كُتّاب الموقع
مخاطر التعثر: لماذا قد يفشل الاتفاق الثلاثي في لبنان؟

العرب اللندنية

الجمعة 3 تموز 2026

يُنظر إلى الاتفاق الثلاثي بين لبنان وإسرائيل برعاية الولايات المتحدة بوصفه محاولة طموحة لإعادة هندسة العلاقة بين طرفين ظلا في حالة حرب فعلية لعقود. غير أن هذا الاتفاق، رغم أهميته السياسية، يحمل في داخله عناصر هشاشة بنيوية تجعل احتمال تعثره أو فشله قائمًا بقوة، خصوصًا في ظل تشابك العوامل المحلية والإقليمية والدولية المحيطة به.
 
وبينما يَعِد بوقف تدريجي للصراع وفتح مسار نحو تسوية طويلة الأمد، إلا أن آليات تنفيذه المعقدة تجعله أقرب إلى اختبار متعدد الطبقات، قد لا يصمد أمام أول اهتزاز سياسي أو ميداني.
 
ويكمن أول عناصر الخطر في طبيعة الاتفاق نفسه، الذي يقوم على مبدأ الخطوات المتزامنة بين الأطراف الثلاثة: لبنان، إسرائيل، والولايات المتحدة.
 
ويتحول هذا التزامن، الذي يفترض أن يخلق توازنًا في التنفيذ، عمليًا إلى نقطة ضعف، لأن أي تأخير أو إخفاق في خطوة واحدة يمكن أن يوقف كامل المسار. فالعملية ليست تسلسلًا خطيًا يمكن التحكم به بسهولة، بل شبكة مترابطة من الالتزامات المتبادلة، ما يجعلها شديدة الحساسية لأي خلل في التنفيذ أو التفسير السياسي.
 
وتتمثل العقدة المركزية التي تهدد الاتفاق في ملف سلاح حزب الله. فالحزب، المدعوم من إيران، يرفض مبدئيًا أي نقاش حول نزع سلاحه قبل الانسحاب الإسرائيلي الكامل من الأراضي اللبنانية، بينما تتمسك إسرائيل بأن أي انسحاب يجب أن يكون مشروطًا بتفكيك البنية العسكرية للحزب.
 
وتخلق هذه المعادلة المغلقة ما يشبه “حلقة مفرغة” تمنع التقدم الحقيقي، وتحوّل أي تقدم سياسي إلى مجرد إدارة مؤقتة للأزمة بدل حلها.
 
ولا يمكن فصل هذا الملف عن الدور الإيراني، الذي يشكل عنصرًا حاسمًا في معادلة التعثر المحتمل. فإيران، من خلال دعمها العسكري والسياسي لحزب الله، تملك قدرة مباشرة على التأثير في مستوى التصعيد أو التهدئة داخل لبنان.
 
كما أن إدراج لبنان ضمن تفاهمات أوسع بين واشنطن وطهران يمنح إيران مساحة إضافية للمناورة، ويجعل المسار اللبناني–الإسرائيلي مرتبطًا جزئيًا بمفاوضات إقليمية أوسع وأكثر تعقيدًا. هذا التشابك يضع الاتفاق في دائرة تأثيرات خارجية قد لا يستطيع الأطراف الثلاثة السيطرة عليها بالكامل.
 
ومن جهة أخرى، يقدم الاتفاق ما يسمى بـ”المناطق التجريبية” كآلية عملية لبناء الثقة. تقوم هذه الفكرة على انسحاب إسرائيلي تدريجي من مناطق محددة بعد إزالة وجود حزب الله منها، على أن ينتشر الجيش اللبناني فيها، وتعود الحياة المدنية تدريجيًا بدعم من إعادة الإعمار الدولية.
 
بينما يَعِد الاتفاق بوقف تدريجي للصراع وفتح مسار نحو تسوية طويلة الأمد، إلا أن آليات تنفيذه المعقدة تجعله أقرب إلى اختبار متعدد الطبقات، قد لا يصمد أمام أول اهتزاز سياسي أو ميداني.
 
ورغم أن هذه الآلية تبدو واقعية من الناحية النظرية، إلا أنها تحمل مخاطر كبيرة، أبرزها أن أي فشل في تحقيق نتائج سريعة وملموسة في هذه المناطق قد يؤدي إلى انهيار الثقة في الاتفاق بأكمله. فنجاح التجربة في نطاق محدود هو الشرط الأساسي لتوسيعها، وأي تعثر فيها سيقوّض فكرة الاتفاق من أساسها.
 
كما أن عنصر التمويل يشكل عاملًا حاسمًا في نجاح أو فشل هذه التجربة. فإعادة الإعمار في المناطق المتضررة تتطلب تدفقات مالية كبيرة وسريعة، يُفترض أن تأتي من الولايات المتحدة ودول الخليج. غير أن أي تأخير أو تردد في توفير هذه الأموال سيؤدي إلى فراغ تنموي وأمني في الوقت نفسه، ما قد يسمح بعودة نفوذ الأطراف الرافضة للاتفاق، وعلى رأسها حزب الله، إلى هذه المناطق. وبالتالي فإن الاقتصاد هنا ليس مجرد عنصر دعم، بل ركيزة أساسية في تثبيت الاتفاق على الأرض.
 
وعلى الجانب الإسرائيلي، يتمثل أحد مصادر الخطر في تفسير بند “حق الدفاع عن النفس”. فإذا استمرت إسرائيل في تنفيذ عمليات عسكرية واسعة تحت هذا البند، فإن ذلك سيقوض الثقة في الاتفاق، ويعطي انطباعًا بأنه لا يمثل تحولًا حقيقيًا في السلوك العسكري. فاستمرار العمليات أو توسعها سيجعل من الصعب إقناع السكان اللبنانيين بجدوى العودة إلى مناطقهم أو التعاون مع الجيش اللبناني، ما يضعف أحد أهم أهداف الاتفاق.
 
وأما الدولة اللبنانية، فهي أمام تحدٍ لا يقل صعوبة. فالاتفاق يفترض أن يتولى الجيش اللبناني مسؤولية الانتشار في المناطق التجريبية، ونزع سلاح حزب الله تدريجيًا، وضبط الأمن المحلي، وإدارة عمليات إعادة الإعمار. لكن قدرة الدولة على تنفيذ هذه المهام ليست مضمونة، في ظل محدودية الموارد والانقسامات السياسية الداخلية والتحديات الأمنية.
 
وأي ضعف في الأداء المؤسسي سيؤدي إلى فراغ تستفيد منه القوى المسلحة غير الحكومية، ما يعيد إنتاج المشكلة بدل حلها.
 
وإلى جانب ذلك، يشكل غياب الثقة بين الأطراف الثلاثة عنصرًا بنيويًا يهدد استمرارية الاتفاق. فكل طرف ينظر إلى الآخر بريبة عميقة، ما يجعل الالتزام بالتعهدات مرهونًا بحسابات قصيرة الأمد بدل رؤية استراتيجية مشتركة.
 
ويجعل هذا المناخ من الشك المتبادل الاتفاق عرضة للتأويلات المتناقضة، ويزيد من احتمالات سوء الفهم أو التصعيد غير المقصود.
 
الدور الأميركي، رغم كونه ضامنًا رئيسيًا للاتفاق، ليس محصنًا من التحديات. فالولايات المتحدة مطالبة ليس فقط بتنسيق الأطراف، بل أيضًا بفرض إيقاع التنفيذ وضمان التزام الجميع بالخطوات المتفق عليها. لكن أي تراجع في الانخراط الأمريكي أو ضعف في الضغط السياسي سيؤدي إلى فراغ قيادي، ما قد يسرّع من تفكك الاتفاق. فغياب “الضامن النشط” يحول الاتفاق من إطار مُدار إلى مسار مفتوح على الانهيار التدريجي.
 
كما أن العامل الزمني يمثل ضغطًا إضافيًا. فالاتفاق يفترض تحقيق نتائج سريعة، خصوصًا في المراحل الأولى، لإثبات جدواه أمام الجمهور المحلي والدولي. لكن بطء التنفيذ سيؤدي إلى فقدان الزخم السياسي والإعلامي، ويعزز موقف القوى الرافضة له، سواء داخل لبنان أو خارجه. فالاتفاق لا يملك رفاهية الوقت الطويل، بل يعتمد على إنجازات سريعة لإثبات نفسه.
 
وفي النهاية، يمكن القول إن الاتفاق الثلاثي في لبنان ليس مهددًا بسبب عامل واحد، بل بسبب تداخل مجموعة من العوامل: عقدة السلاح، الدور الإيراني، الحسابات الإسرائيلية، ضعف الدولة اللبنانية، حساسية التمويل، والتعقيد الأميركي في إدارة الملف. هذا التداخل يجعل الاتفاق مشروعًا عالي المخاطر، يمكن أن يتحول إلى نقطة تحول تاريخية إذا نجح، أو إلى حلقة جديدة في سلسلة طويلة من محاولات التسوية غير المكتملة إذا تعثر.