سوريا- إسرائيل وتفاصيل بنود التفاوض: نكسة للتنسيق مع بيروت
منير الربيع
الإثنين 24 آب 2026
تجددت المفاوضات السورية الإسرائيلية، فيما المفاوضات اللبنانية الإسرائيلية لا تزال متعثرة. كانت إسرائيل قد اختارت التصعيد العسكري والميداني في لبنان كما في سوريا، مع استفزاز مباشر لتركيا. سارعت دمشق لتفادي التصعيد، فجرى الاتصال ومن ثم اللقاء بين الشيباني ورئيس الموساد، وهو يمثل تطوراً كبيراً، واستعجالاً أيضاً، خصوصاً لجهة لقاء وزير خارجية مع رئيس جهاز أمني. خطوة ستستفيد منها إسرائيل للضغط على لبنان أكثر في المفاوضات. وهي خطوة تأتي من خارج سياق ما طرحته دمشق على بيروت سابقاً حول ضرورة التنسيق وعدم الذهاب إلى اتفاق منفرد مع تل أبيب. هذا اللقاء سيمثل ضربة لمن كانوا يطالبون الدولة اللبنانية بأن تنسق مع سوريا في التفاوض مع إسرائيل، بينما تنجح تل أبيب بالاستفراد بمن تريد.
واشنطن تتدخل
خوفاً من انزلاق الوضع، مورست ضغوط أميركية على تل أبيب لدفعها إلى عدم الاستمرار بالتصعيد ضد أنقرة، بينما في لبنان لا تزال العمليات العسكرية متواصلة. تسارعت وتيرة الاتصالات الأميركية والآذرية مع إسرائيل للجمه، وإعادة فتح قنوات التواصل والتفاوض. دخلت الولايات المتحدة الأميركية بقوة لمنع انزلاق الأوضاع نحو المزيد من التدهور، فالرئيس الأميركي دونالد ترامب كان قد أكد في أكثر من مناسبة بعدم سماحه للوصول إلى صدام تركي إسرائيلي.
البحث عن جبهة
لجأت إسرائيل إلى ضرب مطار أبو الظهور العسكري، بعد ساعات من اتصال هاتفي جرى بين وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني، ورئيس الموساد رومان غوفمان. أثار الإسرائيليون اعتراضاتهم على النشاط التركي في سوريا، لكن الغريب في الأمر، أنَّ أنقرة لديها حضور في مناطق سورية أعمق بكثير من محافظة إدلب ولم يستهدفها الإسرائيليون من قبل، وهذا ما دفع بالمسؤولين السوريين وبجهات إقليمية كثيرة إلى الاستغراب من هذا التصرف والاعتداء، لكن الخلاصة كانت أنَّ تل أبيب تريد تسخين الوضع والبحث عن جبهة جديدة قبيل انتخابات وجودية يخوضها بنيامين نتنياهو. حاولت إسرائيل تسويق ضربتها بأنها نتيجة تجاوز الخط الأحمر من قبل تركيا، لكن عملياً كانت تل أبيب هي التي تخطت خطاً أحمر أيضاً بالنسبة إلى الأتراك والأميركيين، فواشنطن لا تريد حصول أي صدام بين تل أبيب وأنقرة ودخلت بفعالية على خط التهدئة، بالإضافة إلى تجديد مسار التفاوض بين تل أبيب ودمشق، وضمن هذا المسار حصل الاجتماع بين الشيباني ورئيس الموساد.
إيران والمجموعات
في الاجتماع جرى النقاش بمختلف الملفات والنقاط العالقة، خصوصاً أن الولايات المتحدة الأميركية تولي اهتماماً اسثنائياً للملف السوري، وهي التي تشرف على كل المفاوضات والاجتماعات، وتدفع باتجاه تشكيل لجنة أمنية ثلاثية بين دمشق، أنقرة، تل أبيب، مع تشكيل خط أمني ساخن لهذه اللجنة لمعالجة أي مشكلة. كانت هذه فكرة الأميركيين ذلكَ لتجنب أي صدام آخر، بمعنى أنه في حال كان هناك اعتراض إسرائيلي على أي تحرك عسكري سوري أو تركي، يتم إبلاغ اللجنة التي تشرف عليها الولايات المتحدة الأميركية، ويشارك فيها الأردن، لمعالجة أي تجاوز. كذلك ما تطالب به دمشق هو أن تتوقف إسرائيل عن القيام بأي تحركات عسكرية أو اعتداءات في سوريا أو توغلات. لكن إسرائيل تزعم أن تحركاتها في جنوب سوريا ترتبط بالحفاظ على ما تسميه أمن مستوطناتها، وأنها ترصد الكثير من التحركات هناك لمجموعات قد تشكل خطراً على إسرائيل، ومما يثيره الإسرائيليون هو المجموعات التي يعتبرونها كانت سابقاً تعمل مع حزب الله وإيران، وتحاول الضغط على دمشق بهذه النقطة.
النفوذ التركي
ما يقوله الإسرائيليون بوضوح أيضاً، هو أنهم لا يريدون تنامي النفوذ التركي في سوريا، ولا سيطرة تركية على الأجواء السورية. فما يريده نتنياهو بالتحديد هو ترك الأجواء السورية مفتوحة أمام الطيران الإسرائيلي للقيام بأي مهمة عسكرية في منطقة الشرق الأوسط خصوصاً ضد إيران من دون أن يتم رصد الطائرات الإسرائيلية من قبل الرادارات التركية، كما أن تل أبيب عملت على تدمير كل البنية العسكرية للجيش السوري مع سقوط نظام الأسد، لمنع وجود أي تهديد لسلاحها الجوي، لذلك فهي لا تريد لتركيا أن تنشر قواعد عسكرية تحتوي على أسلحة دفاع جوي.
صفر مشاكل
في المقابل، تعمل دمشق على انتهاج سياسة غير عدائية مع أي جهة، بما في ذلك إسرائيل، وهذا ما يؤكده الشيباني الذي يعتبر أنه لا بد من اعتماد سياسة صفر مشاكل. ولكن على الرغم من كل المبادرات أو التنازلات التي قدمتها سوريا، تواصل إسرائيل تصعيدها واعتداءاتها، إلا أن دمشق تعتبر أنها غير قادرة على الدخول في مواجهة، والشيباني يؤكد دائماً أن سوريا ستكون خارج أي صراعات إقليمية أو دولية، وهذه السياسة التي تعتمدها، وهي تبدو ظاهرة من خلال التحالف مع الولايات المتحدة الأميركية، والحفاظ على العلاقة الجيدة مع روسيا والصين، ومع الدول الأوروبية، وتحسين وتطوير العلاقات مع كل الدول العربية إلى جانب الحفاظ على العلاقة الإستراتيجية مع تركيا.
"اتفاق مكة"
من المعروف أن الضغط العسكري الإسرائيلي على سوريا، هدفه عدم جعل سوريا ضمن مسار المشروع التركي بالكامل، وهذا يعبر عنه الإسرائيليون بوضوح، إذ إنه عندما طلب الرئيس الأميركي دونالد ترامب من نتنياهو الانسحاب من جنوب سوريا، كان جواب رئيس الوزراء الإسرائيلي بأنه لا يمكن لإسرائيل أن تنسحب ما دام هناك وجود عسكري تركي على الأراضي السورية. وذلك لا يمكن أن ينفصل عن محاولات إسرائيل لمنع سوريا من الانضمام إلى "اتفاق مكة"، الذي يجمع تركيا، السعودية، وباكستان، مع الإشارة إلى أنَّ التصعيد الإسرائيلي جاء بعد زيارة الشيباني إلى إسلام أباد وعقد لقاءات مع المسؤولين هناك، حيث جرى البحث في إمكانية حصول تعاون عسكري وحصول سوريا على مساعدات باكستانية، إضافة إلى البحث بإمكانية انضمام دمشق إلى اتفاقية مكة. كما أنه لا يمكن إغفال المسعى الباكستاني للعب دور الوساطة بين إيران وسوريا، ومنع استمرار التوتر، ومنع حصول أي صدام بين الجانبين أو بين سوريا وحلفاء طهران. هنا ثمة طروحات عديدة تبحثها باكستان بين الجانبين، وهناك مطالب سورية واضحة عبر عن بعضها الشيباني في إسلام أباد، من بينها اعتذار إيران عما ارتكبته بحق الشعب السوري. كما أن هناك مطالب عديدة أخرى، بينها إلغاء الاتفاقيات التي أبرمت بين إيران ونظام الأسد، إلى جانب البحث بملفات أمنية أخرى.
بعد الانتخابات
عملياً، أعيد مسار التفاوض السوري الإسرائيلي برعاية أميركية، ويفترض أن تتجدد المفاوضات في المرحلة المقبلة، وقد ينتقل البحث إلى تشكيل لجان متخصّصة في مجالات متعددة، بعضها بالمجال السياسي والديبلوماسي، وبعضها الآخر بالمجال الأمني والعسكري، وربما لجان متخصّصة بالجانب الحدودي. ما تريده إسرائيل هو جعل سوريا غير مستقرة وساحة لتصفية حسابات إقليمية، كما أن الضغط العسكري الإسرائيلي يُراد له أن يستثمر سياسياً إما لإبعاد سوريا عن تركيا، أو لجعل سوريا على تماهٍ مع المشروع الإسرائيلي للمنطقة. في المقابل، فإن ما تطرحه دمشق هو عدم الصدام مع أي جهة إقليمية، وأن لا تكون ساحة للصراعات والتجاذبات. وهي لا تريد أن تكون مسرحاً لأي صراع بالوكالة. أما تركيا فترفض الانجرار إلى الفخ الإسرائيلي، وتعتبر أن نتنياهو سيلجأ إلى الكثير من الاستفزازات قبل الانتخابات، وأما بعد الانتخابات فالأمور ستتغير خصوصاً إذا خسرها نتنياهو. وعندها يمكن الحديث جدياً بالنسبة إليها عن ترتيب العلاقات، وهذا ما تتقاطع به أنقرة مع تصريح المبعوث الأميركي توم باراك الذي نصح الأتراك بضرورة الحفاظ على الهدوء إلى ما بعد الانتخابات الإسرائيلية.
المصدر: المدن