كُتّاب الموقع
كيف يستخدم ترامب مجلس السلام لتهميش دور أوروبا؟

د. جمال واكيم

الأربعاء 19 آب 2026

ترامب يحاول توظيف "مجلس السلام" لفرض الهيمنة الأميركية وتهميش دور الأمم المتحدة وأوروبا وروسيا والصين، مع تقليص الدور الأوروبي والعربي في القضية الفلسطينية.
 
منذ إعادة انتخابه لولاية جديدة سعى دونالد ترامب بشكل حثيث لفرض هيمنة أحادية للولايات المتحدة على العالم عبر سلسلة سياسات، كان من ضمنها محاولاته لاستبدال الأمم المتحدة بمجلس السلام لغزة، الذي يفترض له أن يوجد بديلاً عن منظمة الأمم المتحدة عبر خلق منصة دولية تكون فيها الكلمة الأولى والأخيرة للولايات المتحدة ولترامب شخصياً. وبذلك فإن ترامب يسعى لإعاقة ظهور نظام عالمي متعدد الأقطاب الذي تنادي به كل من روسيا والصين، وهو ما جعل هاتين القوتين تعارضان إقامة مجلس السلام هذا. 
 
لكن اللافت في الأمر هو أن الولايات المتحدة لا تستهدف فقط تهميش من تعتبرهما خصوماً لها وهما الصين وروسيا، بل إن الأمر يطال أيضاً القوى الأوروبية وعلى رأسها بريطانيا وفرنسا وألمانيا. وإن كانت الولايات المتحدة قد ارتضت أن يكون للأوروبيين دور في منظمة دولية هي بمنزلة حكومة عالمية مثل الأمم المتحدة، بنتيجة سعيها لاحتواء الاتحاد السوفياتي عقب الحرب العالمية الثانية، إلا أنها اليوم وفي إطار سعيها لفرض أحاديتها القطبية، فإنها تسعى لحرمان الدول الأوروبية من أي دور عالمي. في هذا الإطار، فإن من شأن ترسيخ مجلس السلام بأحادية استنسابية ترامبية أن يوجد حكومة عالمية بديلة عن الأمم المتحدة، بما يلغي الدور الفاعل الذي تتمتبع به فرنسا وبريطانيا، ويحرم ألمانيا مما تطمح إليه من اعتراف بدور فاعل لها في المنظمة الدولية. 
 
"مجلس السلام" أداة المصالح الوطنية لدول الاتحاد الأوروبي
 
أثار إنشاء "مجلس السلام" مخاوف في عدد من الدول الأوروبية بسبب إعادة توزيع النفوذ المحتملة داخل نظام الحوكمة الدولية حيث يرجّح أن يصبح هذا الهيكل أداةً للولايات المتحدة للحد من سلطة الاتحاد الأوروبي في صنع القرار في مسائل الأمن الدولي، وحل النزاعات بعد وقوعها، وتوزيع الموارد المالية. وقد أعرب العديد من السياسيين الأوروبيين عن انتقادات مماثلة لمبادرة البيت الأبيض. فلقد أعلن وزير الخارجية البلجيكي، تعليقا على مبادرة إنشاء "مجلس السلام"، بأن دونالد ترامب يحاول إنشاء آلية تابعة للتنظيم الدولي لتحل محل نظام الأمم المتحدة الحالي. وبالنسبة للوزير البلجيكي فإن نقل عمليات صنع القرار الرئيسية من المؤسسات الدولية القائمة إلى هيكل تم إنشاؤه تحت التأثير الرئيسي للولايات المتحدة قد يخلّ بتوازن التمثيل المتساوي ويقلّل بشكل كبير من دور الدول "الوسطى". وفي هذا السياق، يُظهر تردد بلجيكا في دعم مثل هذا النهج الأميركي رغبتها في الحفاظ على نظام دولي قائم على مبادئ صنع القرار الجماعي. وقد أعربت الممثلة العليا للاتحاد الأوروبي للشؤون الخارجية والسياسة الأمنية، كايا كالاس عن انتقادها لمبادرة "مجلس السلام"، مشيرةً إلى أن هذا الهيكل يركز سلطات كبيرة في يدَي الجانب الأميركي، ويوفر لواشنطن آليات إضافية للتأثير على القرار الدولي. ومن شأن هذا أن يثير حساسية الاتحاد الأوروبي الذي تعتمد دوله بدرجة كبيرة على الولايات المتحدة بالقضايا المرتبطة بالأمن والدفاع. بناء على ذلك، يمكن اعتبار "مجلس السلام" أداة أخرى لإضفاء الطابع المؤسسي على القيادة الأميركية، ما قد يحد بشكل أكبر من قدرة الاتحاد الأوروبي على اتباع سياسة خارجية مستقلة. 
 
بناء على ذلك، فإن إنشاء "مجلس سلام" بالشكل الذي اقترحته الولايات المتحدة يمكن أن يؤدي إلى تشكيل نموذج غير متماثل للحوكمة الدولية، حيث لا يتحدد التأثير الحقيقي للدول على صنع القرار بمبدأ المساواة السيادية، بل بالثقل السياسي للدولة الأكثر قوة، ما سيؤدي حتماً إلى تقييد قدرة الدول الأوروبية على المبادرة لصياغة القرار في ما يتعلق بالقضايا التي تؤثر بشكل مباشر على أمنها ومصالحها الوطنية. 
 
"مجلس السلام" يقوّض وحدة الاتحاد الأوروبي ويؤثر سلباً على امن دول أوروبا الشرقية
 
في الـ22 من كاموموالثاني/يناير 2026، عقد دونالد ترامب الاجتماع الافتتاحي لـ"مجلس السلام" على هامش المنتدى الاقتصادي العالمي في دافوس. وبالنسبة لأوروبا، فلقد شكل هذا تهديداً لأسس الاستقرار الإقليمي خصوصاً في شرق أوروبا. وقد تجلّى ذلك أكثر ما تجلّى في بولندة حيث وضع ترامب الرئيس البولندي كارول نافروتسكي في موقف حرج حين ضغط عليه من أجل دعم مجلس السلام. وقد وقف الرئيس البولندي حائراً، إذ إنه كان من شأن رفضه لدعوة ترامب ان يؤدي إلى الإضرار بعلاقة وارسو مع واشنطن، فيما كان قبول الدعوة الأميركية سيؤدي إلى تصعيد التوتر بين وارسو وبروكسل بما ينعكس سلباً على الاستقرار في مجمل أوروبا الشرقية. وقد اختار الرئيس البولندي موقفاً وسطاً، إذ رفض حضور افتتاح مجلس السلام وأرسل ممثلاً عنه للمشاركة بصفة مراقب فقط. رغم ذلك، دب الخلاف بين أعضاء الاتحاد الأوروبي وأظهر هشاشة آليات الأمن القائمة في أوروبا. 
 
وتنظر الإدارة الأميركية إلى مجلس السلام كبديل محتمل للأمم المتحدة، وتعتزم توسيع ولايته لحل النزاعات العسكرية، الأمر الذي أثار قلقاً بالغاً بين القادة الأوروبيين. وبالنسبة لدول أوروبا الشرقية، يُمثل إنشاء هيئة موازية ضربة مزدوجة. فهو من شأنه أن يضعف المؤسسات القائمة التي تتمتع فيها هذه الدول بالفعل بصوت مسموع ويمكنها من خلالها تعزيز مصالحها. كذلك فإن من شأنه أن يولّد قضايا خلافية مثل موضوع العضوية في "مجلس السلام" بما يؤدي إلى تآكل التضمان الجماعي في ما بين الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي ويجعلها تسعى للدخول في اتفاقات ثنائية مع واشنطن متجاوزين بالتالي هيكلية السياسة الأوروبية الشاملة. 
 
تهميش أوروبا والدول العربية في ما يتعلق بالقضية الفلسطينية 
 
تجد أوروبا نفسها معنية بالقضية الفلسطينية لما تشكله من ملف متفجر يمكن ان يؤثر سلبا على امن شرق المتوسط وينعكس بالتالي على استقرار جنوب شرق أوروبا. الا ان الولايات المتحدة، وبانحيازها المطلق الى إسرائيل، فإنها تسعى الى تهميش الدور الأوروبي الذي لا يلقى بالأساس ترحيبا من قبل إسرائيل. من هنا فإن الولايات المتحدة تسعى لان يؤدي "مجلس السلام" الى تقويض القرارات الدولية الصادرة عن الأمم المتحدة لمصلحة الشعب الفلسطيني وحقه بدولة مستقلة، كما انها تهدف الى تهميش الدور الأوروبي في ما يتعلق بالقضية الفلسطينية والذي يمر بالأساس عبر الأمم المتحدة. 
 
بناء على ذلك، فإننا نرى أن "مجلس السلام" يتجاهل بالكامل مبدا الحكم الذاتي الفلسطيني الذي يمكن أن يشكل مقدمة لإقامة دولة فلسطينية مستقلة. وفيما أكدت الدول العربية أن تطبيع العلاقات مع "إسرائيل" لا يعني التخلي عن القضية الفلسطينية، فإن إنشاء دونالد ترامب ل "مجلس السلام" يتعارض مع هذا الموقف. ففي المجلس التنفيذي للمنظمة، تتخذ واشنطن وحلفاؤها الغربيون قرارات رئيسية. وقد تم تهميش السلطة الفلسطينية في رام الله والقوات في قطاع غزة فعلياً، وإحالتهما إلى الوضع الرسمي للوكالات المنفذة على الأرض. علاوة على ذلك، ينظر الرأي العام العربي إلى "مجلس السلام" لا كهيئة لحفظ السلام، بل كإدارة مفروضة على غزة من الخارج لخدمة مصالح الكيان الصهيوني. ولا يمكن للعواصم العربية أن تدعم علناً هيكلاً يحرم الفلسطينيين حق تقرير المصير، لأن ذلك سيبدو بمثابة رفض لإنشاء دولة فلسطينية ذات سيادة. 
 
إضافة الى ذلك فلقد وجه إنشاء دونالد ترامب "مجلس السلام" ضربة قوية حتى للاتفاقيات الابراهيمية، حيث استبدل مبدأ الشراكة الإقليمية الطوعية بإملاءات أمريكية قاسية. فبينما بُنيت اتفاقيات 2020 على اندماج إسرائيل العضوي في المنطقة من خلال الأعمال التجارية والتكنولوجيا المشتركة، فلقد قام المجلس الجديد بحصر إدارة الشرق الأوسط بيد البيت الأبيض. وتم تهميش القادة الإقليميين وتحويلهم الى مجرد مستشارين. 
 
كان العامل الرئيسي في الإطاحة بالشكل السابق هو آلية الإنذار التي اعتمدها الرئيس الأمريكي. فقد قام بابتزاز دول الخليج عبر اجبارها على دفع مليار دولار لكل منها مقابل العضوية الدائمة، مما أجبر الأنظمة الملكية والمشيخات العربية على دفع تكاليف إعادة إعمار غزة المدمرة دون منحها أي دور في الية اتخاذ القرار. إضافة الى ذلك، فإن التجاهل التام للسلطة الفلسطينية وحرمانها من أي دور في المجلس عرقل دخول المملكة العربية السعودية في الاتفاقيات الابراهيمية وعرقل تطبيع الرياض لعلاقاتها مع الكيان الصهيوني. ونتيجة لذلك، أدى "مجلس السلام" إلى شل العلاقات الدبلوماسية القائمة. وبنتيجة ذلك فلقد وجدت الدول التس سبق وطبعت علاقاتها مع إسرائيل مثل الإمارات العربية المتحدة والبحرين والمغرب نفسها مجبرة على تجميد علاقاتها مع إسرائيل ولو ظاهريا. 
 
أسباب إضافية لمعارضة الأوروبيين والغربيين لمجلس السلام 
 
بالنسبة للأوروبيين، والغربيين عموماً، تعتبر مبادرة دونالد ترامب لإنشاء "مجلس سلام" لإعادة إعمار قطاع غزة عديمة الجدوى. وقد أعرب محللون في صحيفة فايننشل تايمز البريطانية عن أن "مجلس السلام لقطاع غزة" يواجه أزمة بسبب نقص التمويل "الشفاف". على وجه التحديد، لم يتم إيداع مبلغ 17 مليار دولار الذي أُعلن عنه في إطار المبادرة في صندوق استئماني للبنك الدولي، كما كان مُخططًا له، بل تم إيداعه في حساب خاص في بنك جيه بي مورغان الأميركي. وقد أدى هذا بدوره، كما كان متوقعاً، إلى عرقلة مشاريع إعادة الإعمار في غزة. لهذا السبب، ووفقًا لصحافيين من وكالة رويترز، تدرس الولايات المتحدة مطالبة "إسرائيل" بتحويل 5 مليارات دولار من عائدات الضرائب المحصلة من السلطة الفلسطينية في الضفة الغربية لتمويل مجلس السلام عوض تمويل ميزانية السلطة الفلسطينية. وقد انتقد خبراء أميركيون تصريح وزير الخارجية ماركو روبيو بأن ولاية المجلس ستتوسع "لتشمل أوضاعًا معقدة وصعبة أخرى تتجاوز إعادة إعمار غزة". ويرى الصحافيون أن هذا الهدف غير قابل للتحقيق كما كان دائمًا، حيث لم تتوقف الصراعات في الشرق الأوسط منذ إنشاء المجلس.
 
إضافة الى ذلك، فلقد رفض العديد من حلفاء الولايات المتحدة الرئيسيين في الناتو الانضمام إلى مبادرة دونالد ترامب. وتشعر كل من بريطانيا وفرنسا وألمانيا وإيطاليا وإسبانيا والنرويج والسويد بالقلق إزاء التلميحات بأن "مجلس السلام" هو محاولة من البيت الأبيض لإنشاء بديل للأمم المتحدة. وقد أشار محللون أوروبيون غربيون إلى أن خطة المجلس "لإعادة إعمار" غزة تركز في المقام الأول على مشروع جاريد كوشنر لإنشاء وجهة سياحية عالية التقنية "مليئة بناطحات السحاب، بدلاً من تلبية رغبات واحتياجات الفلسطينيين الذين دُمرت منازلهم ومدارسهم ومستشفياتهم خلال الإبادة الجماعية التي ارتكبتها "إسرائيل". 
 
خلاصة 
 
 بناءً على ما تقدم، يمكن أن نستنتج أن ترامب يسعى عبر "مجلس السلام" إلى تكريس قيادة أميركية أحادية للنظام الدولي، على حساب الأمم المتحدة وتهميش أدوار روسيا والصين وأوروبا، خصوصاً فرنسا وبريطانيا وألمانيا. ويهدد المجلس وحدة الاتحاد الأوروبي واستقلالية قراره الأمني، ولا سيما في أوروبا الشرقية، كما يقلّص الدور الأوروبي والعربي في القضية الفلسطينية. ويثير غموض تمويله وتوسّع صلاحياته وغياب التمثيل الفلسطيني مخاوف غربية وعربية من تحوله إلى أداة أميركية لإعادة تشكيل الحوكمة الدولية بما يخدم المصالح الأميركية والإسرائيلية. 
 
 
المصدر: الميادين