كُتّاب الموقع
سلافوي جيجك.. البطل الخوارزمي ونهاية العالم

علي حسن الفواز

الخميس 20 آب 2026

ما تثيره أفكار سلافوي جيجك من جدل وخلاف يكشف عن خطورة المأزق الثقافي الذي تعيشه الرأسمالية أولاً، وعن إشكالات ما تتبدى فيه من صراعات وتناقضات وأسئلة تمس جوهر الوجود الإنساني، على النحو الذي يجعل منها منطلقاً لتمثيل خطابه الثقافي الجامع والاستعراضي؛ بين ماركسيته القديمة وسخريته النقدية، وبين وظائفية جاك لاكان العيادية، حيث يتحول التحليل النفسي إلى تحليل للظواهر الثقافية والسياسية، ولمواجهة العصاب الثقافي في مركزيات السلطة والتاريخ والأيديولوجيا، وكل اليقينيات التي ارتبطت بالأنماط الحاكمة وتمثيلها لشراهة «الرأسمالية» في تداوليتها المفهومية لقيم التقدم والتنوير والإصلاح والديمقراطية وغيرها.
 
حديث جيجك عن نقد «المركزية» لا يعني الذهاب إلى وضع هذه الأطروحة في سياق تأطير عمومي للخطابين الثقافي والسياسي، وحتى الخطاب السينمائي الذي انشغل به كثيراً، وجعله من أبرز اهتماماته حضوراً في معاينة التمثيل الثقافي، والتعرف إلى ثقافات الصورة والأيديولوجيا، والمؤسسات الثقافية التي تقف وراء «مدن الإنتاج السينمائي»، التي تحولت إلى مدن أيديولوجية واستهلاكية لعبت أدواراً خطيرة في «الحرب الباردة» و«حرب الكواكب» و«حرب الجنس» و«حرب الأسواق»، فضلاً عما لعبته في صياغة الخطاب خلال الأزمات الكبرى والكوارث البيئية والصحية والمالية، التي راح ضحيتها الكثير من الموهومين بإغواءات قيم عالم الاستهلاك الرأسمالي وإشاعاته في الأسواق والبنوك ودور العرض وتجارة الجنس والإعلان وغيرها.
 
الأطروحات المشاغبة والساخرة
 
السردية الرأسمالية التي اشتغل عليها جيجك من أكثر السرديات إخفاءً لضحاياها ولنزعاتها المتوحشة في تمثيل قمع الأيديولوجيا والسجن والنظام الدولي، وحتى في استعادة تمثيل موازٍ لثنائية هيغل عن «السيد والعبد»، حيث شراهة العنف الرأسمالي عبر مؤسسات المال والبنوك، وعبر أجهزة المخابرات التي لعبت دوراً خطيراً في «الانقلابات العسكرية» وصناعة «الثقافات الساندة»، فضلاً عن علاقتها بتمثيل أشكال العنف والمراقبة والسلطة والسجن، وإغواءات النمط الاستهلاكي الذي تحول إلى جزء ضاغط من أطروحات «التلقي»، مثلما تحول إلى سردية كبرى تؤسس خطابها على إسقاطات علاقة الرأسمال بأوهام الحرية والديمقراطية، وصولاً إلى علاقتها بالليبرالية الجديدة.
 
إنها علاقات «غير بريئة»، محكومة ببنى سلطوية وبتحيزات سياسية وثقافية لها أدواتها الضاغطة والطاردة، وبتمركزات سلطوية اعتمدت ربط مفهوم التقدم بالقوة، والسلطة بالسوق، والصراع بالهيمنة.
 
يعكس تمثيل الخطاب في أطروحات جيجك مدى تمثله لصدمة الأفكار وانهيار الأيديولوجيات، حيث تبدو تلك الطروحات مشاغبة وساخرة، وقائمة على المساءلة والنقد والمراجعة. فبقدر وعيه بمفهوم الالتزام الماركسي، فإنه يجد أن الماركسية ذاتها بحاجة إلى «التحرر» من عقدة التضخم الأيديولوجي، ومن رهاب علاقتها بأوهام المركزية في سياقها العقائدي، وفي نظرتها إلى مفاهيم حرية «رأس المال» وإلى الخطاب في سياقه الإعلامي والثقافي، وفي علاقته بالتحليل النفسي اللاكاني.
 
وقد سبر أغوار المضمر من خلال تحليل اللغة والرغبة واللاوعي الجمعي، أو من خلال الاعتراف بأن مفهوم «التقدم» يعني مواجهة «المركزية» في النظام الغربي/ الرأسمالي من جانب، وكذلك مواجهة «الحتمية» التي قد تعني القياس والإخضاع من جانب آخر.
 
وبذلك، تتجه هذه المواجهات نحو إعادة النظر في مفهومَي «التنوير» و«التقدم»، إذ بات الإنسان المعاصر، وفي زمنه «الرأسمالي الجديد» والنظير لما بعد الحداثة، بلا مركزية حقيقية. وما يجري من تضخيم لأسواق ومنابر تكنولوجيا الكم والمعلومات والفيزياء الحديثة، ولاحقاً في خوارزميات وتطبيقات الذكاء الاصطناعي، يدخل في سياق وضع «الإنسان المعاصر» إزاء أسئلة ذاكرة مثقوبة، وإزاء غواية البحث عن صيانة مركزية، حيث الاحتماء بفرضية القوة الطاغية والليبرالية المستبدة، وحيث حل مشكلاته الرمزية والنفسية والإشباعية من السوق والإعلان والبنك والسلطة والأيديولوجيا.
 
العالم وأزمة التقدم
 
مفهوم التقدم ليس بعيداً عن «السردية الكبرى»، ولا عن المعنى العمومي الذي حاولت فرضه عبر توصيفات غير آمنة للحرية والديمقراطية، وحتى لإنتاج المعنى الذي جعل الإنسان المعاصر إزاء سلسلة من الاغترابات، أو خاضعاً لاستراتيجيات أفقدته الوعي بالهوية والإحساس بالذات، حتى تحول مفهومه عن «التقدم» إلى مفهوم ملتبس وغامض، مثلما هو مفهومه عن الديمقراطية والحقوق.
 
ذلك أن هذه «المفاهيم» تحولت إلى مفارقات وإلى تمثيل لصراعات بين قوى متعددة تنظر إلى التقدم من خلال قوة الرأسمالية وشيوع أنماط الاستهلاك، أو من خلال علاقتها بمظاهر الهيمنة التي تربط التقدم بالتكنولوجيا والمعلوماتية والذكاء الاصطناعي، رغم أنها تُخفي نسقاً أيديولوجياً عن تعقيدات الرأسمالية الجديدة، التي تصنع خطاباً ليس بعيداً عن «الحتمية التاريخية» التي روّجت لها الماركسية التقليدية.
 
وقد تحولت الحروب إلى تناقضات أيديولوجية، وإلى خلل كبير في تمثيل المركزية الأوروبية، كما يحدث الآن في أوكرانيا وروسيا، وحيث تحولت صراعات التجارة إلى تنافس جيوسياسي بين الصين والولايات المتحدة، سينعكس حتماً على تشكلات هوية النظام العالمي، وعلى إبراز تناقضاته العميقة.
 
إن ما يبرز من تضخم صراع الهيمنات يرسم صورة لـ«الفوضى» التي تحدث عنها سلافوي جيجك، وعلاقتها بتمثيل الانهيارات الكبرى على مستوى الأمن البيئي والصحي، وعلى مستوى إبراز مآزق الهويات المهاجرة، وعلاقة ذلك بتمثيل «المخيال الأوروبي» الذي فقد ذاكرته الحقوقية وتمثيله الفلسفي والعلمي.
 
وعلى نحو بدت فيه أوروبا «ما بعد حداثية» أكثر هوساً بإعادة تمثيل رعب المركزية، من خلال بروز نمط «الكولونيالية الأميركية/ الترامبية»، مقابل صعود اليمين العنصري وزيادة منسوب العنف الاجتماعي ضد المهاجرين، وهو ما يكشف عن تضخم التناقضات داخل مجتمع «المركزية الغربية» ونظرته إلى مفهوم «المجال العام» أو مفاهيم التنوع والديمقراطية.
 
وقد دفع ذلك جيجك إلى الاعتراف بأن النظام الدولي فاشل، وأن موقفه من «التقدم الحقيقي» يبدأ من خلال ذلك الاعتراف، حيث تتحول «المركزية» إلى مصدر للعنف وقتل الآخر، وتوظيف كل مصادر الهيمنة لتسويق فهم محدد للتقدم ولسردياته الكبرى.
 
وحتى حديث جيجك عن «نهاية العالم»، وعلاقتها بأطروحات إشكالية عن «نهاية التاريخ» و«الإنسان الأخير»، يأخذ بعداً لن يكون بعيداً عن أزمة النظام الدولي وعن الفوضى التي يعيشها، عبر تضخم نزعات العدمية، وارتفاع منسوب التلوث والتهديد النووي، وكذلك عبر ضياع الإنسان العارف أمام متاهة «الإنسان الخوارزمي» الذي بدأ يعيد صياغة مفهوم التقدم من خلال التطبيقات، وليس من خلال التأسيس والتنمية وتراكم الخبرات وتعميق ما هو فلسفي للقطائع المعرفية.
 
 
الإنسان العارف سيتحول إلى «إنسان خائف» وعاطل عن العمل بعد هيمنة الإنسان الخوارزمي وسلطة المختبر والحاسوب
 
لقد بات العالم إزاء «سردية جديدة» لا معنى لها، وربما لا تاريخ لها، وكأن مفهوم النهاية يرتبط بكوارث كبرى لا قدرة لـ«الإنسان العارف» على مواجهتها، ولا حرية تتيح له التصرف بعقلانية «كانطية» تبيح له النقد والمساءلة والمراجعة؛ لأن قوة «الإنسان الخوارزمي» ستدفع العالم إلى مزيد من الاستباحات، وإلى مزيد من العنف و«الإرهاب»، بما تتقوض معه أنماط من التفكير المركزي/ الأيديولوجي، وأنماط من العلاقات والقوانين القديمة، وأنموذج الإنسان الغربي العالق بذاكرة "التنوير والإصلاح والنهضة والليبرالية".
 
هذا التقوض هو أكثر علامات انهيار «المركزية الغربية». فالإنسان العارف سيتحول إلى «إنسان خائف» وعاطل عن العمل بعد هيمنة الإنسان الخوارزمي وسلطة المختبر والحاسوب. وحتى البحث عن الحلول «التضامنية»، وعن أيديولوجيا التطهير والتعالي، لن يكون فاعلاً في معالجة الأعطاب الكبرى، وحتى في إعادة تمثيل مفاهيم «البطل» والأسطورة والإنقاذ "المسيحي".
 
فمفهوم «المركزية» ذاته سيُصاب بعدوى العطالة أيضاً مع انهيار السياسات الكبرى والأسواق الكبرى، وبروز صراع الجغرافيا كما يصوره «ألكسندر دوغين»، بوصفه صراعاً لا أيديولوجياً، بل صراعاً يقوم على قوة «الطوبوغرافيا الفاعلة» التي تجعل من أطروحة «نهاية العالم» قرينة بنهاية «المركزية الغربية» ذاتها.
 
أنسنة عالم الرقميات
 
إن التحول المرعب في العالم والتهديد بنهايته سيفتحان أبواباً للحديث عن إشكالية تلك الصراعات، وعن مدى علاقتها بتمثيل «الصراع الطبقي» و«الصراع السياسي» و«الصراع التجاري»، وعن الطبقات التي سيسحقها الصراع المتخيل لـ«عالم الخوارزميات» الذي سيصنع واجهات جديدة للثراء والقوة والمراقبة، مقابل واجهات أكثر عدمية للفقر، ولأنموذج «الفقير» العاطل عن «الذكاء الاصطناعي» وعن "الوعي الرقمي".
 
وعلى نحو قد يعيد صورة أخرى لـ«البروليتاريا الرثة» وسط صراع لا يحفل بـ«أدوات الإنتاج» كثيراً، لأنها ستكون غير مرئية، أما فائض قيمتها فسيتحول إلى سلطة عالمية، لا علاقة لها بالخير والسعادة والتدين، ولا حتى بالعنف المباشر، لأنها ستتحول إلى أدوات لتسويغ سلطة «البطل الخوارزمي» في تمثيل مظاهر ناعمة للعنف الثقافي والخداع الاستهلاكي، وفي إعادة تمثيل هوية «الكائن الأوروبي» الذي يصلح لتداوليات النظام العالمي الجديد، ولصور ضحايا أزماته الاقتصادية والبيئية وحروبه البشعة.
 
وهذا ما يجعل علاقة «المركزية الغربية» بمفهوم التقدم أكثر بشاعة ورعباً، وأكثر ميلاً إلى تمثيلها عبر سلطة المؤسسات والبنوك وأجهزة المخابرات والهيمنة الخوارزمية، فضلاً عن القهر الهوياتي، ولا سيما ضد المهاجرين والملونين وضحايا الحروب والكوارث.
 
وعلى نحو يعود فيه جيجك إلى أنموذج «الماركسي الثوري» الذي يتجاوز عقدة الفشل وعقدة اليأس، وإلى النظر إلى «التقدم» من خلال وعي نقدي يمارس فاعلية الاعتراف والرغبة في السيطرة على «وهم الهزيمة»، عبر إجراءات وبيانات تتعزز من خلالها وظائف «الإنسان العارف» النقدي والعضوي، والقادر على تحمّل الألم والقهر، ليس لإعادة وجودها ضمن أنساق الأيديولوجيا النمطية، بل بصدد ابتكار إجراءات تدفع باتجاه تنظيم العمل والنقد ومواجهة الآخر، وربما البحث عن خيارات أخرى يمكن خلالها أنسنة عالم الرقميات وتجريده من سلطة أن يكون قريباً من «اللوفياثان» القديم.
 
المصدر: العرب اللندنية