كُتّاب الموقع
إشراك سوريا في مواجهة حزب الله.. مقترح أميركي يثير مخاطر إقليمية واسعة

العرب اللندنية

الإثنين 6 تموز 2026

– تثير فكرة دفع الجيش السوري إلى القيام بدور عسكري ضد حزب الله في لبنان جدلا واسعا في الأوساط السياسية والإستراتيجية، بعدما طُرحت داخل دوائر أميركية بوصفها أحد الخيارات المحتملة للتعامل مع ملف سلاح الحزب.
 
ورغم أن المقترح يُقدَّم باعتباره وسيلة لتقليل الكلفة العسكرية المباشرة على الولايات المتحدة وإسرائيل، فإن خبراء يرون أنه ينطوي على مخاطر إقليمية قد تتجاوز حدود لبنان وسوريا لتطال استقرار الشرق الأوسط بأسره.
 
ويستند هذا الطرح إلى فرضية مفادها أن الجيش السوري، في ظل القيادة الجديدة التي تولت السلطة عقب سقوط نظام بشار الأسد عام 2024 وصعود أحمد الشرع، قد يكون أكثر قدرة على التحرك داخل الساحة اللبنانية من الجيش الإسرائيلي، ولاسيما في المناطق الحدودية التي ينشط فيها حزب الله. غير أن هذه الفرضية تصطدم بتعقيدات تاريخية وسياسية وأمنية تجعل تنفيذها بالغ الحساسية.
 
ويرى مؤيدو الفكرة داخل بعض الدوائر الأميركية أن التعامل مع حزب الله يتطلب أدوات إقليمية غير تقليدية، بعد إخفاق الضغوط السياسية والمحاولات غير المباشرة في تحقيق تقدم ملموس في ملف سلاح الحزب.
 
ويأتي هذا الطرح أيضاً في سياق توجه أميركي أوسع يقوم على تقليص الانخراط العسكري المباشر في الشرق الأوسط، والاعتماد بصورة أكبر على شركاء إقليميين لتنفيذ مهام أمنية معقدة.
 
غير أن منتقدي المقترح يرون أنه يتجاهل الطبيعة المركبة لصراعات المنطقة، حيث تتداخل الاعتبارات الطائفية والسياسية والتاريخية مع الحسابات العسكرية، بما يجعل أي تدخل من هذا النوع قابلاً للتحول إلى مواجهة مفتوحة متعددة الأطراف.
 
تشابك الاعتبارات الطائفية والتاريخية مع الحسابات العسكرية يجعل أي تدخل مرشحا للتحول سريعا إلى صراع إقليمي
 
وفي لبنان يصعب فصل أي نقاش حول دور عسكري سوري عن تجربة الوجود العسكري السوري الذي امتد من عام 1976 حتى عام 2005، حين اضطرت القوات السورية إلى الانسحاب تحت ضغط الاحتجاجات الشعبية التي أعقبت اغتيال رئيس الوزراء الأسبق رفيق الحريري.
 
ولا تزال تلك المرحلة حاضرة بقوة في الذاكرة السياسية اللبنانية، ولاسيما لدى القوى التي ترى أن عودة الجيش السوري إلى الأراضي اللبنانية، حتى تحت عنوان مواجهة حزب الله، تمثل مساساً بالسيادة الوطنية وإحياءً لتجربة الوصاية التي يرفضها قطاع واسع من اللبنانيين.
 
وحتى القوى اللبنانية المناهضة لحزب الله والداعية إلى حصر السلاح بيد الدولة تبدي تحفظا كبيرا على أي دور عسكري سوري، معتبرة أن مثل هذا التدخل قد يفتح الباب أمام فوضى أمنية يصعب احتواؤها.
 
وتزداد تعقيدات المشهد بالنظر إلى أن حزب الله خاض لسنوات الحرب السورية إلى جانب نظام بشار الأسد، وهو ما أوجد إرثاً ثقيلاً من العداء مع فصائل سورية مسلحة، تشير تقديرات إلى أن بعضها أصبح جزءا من المؤسسة العسكرية السورية الجديدة أو يرتبط بها بصورة أو بأخرى.
 
ويجعل هذا الإرث أي مواجهة محتملة بين الجيش السوري وحزب الله محمّلة بأبعاد سياسية وطائفية شديدة الحساسية، إذ إن الكثير من المقاتلين الذين قد يُطلب منهم تنفيذ عمليات داخل لبنان يحملون بدورهم ذاكرة صراع دامية مع الحزب، الأمر الذي يزيد من احتمالات الانزلاق إلى مواجهات غير منضبطة.
 
ويرى محللون أن إدخال هذا العامل إلى الساحة اللبنانية قد يعيد إنتاج جانب من الاستقطاب السني – الشيعي الذي بلغ ذروته خلال الحرب السورية، وهو سيناريو تسعى أغلب القوى الإقليمية حاليا إلى تجنبه.
 
وفي المقابل تواجه سوريا نفسها تحديات كبيرة خلال مرحلة ما بعد الحرب، إذ تحتاج إلى إعادة بناء مؤسساتها الأمنية والعسكرية والاقتصادية، وإعادة دمج المناطق التي دمرتها سنوات الصراع.
 
وفي هذا الإطار يشكك خبراء في قدرة الجيش السوري بصيغته الحالية على خوض عمليات عسكرية خارج الحدود، في ظل محدودية الموارد البشرية واللوجستية، واستمرار التهديدات الأمنية الداخلية، بما في ذلك نشاط خلايا تنظيم الدولة الإسلامية في بعض المناطق.
 
كما أن انخراط دمشق في مواجهة جديدة داخل لبنان قد يهدد مسار الانتقال السياسي الهش، ويصرف الاهتمام عن أولويات إعادة الإعمار وترسيخ الاستقرار الداخلي.
 
وعلى المستوى اللبناني الرسمي، يُنظر إلى أي تدخل عسكري سوري باعتباره مساسا مباشرا بالسيادة الوطنية. فلبنان، الذي يعاني أصلاً انقسامات حادة بشأن مستقبل سلاح حزب الله، يجد نفسه أمام معادلة شديدة التعقيد: كيف يمكن معالجة هذا الملف من دون فتح الباب أمام تدخلات خارجية جديدة؟
 
ويرى منتقدو المقترح أن إشراك سوريا لن يؤدي إلى حل الأزمة، بل إلى نقلها إلى مستوى أكثر تعقيدا، عبر إدخال طرف إقليمي يحمل بدوره إرثا ثقيلاً من الخلافات داخل لبنان.
 
كما أن طبيعة النظام السياسي اللبناني القائم على التوازنات الطائفية تجعل أي تدخل عسكري خارجي عاملاً مرشحا لتغذية الانقسام الداخلي بدلاً من احتوائه.
 
السماح لقوى إقليمية، سواء كانت إيران أو إسرائيل أو سوريا، بلعب أدوار عسكرية داخل لبنان، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، من شأنه أن يضعف مفهوم السيادة الذي تؤكد واشنطن دعمها له
 
ويثير المقترح كذلك تساؤلات بشأن مدى اتساق السياسة الأميركية، التي تؤكد دعمها لسيادة لبنان واستقلال قراره، في الوقت الذي يُطرح فيه إشراك قوة إقليمية في إدارة أحد أكثر الملفات حساسية في البلاد.
 
ويقول منتقدو هذا التوجه إن السماح لقوى إقليمية، سواء كانت إيران أو إسرائيل أو سوريا، بلعب أدوار عسكرية داخل لبنان، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، من شأنه أن يضعف مفهوم السيادة الذي تؤكد واشنطن دعمها له.
 
ويرى هؤلاء أيضا أن هذا النهج يعكس سعيا إلى البحث عن حلول سريعة لقضايا بالغة التعقيد، من دون تقدير كافٍ لتداعياتها بعيدة المدى على استقرار المنطقة.
 
ولا تقتصر المخاطر المحتملة على لبنان، بل تمتد إلى الداخل السوري أيضا، إذ إن إرسال وحدات عسكرية إلى الخارج قد يخلق فراغا أمنيا تستفيد منه الجماعات المتطرفة، وفي مقدمتها تنظيم الدولة الإسلامية، لاستعادة نشاطها في بعض المناطق.
 
وفي ظل استمرار التحديات الأمنية التي تواجهها دمشق، فإن أي انشغال عسكري خارج الحدود قد يمثل مخاطرة إستراتيجية في مرحلة لا تزال فيها مؤسسات الدولة تعمل على تثبيت الاستقرار الداخلي.
 
وفي مواجهة هذا الطرح يرى عدد من المراقبين أن الخيار الأكثر واقعية للتعامل مع ملف حزب الله يتمثل في مواصلة المسار الدبلوماسي بين لبنان وإسرائيل برعاية دولية، سعيا إلى ترتيبات تدريجية تتصل بالحدود والضمانات الأمنية، بدلاً من اللجوء إلى خيارات عسكرية محفوفة بالمخاطر.
 
ورغم بطء هذا المسار، فإنه يُنظر إليه على أنه أقل كلفة وأكثر قابلية للاستمرار من أي مقاربة عسكرية قد تفتح أبوابا جديدة للصراع.
 
وفي المحصلة يعكس مقترح إشراك الجيش السوري في مواجهة حزب الله محاولة لإعادة توزيع أدوار القوة في الشرق الأوسط، لكنه يثير في الوقت نفسه سلسلة واسعة من المخاوف المرتبطة بالتوازنات اللبنانية والهشاشة السورية وتعقيدات البيئة الإقليمية.
 
فبين إرث الوجود العسكري السوري في لبنان، وحساسية الانقسامات الطائفية، وصعوبة المرحلة الانتقالية التي تمر بها سوريا، تبدو هذه الفكرة، في نظر الكثير من المراقبين، أقرب إلى عامل قد يفاقم التوترات بدلاً من أن يسهم في احتوائها.