية عليه، وبالتالي، في السيطرة غير المباشرة على صادرات الطاقة التابعة للدول الأخرى. وجاءت مناورات "كاساريكس 2025" المشتركة بين البحريتين الروسية والإيرانية في 21 تموز 2025 في بحر قزوين في سياق تعزيز هذه السيطرة الأمنية، وتبعها توقيع اتفاقية تعاون أمني بين إيران وروسيا وكازاخستان وأذربيجان في تشرين الأول من العام نفسه بإلحاحٍ روسي.
 
أما بالنسبة لطهران، فيُعد وضعها في بحر قزوين أكثر خطورة. وقد أشار وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي في 18 تشرين الثاني 2025 إلى أن "الأهمية الاستراتيجية لبحر قزوين بالنسبة لإيران تُعادل أهمية الخليج الفارسي (العربي)"، في حين ينصبّ التركيز العالمي جنوباً نحو مضيق هرمز، بسبب الآثار المباشرة لاضطراب حركة الملاحة فيه على الاقتصاد العالمي وإمدادات الطاقة العالمية. ولعلّ بحر قزوين هو أحد مرتكزات الصمود الأساسية لإيران في مواجهة الحصار البحري الأميركي على موانئ سواحلها الجنوبية، إذ سجلت حركة الشحن وعمليات التحميل والتفريغ في ميناء بندر كاسبين نمواً قياسياً مباشرة بعد الحصار البحري الأميركي جنوباً، لتبلغ نسبة النمو الإجمالي السنوي 58%، ويصل حجم المناولة إلى 1.2 مليون طن، وفقاً لمصطفى تاتي مقدم، الرئيس التنفيذي لمنطقة أنزلي الحرة. فيما تشير تقارير الأداء السنوي لهيئة الموانئ والملاحة الإيرانية الخاصة بموانئ الإقليم الشمالي التقليدية (أنزلي، نوشهر، أمير آباد) إلى تسجيل ميناء بندر أنزلي المجاور لميناء بندر كاسبين نمواً بنسبة 42%، وميناء نوشهر بمحافظة مازندان نمواً بنسبة 28%، وميناء أمير آباد بنسبة 22%.
 
ومع فرض الحزمة الأخيرة من العقوبات الأميركية، يتحول الشمال الإيراني، وبحر قزوين بالتحديد، من مجرد "ممر بديل" إلى الرئة الأساسية التي تتنفس طهران من خلالها. وهذا ما يثبته النمو القياسي في موانئ بندر كاسبين وأنزلي ونوشهر.
 
 
المصدر: المدن