كُتّاب الموقع
تداعيات الحرب على الأمن الإقليمي: من مضيق هرمز إلى إعادة تشكيل التحالفات (4-4)

فاضل الشرقي

الثلاثاء 18 آب 2026

تجاوزت تداعيات الحرب الأمريكية-الإسرائيلية على إيران حدود المواجهة العسكرية المباشرة، لتطال كافة أركان الأمن الإقليمي بمعناه الشامل: البحري، والطاقوي، والسياسي، والاجتماعي، والاستراتيجي. وإذا كانت المقالة قد تناولت جوانب متفرقة من هذه التداعيات في محاور سابقة، فإن هذا المحور يُخصص لقراءة متكاملة ومركزة لتأثيرات الحرب على الأمن الإقليمي برمته، باعتباره الجوهر الذي يمنح العنوان الرئيسي للمقالة مبرره التحليلي.
 
1. الأمن البحري: مضيق هرمز وباب المندب في قلب العاصفة
 
شكل إغلاق مضيق هرمز منذ الأيام الأولى للحرب – والذي انقطع فيه تدفق أكثر من 20% من النفط العالمي يومياً – أزمة بحرية غير مسبوقة في تاريخ المنطقة والعالم. وقد أدى ذلك إلى:
 
- ارتفاع تكاليف التأمين البحري على ناقلات النفط بنسبة تجاوزت 300%.
- شلل شبه كامل في حركة موانئ الخليج، بما فيها موانئ دبي، وجبل علي، والدوحة، والدمام، والكويت والبحرين.
. ارتفاع عالمي غير مسبوق في أسعار النفط ومصادر الطاقة والبتروكيماويات، وانخفاظ الاحتياطيات العالمية من الطاقة لمستويات تجاوزت ما قبل خمسين سنة على أقل تقدير.
- تهديد حركة الملاحة في باب المندب بالتزامن مع تصعيد أنصار الله في البحر الأحمر.
- تحويل مسار السفن التجارية إلى طرق أطول وأكثر كلفة (كالالتفاف حول رأس الرجاء الصالح).
 
وقد أثبتت الحرب أن أمن مضيق هرمز وباب المندب وأمن الملاحة البحرية أصبحا رهينة لأي تصعيد عسكري في المنطقة، وفقدت واشنطن سطوتها العسكرية وسيطرتها الزمنية على البحار والممرات، وانخفظت الثقة في تذرعها بالحماية البحرية والأمنية لأدنى مستوياتها. مما دفع دولاً كبرى (الصين، الهند، الاتحاد الأوروبي) إلى إعادة النظر في استراتيجيات أمن الطاقة لديها، وبحث ممرات آمنة عبر التنسيق مع طهران رغم ضغوط واشنطن وتهديداتها.
 
2. أمن الطاقة: صدمة أسعار وإعادة ترتيب للأسواق
 
ارتفعت أسعار النفط الخام إلى مستويات تاريخية تجاوزت 180 دولاراً للبرميل، مما أدى إلى:
 
. انخفاظ الاحتياطي الأمريكي إلى مستويات تعود إلى ما قبل 1983.
- أزمة طاقة خانقة في أوروبا التي تعتمد على واردات الخليج.
- زيادة الضغوط التضخمية عالمياً، مع انعكاسات مباشرة على أسعار المواد الغذائية والسلع الأساسية.
- استفادة روسيا وفنزويلا من ارتفاع الأسعار لتعويض خسائرها الناجمة عن العقوبات الغربية.
- عجز دول الخليج عن توفير ممرات وأسواق بديلة لتصدير نفطها في حال استمرار إغلاق المضيق، وباتت عرضة للإفلاس.
 
كما سلطت الحرب الضوء على هشاشة سلاسل التوريد الطاقوية العالمية، وأكدت أن أمن الطاقة لم يعد مجرد قضية اقتصادية، بل أصبح رهينة للاستقرار الجيوسياسي في منطقة الخليج.
 
3. الأمن السياسي: إعادة تشكيل التحالفات وهزّات داخلية
 
أحدثت الحرب هزات عنيفة في البنى السياسية للعديد من الدول الإقليمية:
 
أ‌. دول الخليج:
 
- تعرضت أنظمة الخليج لضغوط شعبية غير مسبوقة بسبب فتح قواعدها للعدوان على إيران، مما أثار موجة غضب شعبي واسعة.
- بدأت تحركات سرية لبعض الدول الخليجية نحو فتح قنوات اتصال مع طهران، تحسباً لتغير المعادلات الإقليمية، وهو ما يؤشر إلى تراجع الثقة بالحليف الأمريكي.
- ظهرت بوادر إعادة تقييم استراتيجي للعلاقة مع واشنطن، خاصة بعد أن أثبتت الحرب عجزها عن حماية حلفائها.
 
ب‌. مصر والأردن:
 
- واجهت أنظمتهما ضغوطاً شعبية كبيرة بسبب مواقفها الحذرة من الحرب، مع تحذيرات من اندلاع موجات احتجاجية في حال تدهور الأوضاع الاقتصادية الناجمة عن ارتفاع أسعار الطاقة والغذاء.
- أصبحت هذه الدول تدرك أنها ضمن الأهداف القادمة لمشروع إسرائيل الكبرى، مما دفعها إلى تسريع جهودها الدبلوماسية لتجنب أي تصعيد مستقبلي.
 
ج. تركيا:
 
- وجدت نفسها في موقف متقلب، بين رغبتها في تقليص النفوذ الإيراني، وخوفها من أن يؤدي إضعاف إيران إلى تحويل الأنظار الصهيونية نحوها، خاصة في ملفات البحر المتوسط والقوقاز.
 
4.  الأمن الاستراتيجي: تغير موازين القوى وإعادة تعريف التهديدات
 
أفرزت الحرب تحولات استراتيجية جذرية على مستوى المنطقة:
 
أ‌. تراجع الردع الأمريكي: فشل الأمريكيون في حماية قواعدهم من الهجمات الإيرانية، كما عجزوا عن تأمين الملاحة البحرية، مما أضعف ثقة الحلفاء بالغطاء الأمني الأمريكي، وفتح الباب أمام تنامي النفوذ الصيني والروسي في المنطقة.
 
ب‌. صعود الدور الصيني والروسي: استغل الصينيون والروس الفجوة الأمنية التي أوجدتها الحرب، لتعزيز حضورهم العسكري والسياسي في المنطقة، وتقديم أنفسهم كبديل أكثر موثوقية من أمريكا في بعض الملفات، وهو ما ظهر جلياً في دورهم كوسطاء ومرتبين لبعض مسارات التفاوض بين الأطراف المتحاربة.
 
 
ج. إعادة تعريف مفهوم الأمن: لم تعد التهديدات الأمنية تقتصر على المواجهات التقليدية، بل شملت:
 
- الحرب السيبرانية التي استهدفت البنى التحتية الحيوية للدول.
- الحرب الاقتصادية التي استخدمت العملات والطاقة كورقة ضغط.
- الحرب النفسية والإعلامية التي تهدف إلى زعزعة الاستقرار الاجتماعي.
 
5. الأمن الاقتصادي: انهيارات مالية وإعادة هيكلة الأسواق
 
شهدت المنطقة انعكاسات اقتصادية عنيفة:
 
- انهيار أسواق الأسهم في الخليج ومصر وتركيا.
- تراجع الاستثمارات الأجنبية المباشرة بشكل حاد، وهروب رؤوس الأموال إلى مناطق أكثر أمناً.
- زيادة الدين العام للدول المتضررة بسبب ارتفاع تكاليف الدفاع وتراجع الإيرادات النفطية (في حال استمرار إغلاق المضيق).
- ظهور الحديث عن نظام مالي موازٍ بعيداً عن الدولار، حيث أعلنت دول مثل الصين وروسيا وإيران عن تعزيز تعاملاتها باليوان والروبل، مما يهدد هيمنة الدولار على التجارة العالمية.
 
المحور العاشر: الخلاصة والاستنتاجات
 
أكثر من أربعة عقود من العداء بين إيران والغرب، وأكثر من عقد من المفاوضات، انتهت كلها إلى حرب شاملة. الحرب الأمريكية-الإسرائيلية على إيران هي محاولة يائسة لإعادة هيكلة الشرق الأوسط (غرب آسيا) بالقوة.
 
أولاً: تداعيات الحرب على الأمن القومي الإيراني
 
من منظور الكاتب فإن النتائج الحاسمة في هذا الأمر هي:
 
1. النظام الإيراني صامد وسيبقى: لم يسقط النظام، ولن يسقط. بل خرج من هذه المحنة أكثر تماسكاً، مع قيادة جديدة (السيد مجتبى خامنئي) أكثر حزماً وأشد تشدداً وأقل مرونة بسبب جرائم الحرب والعدوان الوحشي، مما يعني أن أمريكا ستواجه نظاماً أكثر صلابة مما كانت تتوقع.
 
2. إيران أصبحت أكثر قوة: رغم الاغتيالات ومستوى الدمار، فإن إيران أثبتت قدرتها على الردع، وأظهرت للعالم أنها قوة لا يُستهان بها. والمرشد الجديد يمتلك من الحزم والصلابة ما يجعله قادراً على قيادة السفينة في أصعب الظروف.
 
3. أمريكا خسرت هيبتها: أمريكا عالقة في مستنقع عسكري جديد، تنزف مواردها وتفقد مصداقيتها كحامية لحلفائها.
 
4. "إسرائيل" ليست أكثر أمناً، بل أقل: إسرائيل فتحت على نفسها جبهات متعددة، وأثارت غضب الأمة الإسلامية جمعاء. وهي تدرك أنها الآن في قائمة أهداف المقاومة إلى الأبد.
 
5. الخليج هو الخاسر الأكبر: تحولت دول الخليج العربية إلى ساحة حرب، ودفعت ثمناً باهظاً لرهانها الخاسر على أمريكا وإسرائيل، دون أن تدرك أنها ضمن خارطة "إسرائيل الكبرى" التوسعية.
 
6. الدول العربية والإسلامية الكبرى مهددة: مصر، السعودية، تركيا، باكستان يجب أن تستيقظ. الحرب على إيران هي البروفة لحرب قادمة عليهم. إما أن تقف هذه الدول إلى جانب إيران اليوم، أو ستأكلها النار غداً.
 
7. العالم يتجه نحو التعددية القطبية: الحرب عجلت بنهاية الهيمنة الأمريكية الأحادية، وظهرت أنظمة مالية موازية (باليوان والروبل)، مما يبشر بعالم أكثر توازناً.
 
ثانياً: تداعيات الحرب على الأمن الإقليمي
 
الأمن الإقليمي في الشرق الأوسط لم يعد قابلاً للفصل عن الحرب على إيران. فكل قطاع من قطاعات الأمن تأثر بشكل مباشر أو غير مباشر بهذه الحرب، سواء أكان ذلك في أمن الطاقة، أو أمن الملاحة البحرية، أو الاستقرار السياسي، أو التماسك الاجتماعي، أو التوازن الاستراتيجي بين القوى الإقليمية والدولية. الأمن الإقليمي لم يعد قائماً على فرضية أن أمريكا قادرة على حماية حلفائها، بل أصبح أمنًا هشاً يتوقف على قدرة الدول الإقليمية على إدارة صراعاتها ومخاطرها بأنفسها، بعيداً عن أي راعٍ خارجي غير مضمون.
 
وعليه، فإن التأثيرات الإقليمية التي أعادت تشكيل الأمن القومي الإقليمي والتي تعد -في الحقيقة- جوهر التحولات الجيوسياسية التي أطلقتها الحرب الأمريكية‑الإسرائيلية على إيران ومحور المقاومة والتي أقصدها هي: تقويض نفوذ واشنطن، تفكيك البنية الأمنية الغربية، وصعود تحالفات بديلة، ويمكن تلخيص أبرزها في النقاط التالية:
 
1. تفكيك البنية الأمنية الغربية التقليدية
الحرب المركّبة على إيران (عسكرية، اقتصادية، إدراكية، سيبرانية) أدت إلى اهتزاز منظومة الأمن الإقليمي التي بنتها واشنطن منذ السبعينيات، وذلك عبر:
 
- تراجع قدرة واشنطن على فرض ما تسميه: الردع الإقليمي بعد فشلها في منع توسع نفوذ محور الجهاد والمقاومة من إيران إلى فلسطين والعراق ولبنان واليمن، وكذلك سوريا التي لا يمكن الجزم باحتوائها الأمريكي الكلي. 
- تآكل الثقة الخليجية في المظلة الأمنية الأمريكية التي بنتها مع واشنطن والغرب منذ مطلع التسعينات تحديدا.
وبهذا، فإنَّ البيئة الأمنية التي كانت تُدار أمريكيًا أصبحت أقل قدرة على احتواء المقاومة للهيمنة الغربية أو ضبط توازنات المنطقة.
  
2. تقويض النفوذ الأمريكي في الشرق الأوسط (غرب آسيا)
 
الحرب على إيران لم تُضعفها كما أرادت واشنطن، بل أدت إلى نتائج عكسية:
 
- تعزيز محور المقاومة في فلسطين والعراق ولبنان واليمن بالدرجة الأولى، وهناك تحولات طارئة ستظهر قريبا. 
- تنامي القدرات العسكرية الإيرانية (الصواريخ، المسيّرات، الحرب السيبرانية). 
- فشل استراتيجية “الضغط الأقصى” في إسقاط النظام أو تغيير سلوكه. 
- تزايد النفوذ الروسي والصيني في المنطقة على حساب واشنطن.
 
وهو ما يعني أنّ واشنطن قد فقدت احتكارها للقرار الأمني الإقليمي، وظهرت قوى جديدة -لا يمكن كسرها- تعمل على تقويض نفوذ واشنطن وهيمنتها الإقليمية.
 
3. ظهور تحالفات جديدة وبديلة
الحرب على إيران ومحور المقاومة دفعت دول المنطقة إلى البحث عن بدائل أمنية واقتصادية، وتأمين تحالفات إقليمية جديدة: إيران – روسيا – الصين، وتشكّل محور استراتيجي يتجاوز الأمن إلى الطاقة والتجارة والتكنولوجيا. 
 
إيران ودول الخليج
 
الظاهر أن الحرب دفعت إلى تقليل التوتر الإقليمي، وتغيير النبرة تجاه إيران، وتراجع اعتماد الخليج على واشنطن. وقد أكد وزير الخارجية الإيراني في أكثر من مقابلة وتصريح أن ثقل طهران الإقليمي والدولي ومكانتها بعد الحرب أقوى منها قبل الحرب، وهو الأمر ذاته التي أكده أكثر الباحثين والمحللين، وأكدته جهات إقليمية ودولية فاعلة.
 
تحالفات المقاومة (وحدة الساحات)
 
أصبح محور المقاومة أكثر تماسكًا (حزب الله، الحشد الشعبي، أنصار الله، الفصائل الفلسطينية)، وهو محور قوي يشكل شبكة أمنية غير حكومية تتحدى البنية الأمنية الغربية. ويمثل تعددية قطبية إقليمية بدل الهيمنة الأمريكية.
 
4. تحولات جيوسياسية كبرى
 
الحرب الأمريكية‑الإسرائيلية على إيران أدت إلى:
 
- تغيير خرائط النفوذ في العراق وسوريا ولبنان واليمن والخليج. 
- تراجع دور أمريكا وإسرائيل كقوة ردع إقليمية بعد فشلها في احتواء إيران أو منع تسليح محور المقاومة. 
- صعود إيران كقوة إقليمية كبرى رغم الحرب والحصار والعقوبات. 
- تحول الخليج من الاعتماد الأمني على واشنطن إلى سياسة التوازن بين القوى الكبرى. وبالتالي فإن المنطقة لم تعد منطقة نفوذ أمريكي خالص، بل أصبحت ساحة تنافس دولي يضيق فيها الخناق على واشنطن وحلفائها يوما بعد آخر.
 
5. إعادة تعريف مفهوم الأمن الإقليمي
الحرب على إيران أدت إلى ظهور نموذج جديد للأمن الإقليمي:
 
- أمن متعدد المراكز بدل المركز الأمريكي الواحد. 
- أمن قائم على ساحات بديلة غير حكومية (محور الجهاد والمقاومة). 
- أمن يعتمد على الردع غير المتكافئ (الصواريخ، المسيّرات، الحرب السيبرانية). 
- أمن يعتمد على التحالفات السياسية والاقتصادية وليس العسكرية فقط (الصين، روسيا، آسيا الوسطى). وبالنتيجة فإن الأمن الإقليمي أصبح أكثر تعقيدًا، وأقل قابلية للسيطرة من قبل واشنطن.
 
وبهذا، فإن الحرب الأمريكية‑الإسرائيلية على إيران لم تُضعفها، بل أضعفت النظام الأمني الغربي في الشرق الأوسط، وأدت إلى:
 
1. تراجع النفوذ الأمريكي 
2. تفكك البنية الأمنية الغربية 
3. صعود تحالفات جديدة 
4. تغير خرائط النفوذ 
5. إعادة تشكيل الأمن الإقليمي على أسس جديدة
 
وهذه النقاط تمثل جوهر التحول الجيوسياسي في المنطقة خلال الفترة الحالية والمراحل القادمة.
 
الخلاصة النهائية لهذه المقالة التحليلية الموسعة هي: الحرب على إيران هي حرب عدوانية ظالمة، لا مبرر لها إلا الغطرسة الإمبريالية والرغبة الصهيونية في السيطرة على المنطقة وتمهيد الطريق لـ"إسرائيل الكبرى" من النيل إلى الفرات. لكن إيران، بقيادة مرشدها الجديد وحرسها وجيشها وشعبها ومعها محور المقاومة، أثبتت أن الراية لن تسقط. بل ستخرج من هذه المحنة كما خرجت من غيرها: أقوى عزماً، وأشد صلابة، وأكثر إصراراً على طريق المقاومة والتنمية الذاتية. "والله غالب على أمره، ولكن أكثر الناس لا يعلمون".
 
 
المصدر: الميادين