التهديدات الإيرانية تعيد إبراز الأهمية الإستراتيجية لسلطنة عُمان
العرب اللندنية
الجمعة 3 تموز 2026
بدلاً من التركيز على القدرات العسكرية الأميركية أو على دور الأساطيل الغربية في حماية الملاحة، برزت سلطنة عُمان باعتبارها الحلقة الأكثر حساسية في معادلة أمن مضيق هرمز، والدولة التي قد يتوقف عليها نجاح أي إستراتيجية طويلة الأمد لضمان استمرار تدفق التجارة العالمية وإمدادات الطاقة.
بات الموقع الجغرافي الذي منح سلطنة عمان، على مدى عقود، دور الوسيط السياسي الهادئ يمنحها اليوم أيضا ثقلا أمنيا متزايدا، في ظل تصاعد المخاوف من سعي إيران إلى توسيع نفوذها على واحد من أهم الممرات البحرية في العالم.
وأظهرت التطورات الأخيرة قدرة إيران على التأثير في حركة الملاحة عبر الخليج، وهو ما انعكس في ارتفاع تكاليف التأمين والشحن وإثارة اضطرابات في أسواق الطاقة العالمية.
ورغم أن طهران لم تفرض سيطرة كاملة على مضيق هرمز، فإن ما أظهرته من قدرة على تهديد الملاحة البحرية دفع العديد من الدوائر الغربية إلى إعادة تقييم نقاط الضعف في منظومة الأمن الإقليمي.
وفي هذا السياق بدأت الأنظار تتجه نحو شبه جزيرة مسندم العُمانية، التي تشكل الضفة الجنوبية لمضيق هرمز، باعتبارها نقطة الارتكاز الأكثر أهمية في أي خطة مستقبلية لحماية حرية الملاحة.
ولا تكمن أهمية مسندم في موقعها الجغرافي فحسب، بل أيضاً في أنها تقابل مباشرة الساحل الإيراني، حيث تنتشر قواعد ومنشآت عسكرية قادرة على مراقبة حركة السفن والتأثير فيها.
وتفصل بين الجانبين مسافات قصيرة نسبيا، فيما يمر الجزء الأكبر من السفن التجارية عبر ممرات بحرية ضيقة، ما يجعل أي تصعيد عسكري أو أمني في هذه المنطقة قادرا على تعطيل جانب مهم من حركة التجارة البحرية العالمية.
وتزداد حساسية هذا الواقع بالنظر إلى أن مضيق هرمز يمثل شريانا رئيسيا لصادرات النفط والغاز الخليجية المتجهة إلى الأسواق العالمية، الأمر الذي يجعل أمنه قضية تتجاوز حدود المنطقة لتصبح جزءا من منظومة الأمن الاقتصادي العالمي.
ومن هنا لم يعد يُنظر إلى سلطنة عُمان باعتبارها دولة مجاورة للمضيق فحسب، وإنما باعتبارها صاحبة موقع قادر على التأثير في مستقبل حرية الملاحة في هذا الممر الإستراتيجي.
ويعزز هذا التقدير ما شهدته الأزمة الأخيرة من مؤشرات على سعي إيران إلى فرض واقع جديد في المضيق. فقد عززت طهران خطابها بشأن تنظيم حركة الملاحة، وأطلقت تحذيرات إلى السفن العابرة، بالتزامن مع حوادث استهدفت سفناً تجارية، في رسائل اعتبرها مراقبون محاولة لتأكيد أن أمن المضيق لن يكون منفصلاً عن الحسابات الإيرانية.
وفي مواجهة هذه التطورات سعت سلطنة عُمان إلى العمل على توفير مسار ملاحي أكثر أمناً داخل مياهها الإقليمية، بما يتيح للسفن العبور بعيدا عن مناطق الاحتكاك المباشر مع إيران. غير أن هذا الخيار يفرض تحديات كبيرة، سواء من حيث قدرة البحرية العُمانية على تأمين هذا الممر، أو من حيث المخاطر المرتبطة بازدحام حركة السفن واحتمالات التعرض لهجمات أو ألغام بحرية أو عمليات اعتراض.
وتعكس هذه المعطيات تحولاً في البيئة الإستراتيجية المحيطة بالسلطنة، التي بنت سياستها الخارجية، منذ عهد السلطان الراحل قابوس بن سعيد، على الحياد الإيجابي، وحافظت على قنوات تواصل مفتوحة مع مختلف الأطراف، بما فيها إيران والولايات المتحدة ودول مجلس التعاون الخليجي. وقد أتاح لها هذا النهج أداء أدوار وساطة في عدد من الأزمات الإقليمية، كما وفر لها قدرا من الاستقرار في بيئة إقليمية شديدة التعقيد.
لكن تصاعد التنافس بين الولايات المتحدة وإيران، واتساع نطاق التوتر في الخليج، يضعان هذا التوازن أمام اختبار متزايد. فكلما ازدادت أهمية مضيق هرمز في الحسابات العسكرية، تقلص هامش المناورة أمام مسقط، التي تجد نفسها مطالبة بالحفاظ على علاقاتها مع طهران، وفي الوقت نفسه توفير بيئة آمنة للملاحة الدولية بما ينسجم مع مصالح شركائها الخليجيين والدوليين.
وفي المقابل تتزايد داخل بعض الدوائر الغربية الدعوات إلى تعزيز الشراكة الأمنية مع سلطنة عُمان، انطلاقاً من أن ضمان أمن مضيق هرمز لا يعتمد على الوجود العسكري الخارجي وحده، بل يحتاج أيضاً إلى شريك إقليمي قادر على حماية الضفة الجنوبية للمضيق والتعامل مع مختلف التهديدات المحتملة.
الأنظار تتجه إلى شبه جزيرة مسندم العُمانية باعتبارها نقطة الارتكاز الأكثر أهمية في أي ترتيبات مستقبلية لضمان حرية الملاحة
ويرى أصحاب هذا التوجه أن الاعتماد على الانتشار العسكري الأميركي وحده لم يعد كافيا، سواء بسبب كلفته المرتفعة أو نتيجة تغير أولويات السياسة الأميركية على المستوى العالمي، وهو ما يجعل الاستثمار في قدرات الحلفاء الإقليميين خيارا أكثر استدامة.
وفي هذا السياق يرجح مراقبون أن تحظى سلطنة عُمان بدور أكبر في منظومة الأمن البحري الإقليمية إذا واصلت تطوير قدراتها في مجالات المراقبة البحرية، والطائرات المسيّرة، والأنظمة غير المأهولة، والدفاع الساحلي.
غير أن هذا التحول لا يخلو من تعقيدات، إذ تقوم السياسة الخارجية العُمانية على تجنب الانخراط في محاور أو تحالفات قد تُفسَّر على أنها موجهة ضد إيران.
ولذلك، فإن أي تعزيز للتعاون الأمني مع الولايات المتحدة سيحتاج إلى مراعاة هذا التوازن الدقيق، بما لا يؤدي إلى تقويض الدور الدبلوماسي الذي بنت عليه مسقط مكانتها الإقليمية.
وفي المقابل تدرك إيران أن أي تقارب أمني أميركي – عُماني قد يحد من قدرتها على استخدام مضيق هرمز كورقة ضغط إستراتيجية، وهو ما يفسر سعيها إلى تكريس حضورها العسكري والسياسي في المنطقة المحيطة بالمضيق، وإرسال رسائل تؤكد أنها لن تتخلى بسهولة عن نفوذها فيه.
كما تدرك مسقط أن استمرار الضغوط على الملاحة في مضيق هرمز يضعها أمام تحديات أمنية واقتصادية متزايدة، ويجعل أي تغيير في موازين القوى حول المضيق ذا انعكاسات مباشرة على أمنها الوطني ومصالحها الاقتصادية.
ولا يقتصر الأمر على الجانب العسكري، إذ إن أي اضطراب طويل الأمد في مضيق هرمز سينعكس مباشرة على الاقتصاد العُماني، سواء من خلال تراجع حركة التجارة، أو ارتفاع تكاليف النقل والتأمين، أو تأثر الاستثمارات المرتبطة بالموانئ والخدمات اللوجستية التي تراهن عليها السلطنة في جهودها لتنويع اقتصادها.
ولذلك، فإن حماية الملاحة لا تمثل بالنسبة إلى سلطنة عُمان قضية أمنية فحسب، بل ترتبط أيضاً بخططها التنموية وطموحاتها في ترسيخ مكانتها مركزا إقليميا للتجارة والنقل البحري.
كما أن إعادة إبراز الأهمية الإستراتيجية للسلطنة تتزامن مع تغيرات أوسع في الخليج، حيث تسعى دول المنطقة إلى تطوير مسارات بديلة لتصدير الطاقة وتقليل الاعتماد على مضيق هرمز، من دون أن يغير ذلك من حقيقة أن المضيق سيظل، في المستقبل المنظور، ممرا لا غنى عنه بالنسبة إلى جزء كبير من صادرات النفط والغاز العالمية.
وفي ضوء هذه التحولات، تبدو سلطنة عُمان أمام مرحلة جديدة تتجاوز دورها التقليدي كوسيط دبلوماسي إلى دور أكثر ارتباطاً بالأمن البحري الإقليمي. فالجغرافيا التي منحتها قدرة على بناء جسور التواصل بين الخصوم تفرض عليها اليوم أيضا مسؤوليات أكبر في حماية أحد أهم الممرات البحرية في العالم.
كما أن تصاعد التهديدات المرتبطة بإيران يجعل من تطوير القدرات الدفاعية العُمانية وتعزيز الشراكات الأمنية مسألة ترتبط ليس فقط بالأمن الوطني، وإنما أيضا باستقرار أسواق الطاقة والتجارة العالمية.
وبذلك، فإن التوترات الأخيرة في الخليج لم تعد تعيد رسم معادلات الردع فحسب، بل أسهمت أيضا في إعادة إبراز الأهمية الإستراتيجية لسلطنة عُمان.
وبينما تواصل مسقط التمسك بسياسة التوازن وعدم الانحياز، فإن موقعها على الضفة الجنوبية لمضيق هرمز يجعلها لاعبا لا يمكن تجاوزه في أي ترتيبات أمنية مستقبلية. وسيظل نجاحها في الجمع بين دور الوسيط السياسي والشريك الأمني أحد أبرز التحديات التي ستحدد مكانتها في النظام الإقليمي خلال السنوات المقبلة.