"Modern Diplomacy": لماذا لا تستطيع الولايات المتحدة البقاء قوة عالمية؟
سناء خان - المصدر: موقع "modern diplomacy"
الإثنين 6 تموز 2026
لا تنتهي الهيمنة الأميركية العالمية لأن الولايات المتحدة ضعيفة، بل لأنها تحاول تحقيق أمر مستحيل بنيوياً، حيث يفترض أن تكون في آن واحد قوة إقليمية مهيمنة واثقة من نفوذها، وقوة عالمية مهيمنة تدير النظام الدولي برمته.
تحدث موقع "modern diplomacy"، في مقال للكاتبة سناء خان، عن مستقبل الدور الأميركي في النظام الدولي، معتبراً أن واشنطن تواجه تناقضاً بنيوياً بين طموحها لقيادة العالم وقدرتها الفعلية على الوفاء بالتزاماتها الأمنية المتشعبة.
وترى الكاتبة أن السنوات المقبلة قد تفرض على الولايات المتحدة إعادة رسم أولوياتها الاستراتيجية، مع ما يحمله ذلك من تداعيات على حلفائها وموازين القوى العالمية.
وفيما يلي نص المقال منقولاً إلى العربية:
بينما كانت إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب تطالب حلف "الناتو" بزيادة الإنفاق الدفاعي، واجهت واشنطن هذا الأسبوع ضيقاً في خياراتها، وهو ما ستواجهه على نحو متكرر إلى أن تعترف به صراحة.
فمنذ أيام، كان تصاعد المناورات العسكرية الصينية حول تايوان، والتوترات في "الشرق الأوسط" على خلفية شحنات النفط الإيرانية، قد أظهر أنه رغم القوة العسكرية الأميركية الهائلة، لا تمتلك القدرة الاقتصادية والعسكرية والسياسية للهيمنة على مناطق أحداث تنشط في آن واحد، مع الحفاظ في الوقت ذاته على قيادتها المؤسسية العالمية.
وهذا ليس خللاً مؤقتاً ناتجاً عن سوء التخطيط أو ضعف القيادة، بل هو خلل بنيوي يعكس تناقضاً جوهرياً في صميم استراتيجية الولايات المتحدة، وسعيها أن تكون قوة مهيمنة قارية تحمي أميركا الشمالية، وقوة هيمنة عالمية تدير العالم بأسره، حيث يتضح أن الاتجاهين لا يجتمعان.
كيفية عمل الهيمنة الأمريكية فعلياً
لقد استندت الهيمنة الاستراتيجية الأميركية منذ عام 1945 إلى تنظيم غير مألوف، حيث قدمت ضمانات أمنية وتسهيلات في الوصول إلى الأسواق لـ "الديمقراطيات" الثرية في أوروبا وآسيا، مقابل خضوعها السياسي لمصالح الولايات المتحدة ومؤسساتها، وكان هذا مفيداً للحلفاء بالفعل، الذين حصلوا على الحماية والازدهار، لكن بشكل غير متكافئ، حيث وضعت مصالح أميركا أولاً، ومصالح الحلفاء في ثانياً.
واستمر هذا التنظيم لمدة 75 عاماً، لأن القوة الأميركية كانت مهيمنة بما يكفي لاستيعاب تكاليف الالتزام العالمي. لكن هذه القوة الأميركية تراجعت نسبياً بشكل ظاهر منذ عام 1991، حين انخفضت حصة أميركا من الناتج المحلي الإجمالي العالمي من 40% إلى 27%، بينما ارتفعت حصة الصين من 2% إلى 18%.
كما أن قوى أخرى طورت قدراتها العسكرية بوتيرة أسرع من الولايات المتحدة، ولم تعد الظروف المادية التي سمحت بالهيمنة العالمية الأميركية كالعزلة الجغرافية الشاسعة، والتفوق التكنولوجي المطلق، وضعف المؤسسات لدى المنافسين، موجودة أصلاً.
تلتزم الولايات المتحدة حالياً بتعهدات أمنية تجاه أكثر من 50 دولة، ولديها قواعد عسكرية في أكثر من 140 دولة، وتتولى مسؤولية حفظ النظام في أوروبا وآسيا و"الشرق الأوسط" والمحيط الهادئ، وتسعى لاحتواء الصين، والحفاظ على الأمن الأوروبي، وإدارة الصراعات في "الشرق الأوسط"، والدفاع عن أميركا الشمالية، بينما يظهر أن هذا الوضع غير قابل للاستمرار.
التناقض الهيكلي
تكمن المشكلة الأساسية ببساطة في أن الولايات المتحدة عززت نفوذها كقوة قارية، ثم حاولت استغلال هذا النفوذ على الصعيد العالمي. لكن الهيمنة القارية والهيمنة العالمية تعملان وفق منطقين مختلفين. وباعتبارها قوة مهيمنة على القارة، تركز مصالح أميركا الطبيعية على تأمين نصف الكرة الأرضية الشمالي، والحفاظ على حكومات موالية لها في المكسيك ومنطقة الكاريبي، وضمان عدم تمكن أي قوة معادية من بسط نفوذها على نصف الكرة الغربي، من خلال خطوط السكك الحديدية العابرة للقارات، و"مبدأ مونرو"، وتوطيد الحدود الغربية، وكلها تعبر عن هذا المنطق.
تتطلب الهيمنة العالمية شيئاً مختلفاً تماماً غير ما تفعله الولايات المتحدة. فالحفاظ على الإرادة السياسية والدفاع عن مصالح أكثر من 50 دولة حليفة، ودعم الوجود العسكري في أكثر من 140 دولة، وإدارة صعود وسقوط القوى الإقليمية، وتحمل تكاليف الدفاع عن الديمقراطيات الثرية التي تواجه تهديدات أمنية لا تهدد أميركا بشكل مباشر. إضافة إلى أن هذا النهج نجح عندما كانت القوة الأميركية طاغية، أما عندما تكون القوة فقط مجرد مشروع هيمنة، فيصبح الأمر بالغ الصعوبة.
والأدلة ملموسة وواضحة. ففي عام 1990 بلغت نفقات الدفاع الأميركية 5.2% من الناتج المحلي الإجمالي، بينما انخفضت اليوم إلى 3.5% عاكسة حجم المشكلة الحقيقي، لأن التكاليف ارتفعت بالفعل على الأفراد، والمعدات الأغلى ثمناً، بينما الالتزامات العالمية تمتد لتشمل مناطق أوسع. ولذلك تنفق أميركا مبالغ أقل كنسبة من الناتج المحلي الإجمالي، بينما تلتزم بالدفاع عن مساحة أكبر من أراضيها ضد تهديدات أكثر، وهذا وضع غير مستدام من الناحية الحسابية.
والاعتراض القوي على هذه الحجة هو أن زيادة الإنفاق الدفاعي قد تحل المشكلة، لذلك تطلب إدارة ترامب 850 مليار دولار للإنفاق الدفاعي، وهو مستوى يقارب المستويات القياسية. لكن زيادة الإنفاق لن تحل مشكلة ليست مالية في المقام الأول، بل سياسية ومؤسسية. فلا تستطيع أميركا الحفاظ على الإجماع السياسي اللازم للوفاء بالتزاماتها العالمية، وفي الوقت عينه تلبي التوقعات المحلية بشأن الإنفاق على البنية التحتية والرعاية الصحية والرفاهية. كما لا تستطيع الحفاظ على الترتيبات المؤسسية اللازمة لإدارة أكثر من 50 حليفاً، لكل منها مصالح متضاربة، بينما تستعد واشنطن لمنافسة مباشرة مع بكين.
لقد سعى كل رئيس أميركي منذ عام 1991 إلى إدارة هذا التناقض من خلال تنظيم "الأولويات والشراكات"، وتكثيف الاهتمام بمنطقة واحدة معينة مع الحفاظ على التحالفات في مناطق أخرى. فقد ركز بيل كلينتون على أوروبا والبلقان، وركز جورج بوش على "الشرق الأوسط"، وحاول باراك أوباما "التحول نحو آسيا"، وركز ترامب على التنافس بين القوى العظمى مع الصين وروسيا، بينما حاول بايدن التركيز على الصين مع تجديد الالتزامات الأميركية في أوروبا في الوقت ذاته.
لكن كل هذه المحاولات فشلت، ليس لعدم كفاءة الرؤساء، بل لأن التناقض بنيوي. فلا يمكن الحفاظ على ضمانات أمنية محكمة للدول الأوروبية مع الاستعداد التام للحرب في آسيا. ولا يمكن مطالبة الحلفاء الأوروبيين بزيادة الإنفاق الدفاعي مع بقائهم معتمدين على الأمن الأميركي، ولا يمكن إخبار اليابان وكوريا الجنوبية بأنهما محور الاستراتيجية الأميركية، وهم يدركون أن حلف "الناتو" هو أهم التزام أمني للولايات المتحدة.
يحاول كل رئيس إدارة هذه التناقضات من خلال الخطابة والتسلسل والاستعراض الدبلوماسي، لكن جميعهم فشلوا، لأن الخطابة لا تستطيع تغيير الحقائق المادية، وهي أن أميركا ملتزمة بالدفاع عن أراضيها ومصالحها في جميع أنحاء العالم، لكن مواردها العسكرية والاقتصادية والسياسية لا تكفي إلا للسيطرة على منطقتين في وقت واحد لا أكثر.
لنأخذ مثال "الناتو" تحديداً. تطالب أميركا أوروبا بزيادة الإنفاق الدفاعي، وهو نقد في محله، فالإنفاق الأوروبي كان منخفضاً، بينما ربطت الولايات المتحدة ضمانها الأمني بالتزام سياسي أوروبي تبرر أهداف الإنفاق، مما قوض مصداقية الضمان، لأن التوجه الأميركي نحو آسيا للتركيز على الصين، أوحى بأن أوروبا ليست هي الأولوية الفعلية، وهذه المواقف الثلاثة متناقضة، ولا يمكن أن تكون جميعها صحيحة في آن واحد، لكن القادة الأميركيين يتمسكون بها كلها.
3 مسارات نحو عام 2040
احتمال استمرار سيناريو التخبط الأميركي يصل إلى 60%، حيث تقوم الولايات المتحدة بالتزامات اسمية في كل مكان، بينما تعجز عن تنفيذ أي منها بالكامل، في حين يزداد الإنفاق الدفاعي، ويبني الحلفاء قدرات مستقلة بالتوازي، وتعزز الصين نفوذها الإقليمي في آسيا، وتطور أوروبا استقلالها الاستراتيجي.
وبحلول عام 2035، سيجبر حادث ما مثل أزمة تايوان، أو تصعيد النزاع في البلطيق، أو احتدام كبير في "الشرق الأوسط"، الولايات المتحدة على اتخاذ خيار صريح بشأن أولوياتها، وقد تستجيب بالانسحاب من منطقة ما على الأرجح أن تكون أوروبا، لتعزيز نفوذها في مكان آخر. وسيكون الانسحاب فوضوياً، ويلحق الضرر بالمصداقية، ولكنه يحدث لأن البديل هو توسع مفرط كارثي يتجاوز القدرة على الاحتمال، كما يفترض هذا السيناريو عدم حدوث واقعة قسرية قبل عام 2035 تجعل هذا التناقض غير قابل للتجنب.
والخيار الذي تفرضه الأزمة باحتمالية 25%، هو وقوع حادث أمني محدد يجبر على اتخاذ هذا القرار مبكراً، مثل أن تتحرك الصين ضد تايوان قبل عام 2028، أو أن تختبر روسيا التزام أميركا في دول البلطيق، أو أن يتصاعد التوتر في "الشرق الأوسط" فجأة، حيث ستضطر أميركا أن تختار الدفاع عن آسيا أم أوروبا؟
إذا اختارت آسيا، سيتحول حلف "الناتو" إلى تحالف أوروبي تصبح فيه أميركا لاعبا هامشياً. أما إذا اختارت أوروبا، فسترسل رسالة إلى حلفائها الآسيويين مفادها أن التزام أميركا غير موثوق، مما يسرع من ترسيخ النفوذ الإقليمي الصيني. وكلا الخيارين يؤدي إلى إعادة تنظيم جيوسياسي جوهري، خاصة أن هذا السيناريو يفترض وقوع حادث لا يمكن السيطرة عليه دون التزام أميركي كامل.
كذلك هناك سيناريو التقليص الصريح باحتمالية 15%، حيث تتبنى القيادة الأميركية بوضوح خطة تقلص استراتيجي قبل أن تجبر عليه، تعلن الإدارة عن توطيد الالتزامات تجاه المصالح الأساسية في أميركا الشمالية، وإقامة علاقات نفعية مع الحلفاء الأثرياء، حيث توفر أوروبا واليابان دفاعهما الذاتي، وتركز الموارد العسكرية على احتواء الصين في آسيا. لكن هذا سيكون صعباً سياسياً على الصعيد الداخلي، ولكنه سيولد ترابطاً بين المصالح والالتزامات، ويضع الحلفاء أمام توقعات واضحة، لكن هذا يتطلب اعترافاً صريحاً بأن الهيمنة الأميركية تتلاشى، وهو أمر لم يكن أي رئيس أميركي أن يقوم به.
ما ستكشفه السنوات الخمس المقبلة
لا تنتهي الهيمنة الأميركية العالمية لأن الولايات المتحدة ضعيفة، بل لأنها تحاول تحقيق أمر مستحيل بنيوياً، حيث يفترض أن تكون في آن واحد قوة إقليمية مهيمنة واثقة من نفوذها، وقوة عالمية مهيمنة تدير النظام الدولي برمته، بينما الآن وإلى العام 2040، ستجبر القيادة الأميركية على اختيار الدور الذي ترغب في تأديته. والسؤال المحوري، هل سيعلن رئيس أميركي صراحة عن استراتيجية شاملة جديدة توفق بين المصالح الأميركية والتزاماتها؟ إذا كانت الإجابة بنعم بحلول عام 2030، فترقبوا ما سيُتخلى عنه على الأرجح هي أوروبا.
أما إذا كانت الإجابة بلا بحلول، فترقبوا الأزمة التي ستفرض هذا التخلي في نهاية المطاف. فالإجابة ستحدد ما إذا كان الانتقال سيدار بتقليص تدريجي أم سينهار بشكل فوضوي. وفي كلتا الحالتين، سينتهي عهد الهيمنة الأميركية العالمية، والقلق الوحيد هو الجدول الزمني والأضرار الجانبية لهذا التراجع الحتمي.
المصدر: الميادين