مبادرة خطّها الشرع بيده: طائف.. حوار.. ضمانات وعلاقات مميزة
منير الربيع
الخميس 2 تموز 2026
مبادرة سورية جديدة، كتبها الرئيس السوري أحمد الشرع بيده، ينقلها ويترجمها سياسياً وديبلوماسياً وزير الخارجية أسعد الشيباني في زيارته الثانية للبنان. عنوانها المساعدة والتكامل، والطمأنة إلى أن سوريا لا تريد التدخل العسكري في لبنان، ولا الصدام ولا العودة إلى إحياء رواسب العلاقات القديمة. تقوم المبادرة على مرتكزات عديدة، أهمها إرساء الثوابت التي تقوم على تطوير مسار العلاقات بين البلدين، سياسياً واقتصادياً، وتعزيز التعاون الأمني لضبط أمن البلدين، وعدم إضرار أي بلد بالآخر، إضافة إلى البحث في تكامل المسارات في مواجهة الاعتداءات الإسرائيلية، والتشديد على ضرورة انسحاب الاحتلال الإسرائيلي من الجنوبين اللبناني والسوري. وهذا لا ينفصل عن كلام الشرع سابقاً عن ضرورة استرجاع مزارع شبعا من الاحتلال وبعدها يتم التفاهم بين لبنان وسوريا على هويتها. كذلك، فإن دمشق ستبدي في مبادرتها استعدادها لطرح رؤية مساعدة سياسية للبنان عبر المبادرة بين مختلف المكونات حول كيفية حفظ الأمن والاستقرار وتطبيق اتفاق الطائف كاملاً.
لا ممر ولا مستقر
فالطائف ينص على العلاقات المميزة مع سوريا، وهذا ما يؤكد مسؤولو البلدين العمل عليه من خلال الزيارات المتبادلة والمسار الذي يجري إطلاقه، على قاعدة العلاقات الأخوية. ويؤكد اتفاق الطائف ضرورة ألا يُسمح بأن يكون لبنان ممراً أو مستقراً لأي قوة أو دولة أو تنظيم يستهدف المساس بأمن سوريا، وفي المقابل تتعهد سوريا بعدم القيام بأي عمل يهدد أمن وسيادة لبنان. وبما أن الطائف الذي يتمسك به لبنان وسوريا ينص على ضرورة حصر السلاح بيد الدولة، فإن دمشق قد تطرح مبادرة تقوم على الحوار بين اللبنانيين من مختلف المكونات حول سبيل تطبيقه، ومعالجة ملف السلاح مقابل حصول كل المكونات على ضمانات تحفظ أرضها وأمنها ومجتمعها، ولكن تحت سقف الدولة اللبنانية، وبما لا يشكل تهديداً بأي شكل من الأشكال لسوريا.
تمايز بري
هنا ثمة مسار جديد يفتح بين سوريا ورئيس مجلس النواب نبيه بري، الذي يعرف معاني الجغرافيا السياسية وأهميتها الاستراتيجية، وهو الذي لم ينخرط في أي قتال ضد ثورة الشعب السوري، وبقي متمايزاً عن حزب الله في هذا الموقف، وهو الذي أثارت مواقفه غضب بشار الأسد الذي اعتبر أن رئيس حركة أمل رفض الانخراط في سوريا إلى جانبه وجانب نظامه، بينما كان بري منذ الأيام الأولى للثورة السورية وتعامل بشار الأسد ببطش معها يقول في مجالسه الخاصة: "هذا النظام لا يمكنه أن يستمر، ولا يمكنه أن يحكم سوريا أو يعيد توحيدها". بري نفسه يعلم حجم المتغيرات الدولية والإقليمية، وما تفرضه من نتائج ووقائع تحتاج إلى مقاربات جديدة، وإحدى مقارباته لا تتعارض مع تحسين وتطوير العلاقات مع سوريا، كما لا تتعارض مع مبدأ حصر السلاح بيد الدولة، ولكن بشرط أن يكون ذلك مبنياً على الانسحاب الإسرائيلي بداية ووقف كل الاعتداءات بأشكالها المختلفة، والدخول في مسار توافقي داخلي حول استراتيجية أمن وطني أو استراتيجية دفاعية تحصر السلاح بيد الدولة بناء على خطوات متدرجة تبدأ بسحب السلاح في جنوب الليطاني، واحتوائه وتجميده في شمال الليطاني ليكون خاضعاً لسلطة الجيش اللبناني.
الدولة والمؤسسات
أمام هذه المقاربة، يبرز طرح في المبادرة السورية يرتكز على مبدأ البحث الدائم في لبنان عن حل سياسي هدفه دعم الدولة اللبنانية في تعزيز مؤسساتها، انطلاقاً من التفاهمات بين مكوناتها المختلفة، ولا تمانع دمشق في فتح أبواب أو قنوات التواصل المباشر أو غير المباشر مع حزب الله، إن كان ذلك يصب في مصلحة البلدين، ويبعث برسائل طمأنة إلى الداخل اللبناني أو الداخل السوري، بشكل لا يشعر حزب الله أو الطائفة الشيعية بأي تهديد من سوريا الجديدة، ولا يشكل الحزب أي تهديد لسوريا ولا يحاول التدخل بها. وهنا لا بد من الإشارة إلى أن الرئيس السوري أحمد الشرع سبق وقال في أحد اللقاءات الخاصة أنه في مرحلة من المراحل كانت جميع الفصائل المسلحة في المنطقة، ضحايا مشاريع وصراعات دولية وإقليمية، وفي معرض حديثه عن جبهة النصرة وحزب الله قال إن الطرفين كانا ضحايا لمثل هذه الصراعات، ولكنه فيما بعد قرر الخروج من تلك الدوامة، وهو ما قد يُلقى على مسامع الحزب.
مشروع إسرائيل
هنا يمكن اختصار المبادرة السورية بأنها ستوجه نصائح لكل اللبنانيين، حول التفاف مختلف القوى حول الدولة اللبنانية، لخلق موقف موحد في مواجهة المشروع الإسرائيلي الذي يريد السيطرة على لبنان إما عسكرياً أو أمنياً أو استثمار القوة العسكرية لتكريس نفوذ سياسي واقتصادي، وشق صفوف اللبنانيين. أما نقطة الارتكاز في الطرح السوري فهي ضرورة مناقشة كل الملفات العالقة انطلاقاً من المصالح المشتركة، وضمن حسابات لبنانية صرفة، بعيداً عن أي مشاريع إقليمية أو دولية، أو حسابات خاصة.
تحت سقف عربي
تعلم سوريا أن المنطقة تمر بمخاض جديد تتصارع فيه وتتسابق مشاريع ومسارات عديدة، بعضها ذات بعد دولي، والبعض الآخر ذات بعد إقليمي، بينما لا تعتبر أن من مصلحة لبنان وسوريا معاً تدويل الملفات أو أقلمتها، لذا هناك إصرار سوري على فتح قنوات التنسيق المباشر بين البلدين، وتحت سقف عربي، يهدف إلى منع حصول تصارع إقليمي أو دولي على أرضي البلدين. أما كل الكلام عن التدخل العسكري السوري في لبنان وضد حزب الله فيرد عليه الشرع بالقول إنه غير وارد وغير مطروح ولا يفكر به أبداً، وأن ارتكاز تفكيره يقوم على التكامل والاستقرار واستفادة سوريا ولبنان من ظروف المنطقة، وأنه ليس بوارد الدخول في معارك تعيد إنتاج الصراع المذهبي، وأن هناك حدوداً متداخلة وغير مرسمة، وسكاناً لبنانيين في سوريا، والعكس، ولا يمكن الدخول في صراعات أهلية، لأن ذلك لا يلبي إلا مصلحة إسرائيلية، وهو ما لا يمكن لدمشق أن تمنحه لتل أبيب.
المصدر: المدن