كُتّاب الموقع
حرب الألغام تعرقل جهود الولايات المتحدة للسيطرة على مضيق هرمز

العرب اللندنية

الأربعاء 2 أيلول 2026

لطالما شكّلت سيطرة إيران على مضيق هرمز، الذي كان قبل الحرب بوابةً لخُمس نفط العالم، مصدرًا للضغط لطهران في الحرب والمفاوضات الرامية إلى إنهائها. وقد شنت الولايات المتحدة حملةً قويةً لزعزعة سيطرتها واستعادة حرية الملاحة.
 
ويكمن جوهر الصراع في اختلالٍ جوهري في حرب الألغام، إذ لا تحتاج إيران بالضرورة إلى إغراق السفن. يكفي إقناع مالكي السفن وقباطنتها وشركات التأمين بأن خطر الاصطدام بلغم أثناء عبور المضيق مرتفع للغاية بحيث لا يسمح بالقيام بهذه الرحلة.
 
أما بالنسبة للولايات المتحدة، التي تسعى لضمان عبور آمن، فالمهمة أصعب. إذ يتعين عليها تعطيل أو إزالة كل لغم.
 
استغلت إيران موقعها الجغرافي واستخدمت أسلحة متفرقة ومنخفضة الظهور في سعيها لزرع الألغام وإبقاء الملاحة البحرية عرضة للخطر. وتستخدم الولايات المتحدة الدوريات الجوية والبحرية والقوة النارية في محاولة لقمع التهديدات فور ظهورها.
 
قال أليسيو باتالانو، أستاذ الحرب والاستراتيجية في كينغز كوليدج لندن "طالما وُجد سجلٌّ لزرع الألغام في المضيق، وامتلاك الإيرانيين كميات كبيرة منها، فإنّ مالكي السفن سيعتبرون الأمر بالغ الخطورة".
 
وتُسلّط محاولة إيران المزعومة لإطلاق ألغام في المضيق بواسطة صواريخ الضوء على مدى تعقيد الجهود الأمريكية لتطهير الممر المائي الحيوي من المتفجرات والحفاظ على ممراتها الملاحية مفتوحة.
 
وجاءت الضربة الأميركية بعد أيام من تصريح الرئيس ترامب بأنّ الولايات المتحدة أزالت أو فجّرت جميع الألغام في الممر المائي، وحذّر من تدمير أي سفينة تزرع ألغامًا جديدة.
 
وأعاد ترامب فرض حصار بحري في منتصف يوليو، مانعًا النفط الإيراني وغيره من البضائع من دخول موانئه ومغادرتها. وفي الوقت نفسه، تُقلّص البحرية الأميركية تدريجيًا سيطرة إيران على المضيق من خلال مرافقة ناقلات النفط عبر الممر المائي بشكل مستمر.
 
أشار إليوت كوهين، الباحث في مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية، إلى أن محاولة إيران إعادة زرع الألغام في المضيق تعكس استياءها من أن الحصار الأميركي قد أخلّ بتوازن القوى فيه.
 
وتُضاعف طبيعة المضيق الجغرافية من تأثير هذه الأسلحة، إذ تتركز السفن التجارية في ممرات ضيقة تحدّ من قدرتها على تفادي الألغام، ما يجعلها هدفًا أسهل.
 
وتُوفر الألغام مزايا عديدة في الحروب البحرية الحديثة، فهي سهلة الصنع والنقل والنشر.
 
ومع ذلك، اعتمدت الجيوش على الألغام لقرون. فخلال الثورة الأميركية، أذن جورج واشنطن لمخترع بإرسال براميل متفجرة ضد السفن البريطانية في نهر ديلاوير، إلا أن الهجوم لم يُصب أهدافه. وفي خمسينيات القرن التاسع عشر، استخدمت روسيا الألغام البحرية بشكل منهجي دفاعيًا لأول مرة خلال حرب القرم، وهو ما ردّ عليه البريطانيون بنوع بدائي من كاسحات الألغام.
 
بحلول الحرب العالمية الثانية، تمكنت الطائرات الأميركية من زرع أكثر من 12 ألف لغم بحري حول اليابان، مما أدى إلى إغراق أو إلحاق أضرار جسيمة بنحو 670 سفينة، وفقًا لقيادة التاريخ والتراث البحري التابعة للبحرية الأمريكية.
 
ويُعدّ تنوّع التكتيكات التي تستخدمها إيران لزرع الألغام في المياه أحد التحديات التي تواجه الولايات المتحدة اليوم.
 
على الرغم من تدمير معظم الأسطول الإيراني النظامي، لا يزال الحرس الثوري يمتلك أعدادًا كبيرة من الزوارق الصغيرة السريعة المتمركزة على طول الساحل والقادرة على زرع الألغام.
 
كما استعرضت إيران أسلوبًا غير مألوف: إطلاق الألغام في البحر من الشاطئ. فخلال مناورة بحرية عام 2025، استعرض الحرس الثوري نظامًا يستخدم صاروخ فجر-5 لزرع لغم بحري عن بُعد.
 
ويمكن لهذا الأسلوب أن يسمح لإيران بزرع الألغام في المياه بسرعة دون تعريض سفينة زرع الألغام للقوات الأميركية.
ولم تُصرّح الولايات المتحدة بعدُ بما إذا كانت الأنظمة التي استُهدفت يوم الأحد من طراز فجر-5، ولا تزال تفاصيل حمولتها الإيرانية غير واضحة.
 
أعرب توماس شوغارت، المستشار البحري والضابط السابق في البحرية الأمريكية، عن دهشته لسماعه عن زرع ألغام بحرية من منصات إطلاق صواريخ. ومع ذلك، أشار إلى أن حجم الصواريخ يوحي بأن أي ألغام تُطلق بها ستكون على الأرجح صغيرة وبسيطة نسبيًا، على عكس الألغام الأكبر حجمًا التي اعتادت عليها القوات البحرية.
 
وأضاف أن الجيش الأميركي تعامل معها بجدية كافية لتبرير تدميرها.
 
إذا تمكنت إيران من زرع المزيد من الألغام، فستواجه القوات الأميركية مهمة شاقة تتمثل في تحديد مواقعها وإزالتها.
 
تقوم سفن بحرية متخصصة بمسح المياه بقطع الكابلات أو السلاسل التي تثبت الألغام في قاع البحر، مما يسمح لها بالطفو على السطح وتدميرها، إلا أن ذلك ينطوي على مخاطر في المياه المتنازع عليها في المضيق. بدلاً من ذلك، تقوم سفن أو طائرات مسيرة أو طائرات مجهزة خصيصاً بمحاكاة المجالات المغناطيسية أو الضغط أو الضوضاء الناتجة عن مرور سفينة لتفجير الألغام قبل أن تُلحق أي ضرر.
 
وأعلنت القيادة المركزية الأميركية الأسبوع الماضي أن القوات الأميركية أزالت الألغام الإيرانية من الممرات الملاحية المعترف بها دولياً باستخدام غواصي البحرية وقوات البحرية الخاصة (SEALs) والقوة الجوية الأميركية.
 
ستظل هذه الجهود موضع اختبار إذا ما تحولت معركة السيطرة على المضيق من إزالة حقل ألغام مؤقت إلى الحفاظ على نفس الممر المائي مفتوحاً باستمرار. ويقول بعض الخبراء إنه لا توجد عملية لإزالة الألغام تضمن إزالة جميع الألغام.
 
يقول سكوت سافيتز، كبير المهندسين في مؤسسة راند والمتخصص في العمليات والتقنيات البحرية "إن أهم ما في الأمر هو أن حرب الألغام لعبة مجهولة. لا يمكن الجزم بشكل قاطع بإزالة جميع الألغام، بل يمكن فقط القول إن المخاطر قد انخفضت إلى مستويات مقبولة".