كُتّاب الموقع
عندما يتحول الإرهاب الإلكتروني إلى سلاح

علي قاسم

الخميس 3 أيلول 2026

الحروب الحديثة لم تعد تبدأ بصاروخ أو دبابة، بل بكود خفي يخترق أنظمة المياه والطاقة. الهجمات السيبرانية لم تعد مجرد قرصنة، بل أداة ضغط جيوسياسي تمس شرايين الدولة ومفهوم السيادة ذاته، حيث تتحول البنية التحتية المدنية إلى ساحة صراع بين القوى الكبرى.
 
لم تعد الحرب الحديثة تبدأ بالضرورة بصاروخ يعبر الحدود أو بطائرة مقاتلة تخترق المجال الجوي. أحيانًا قد تبدأ من شاشة حاسوب، بكلمة مرور مقرصنة، أو بثغرة صغيرة في نظام تحكم صناعي لا يعرف المستخدم بوجوده، لكنه يحدد في النهاية ما إذا كان الماء سيصل إلى منزله، وما إذا كانت المضخات ستعمل، وما إذا كانت محطة المعالجة ستواصل أداء وظيفتها.
 
وهذا هو المعنى الأعمق للهجمات السيبرانية التي استهدفت خلال الأسابيع الأخيرة أنظمة مياه في عدد من الولايات الأميركية، والتي يشتبه مسؤولون وخبراء في ارتباط بعضها بجهات إيرانية. فقد تعرضت منشآت مياه في ولايات عدة لاختراقات أدت في بعض الحالات إلى تعطيل أنظمة التحكم والمراقبة وإجبار العاملين على الانتقال إلى التشغيل اليدوي. وفي مينيسوتا، أعلنت السلطات أن أكثر من 30 نظام مياه محليًا تعرض لهجوم منسق في أواخر يوليو، فيما امتدت التقارير لاحقًا إلى ولايات أخرى.
 
لا تكمن خطورة هذه الوقائع في حجم الضرر المادي الذي وقع بالفعل فقط، بل في الرسالة التي تحملها: إذا كانت المياه، وهي أبسط مقومات الحياة وأكثرها ارتباطًا بالأمن اليومي للمواطن، يمكن أن تصبح هدفًا في صراع بين دولتين، فإن مفهوم الجبهة الداخلية نفسه يتغير.
 
لقد اعتاد العالم النظر إلى الأمن القومي من خلال الجيش والحدود والمطارات والموانئ ومنشآت الطاقة. لكن المجتمع الرقمي أعاد تعريف الخريطة. فالمحطة التي تضخ المياه قد تكون بعيدة آلاف الكيلومترات عن أي جبهة عسكرية، لكنها متصلة بشبكة يمكن الوصول إليها من خارج الحدود. والمضخة التي تبدو آلة ميكانيكية بسيطة قد تكون مرتبطة بوحدة تحكم قابلة للوصول عبر الإنترنت.
 
وهنا تصبح المسافة الجغرافية أقل أهمية من المسافة الرقمية.
 
المياه لم تعد مجرد مورد طبيعي؛ إنها بنية تحتية رقمية أيضًا.
 
وهذا التحول هو الذي يجعل الهجمات على شبكات المياه مختلفة عن عمليات القرصنة التقليدية. فالهاكر الذي يسرق بيانات شركة أو يطلب فدية مقابل فك تشفير ملفاتها يسبب خسارة اقتصادية، مهما كانت كبيرة. أما اختراق نظام تشغيل منشأة مياه فيعني الاقتراب من العالم المادي، حيث يمكن لقرار رقمي أن يتحول إلى ضغط ينخفض، أو مضخة تتوقف، أو نظام معالجة يضطر إلى الخروج من الخدمة.
 
وقد حذرت الوكالات الأميركية المختصة منذ سنوات من هذه الثغرة. فأنظمة المياه تعتمد بصورة متزايدة على تقنيات التحكم الصناعي والمراقبة عن بعد، بينما يؤدي تقارب شبكات تكنولوجيا المعلومات مع أنظمة التشغيل إلى خلق مسارات جديدة للهجوم. وتوصي وكالة الأمن السيبراني وأمن البنية التحتية الأميركية، من بين إجراءات أخرى، بتقليل تعرض الأنظمة الحساسة للإنترنت العام، وتقسيم الشبكات، وتعزيز حماية أنظمة التحكم.
 
لكن ما يحدث الآن يضيف بُعدًا جيوسياسيًا إلى المشكلة التقنية.
 
فالهجمات المنسوبة إلى جهات مرتبطة بإيران ليست ظاهرة ظهرت فجأة. فقد حذرت وكالات أميركية في وقت سابق من نشاط مجموعات مرتبطة بالحرس الثوري الإيراني استهدفت وحدات تحكم صناعية مستخدمة في قطاعات متعددة، بينها مرافق المياه والصرف الصحي. كما أشارت تحذيرات رسمية إلى استهداف معدات تحكم قابلة للبرمجة تستخدمها منشآت أميركية.
 
وهنا يمكن فهم لماذا أصبحت البنية التحتية المدنية جزءًا من الحسابات الإستراتيجية للدول.
 
الدولة التي لا تستطيع منافسة خصمها في كل ميادين القوة التقليدية قد تبحث عن نقاط ضعفه الأكثر حساسية. لا تحتاج إلى تدمير قاعدة عسكرية إذا كان بإمكانها إرباك منشأة مدنية بكلفة أقل. ولا تحتاج إلى إغراق مدينة إذا كان بإمكانها إثارة الشك لدى سكانها حول قدرتهم على الحصول على خدمة أساسية.
 
إنها استراتيجية الضغط من الأطراف: الاقتراب من المجتمع بدلًا من الاقتراب من الجيش.
 
الهجمات السيبرانية على شبكات المياه الأميركية تكشف أن الحرب الرقمية أصبحت تستهدف الحياة اليومية وأن الأمن الوطني يبدأ من حماية الأنظمة المدنية البسيطة
 
وهذا ما يجعل البنية التحتية المدنية مغرية للفاعلين السيبرانيين. المستشفى، وشبكة الكهرباء، ومحطة المياه، والمطار، وشبكة النقل، ليست أهدافًا عسكرية بالمعنى التقليدي، لكنها تشكل الأعصاب التي تجعل الدولة تعمل.
 
وعندما تُصاب هذه الأعصاب، لا يكون الضرر محصورًا في المنشأة.
 
قد يكون الهدف الحقيقي هو الثقة.
 
فالمواطن لا يحتاج إلى أن تنقطع المياه لأيام حتى يشعر بالخطر. يكفي أن يعلم أن جهة خارجية تمكنت من الدخول إلى النظام الذي يديرها. ويكفي أن يعرف أن مضخات المياه يمكن التحكم فيها عن بعد حتى يبدأ السؤال: ماذا يمكن أن يحدث في المرة المقبلة؟
 
هذه النقطة بالذات تجعل الحرب السيبرانية مختلفة عن الحرب التقليدية. الصاروخ يعلن نفسه لحظة سقوطه؛ أما الاختراق الإلكتروني فقد يبقى غير مرئي، وقد لا يعرف الضحية أنه تعرض له إلا بعد أن تبدأ آثاره في الظهور.
 
والأكثر خطورة أن البنية التحتية الحديثة أصبحت مترابطة بصورة لم يعرفها العالم من قبل. المياه تعتمد على الكهرباء، والكهرباء تعتمد على أنظمة رقمية، والاتصالات تعتمد على الطاقة، والمستشفيات تعتمد على المياه والكهرباء والاتصالات في آن واحد. لذلك فإن الهجوم على قطاع واحد قد ينتقل أثره إلى قطاعات أخرى.
 
إنها شبكة من الاعتماد المتبادل، لكنها في الوقت نفسه شبكة من نقاط الضعف.
 
ولهذا فإن القضية الأميركية ليست قضية أميركية فقط.
 
في الولايات المتحدة، توجد موارد مالية وتقنية ضخمة، لكن آلاف أنظمة المياه المحلية صغيرة، وبعضها يعمل بميزانيات محدودة وبتكنولوجيا قديمة. وقد أظهرت الهجمات الأخيرة أن القوة الاقتصادية للدولة لا تعني بالضرورة أن كل عقدة في بنيتها التحتية محمية بالمستوى نفسه. وقد دفع ذلك جمعيات قطاع المياه إلى المطالبة بقواعد سيبرانية إلزامية وأكثر توحيدًا، بدل ترك الحماية لمعايير متباينة بين الولايات والبلديات.
 
وفي الدول النامية، تبدو المشكلة أكثر تعقيدًا.
 
هناك شبكات مياه وكهرباء تعاني أصلًا من نقص الاستثمار والصيانة، وقد تضاف إليها أنظمة رقمية حديثة من دون بناء طبقات حماية موازية. وهكذا يمكن أن تنتقل الدولة من ضعف البنية التحتية التقليدية إلى ضعف مزدوج: بنية مادية هشة وبنية رقمية مكشوفة.
 
وفي بعض الدول التي تعاني الحروب والانقسامات، تصبح المسألة أخطر بكثير، لأن السيطرة على المياه والطاقة يمكن أن تتحول إلى أداة سياسية وعسكرية حتى من دون هجوم سيبراني. وإذا أضيفت التكنولوجيا إلى هذا الواقع، يصبح من الممكن تعطيل الموارد عن بعد، أو ابتزاز المؤسسات، أو مراقبة عملياتها، أو استغلال نقاط الضعف فيها.
 
لهذا لا ينبغي أن ينظر العالم إلى الأمن السيبراني باعتباره ملفًا يخص خبراء التكنولوجيا وحدهم. الأمن السيبراني أصبح جزءًا من الأمن الوطني بالمعنى الكامل للكلمة.
 
والتحدي الجديد هو أن المؤسسات التي تدير البنية التحتية ليست دائمًا مؤسسات أمنية. قد تكون بلدية صغيرة، أو شركة مياه محلية، أو محطة معالجة مستقلة. لكن الخطر الذي يتهددها يمكن أن تكون له نتائج وطنية.
 
وهنا تظهر واحدة من أكبر مفارقات العصر الرقمي: أمن الدولة قد يتوقف أحيانًا على أمن جهاز حاسوب في مؤسسة صغيرة. هذه الحقيقة تفرض تغييرًا في مفهوم السيادة.
 
في القرن العشرين، كانت السيادة تعني قدرة الدولة على السيطرة على أراضيها وحدودها ومجالها الجوي والبحري. أما في القرن الحادي والعشرين، فإن السيادة تعني أيضًا قدرتها على حماية الأنظمة الرقمية التي تدير أراضيها ومرافقها وسكانها.
 
فإذا استطاعت قوة خارجية الدخول إلى شبكة مياه داخل دولة من دون عبور حدودها، فإن مفهوم الحدود نفسه يصبح أقل وضوحًا.
 
لا يعني ذلك أن الجغرافيا انتهت، وإنما أن الحدود أصبحت ذات طبقتين: حدود مادية تحرسها الجيوش، وحدود رقمية تحرسها البرمجيات والخوادم وأنظمة التحكم.
 
وهنا تحديدًا تكمن خطورة ما يسمى أحيانًا “الحرب الهجينة”. فالدولة لا تحتاج إلى إعلان الحرب كي تضغط على خصمها. يمكنها استخدام أدوات اقتصادية وإعلامية وسيبرانية في الوقت نفسه، وربطها بعمليات عسكرية أو دبلوماسية أكبر.
 
إيران ليست الدولة الوحيدة التي تمتلك هذا النوع من القدرات. روسيا طورت على مدى سنوات قدرات سيبرانية استُخدمت ضد أهداف حكومية وبنية تحتية، فيما استخدمت كوريا الشمالية الهجمات الإلكترونية لأغراض سياسية واقتصادية. لكن الحالة الإيرانية تكتسب أهمية خاصة لأنها تأتي في سياق صراع متصاعد مع الولايات المتحدة وحلفائها، ما يجعل الهجمات السيبرانية إحدى أدوات الضغط غير المباشر.
 
ومع ذلك، ينبغي عدم الوقوع في المبالغة.
 
فالهجمات الأخيرة على شبكات المياه الأميركية، وفق المعلومات المتاحة، لم تتحول إلى كارثة واسعة النطاق في مياه الشرب، كما أن السلطات لم تعلن حتى الآن عن انهيار شامل للخدمات. وفي بعض الحالات أمكن احتواء الاختراق سريعًا والعودة إلى التشغيل اليدوي.
 
لكن القدرة على الوصول أهم من حجم الضرر الذي وقع بالفعل.
 
فالخصم الذي يختبر نظامًا اليوم قد لا يستخدم كل قدرته في اليوم نفسه. وقد يكون الهدف هو اكتشاف نقاط الضعف، وفهم طبيعة الشبكات، ومعرفة زمن استجابة المؤسسات، وتحديد الأنظمة التي يمكن اختراقها إذا تطورت المواجهة.
 
وهنا يصبح الاختراق نفسه رسالة.
 
إنه يقول للدولة المستهدفة: “نستطيع الوصول إليك”.
 
وفي عالم تتداخل فيه الحرب التقليدية مع الحرب الرقمية، قد تكون هذه الرسالة أهم من الضرر المباشر.
 
لذلك فإن الرد الصحيح لا ينبغي أن يكون مجرد زيادة عدد برامج مكافحة الفيروسات أو تغيير كلمات المرور، رغم أهمية هذه الإجراءات. المطلوب هو بناء مرونة وطنية تستطيع أن تجعل الهجوم أقل تأثيرًا حتى عندما يحدث.
 
وهذا يعني فصل الأنظمة الحساسة عن الإنترنت حين يكون ذلك ممكنًا، تحديث المعدات القديمة، تدريب الموظفين، بناء أنظمة احتياطية، تطوير القدرة على التشغيل اليدوي، إجراء اختبارات اختراق دورية، وتبادل المعلومات بين الحكومات والشركات والبلديات. كما يعني وضع معايير وطنية واضحة وملزمة، مع توفير التمويل للمؤسسات الصغيرة التي لا تستطيع تحمل تكاليف الأمن السيبراني وحدها.
 
لكن ثمة بعدًا دوليًا لا يقل أهمية.
 
إذا كانت الهجمات تأتي عبر الحدود، فإن الدفاع لا يمكن أن يكون وطنيًا فقط. تحتاج الدول إلى آليات أسرع لتبادل المعلومات، وتحديد الجهات المسؤولة، وفرض تكاليف سياسية واقتصادية على من يستخدم البنية التحتية المدنية ساحة للصراع.
 
وهنا يبرز سؤال أكثر صعوبة: هل يحتاج العالم إلى قواعد دولية جديدة تحظر استهداف البنية التحتية المدنية الحيوية في زمن السلم؟
 
فإذا كان المجتمع الدولي قد طور قواعد تحمي المدنيين والمنشآت المدنية في الحرب التقليدية، فإن الانتقال إلى الحرب الرقمية يفرض إعادة التفكير في كيفية تطبيق هذه المبادئ على شبكات المياه والمستشفيات والطاقة.
 
قد يبدو من الصعب الاتفاق على قواعد فعالة في ظل غياب الثقة بين القوى الكبرى، لكن البديل أخطر: أن يصبح استهداف البنية التحتية المدنية عرفًا غير مكتوب في الصراعات المقبلة.
 
وعندها قد لا تكون المياه سوى البداية.
 
فما يمكن فعله بمحطة مياه يمكن أن يُفعل بشبكة كهرباء، وما يمكن فعله بشبكة كهرباء يمكن أن يمتد إلى المواصلات والمطارات والمستشفيات والمصانع والموانئ. ومع تطور الذكاء الاصطناعي والأتمتة، ستزداد قدرة المهاجم على اكتشاف الثغرات وتحليل الشبكات واختيار نقاط الضغط الأكثر حساسية.
 
الإرهاب الإلكتروني لا يحتاج إلى تدمير المدن يكفي أن يزرع الشك في قدرة الدولة على حماية مواردها الحيوية ليحوّل الخوف إلى أداة سياسية فعالة
 
لهذا فإن السؤال الذي تطرحه الهجمات الأخيرة ليس: هل تستطيع إيران اختراق شبكة مياه أميركية؟
 
السؤال الأكبر هو: ماذا يحدث عندما تصبح كل البنية التحتية التي تقوم عليها الدولة الحديثة قابلة للهجوم من خلف شاشة؟
 
لقد تغيرت طبيعة القوة.
 
لم تعد الدولة الأقوى هي فقط التي تملك أكبر جيش أو أكثر الطائرات تطورًا. ستكون الأقوى أيضًا هي التي تستطيع أن تحافظ على عمل أنظمتها عندما يحاول خصمها تعطيلها، وأن تواصل ضخ المياه عندما تتعرض الشبكة للهجوم، وأن تبقي الكهرباء مستمرة عندما تتعرض محطات التحكم للاختراق، وأن تحافظ على ثقة مواطنيها عندما تصبح الحرب غير مرئية.
 
في النهاية، قد يكون أخطر ما في الإرهاب الإلكتروني أنه لا يحتاج إلى تدمير المدينة كي يربكها. يكفي أحيانًا أن يجعل سكانها يشكون في أن الأنظمة التي تبدو مضمونة كل يوم ليست مضمونة على الإطلاق.
 
وهنا تنتقل المعركة من الخوادم إلى المجتمع، ومن التكنولوجيا إلى السيادة.
 
فالسيادة في العصر الرقمي لا تعني فقط أن تملك الدولة أرضها، بل أن تملك القدرة على حماية الشبكات التي تجعل الحياة فوق تلك الأرض ممكنة. وإذا كانت حروب القرن العشرين قد دارت حول السيطرة على الأرض والموارد، فإن حروب القرن الحادي والعشرين قد تدور بصورة متزايدة حول السيطرة على الأنظمة التي تدير تلك الموارد.
 
ومن هنا تصبح صنابير المياه أكثر من صنابير. إنها نقطة اتصال بين التكنولوجيا والدولة والمواطن.
 
ومن يستطيع الوصول إليها عن بعد، يستطيع أن يذكّر الدولة بأن حدودها لم تعد تنتهي عند آخر نقطة تفتيش، بل تمتد إلى كل شبكة رقمية تدير حياتها اليومية.
 
المصدر: العرب اللندنية