كُتّاب الموقع
اتفاق الإطار يشقّ الداخل اللبناني: هل يمر؟

زينب زعيتر

الثلاثاء 30 حزيران 2026

أشعل اتفاق الإطار مع إسرائيل انقساماً داخلياً جديداً في لبنان، وسط مشهد سياسي شديد التشابك. لم تعد الجدلية تقتصر على تقييم بنود الاتفاق، بل تمتد إلى جوهر مقاربته السياسية والقانونية، ومآلاته على مستوى السيادة والاستقرار الداخلي، خصوصاً أن تنفيذ أي انسحاب إسرائيلي من دون كلفة أو شروط، أمراً غير محسوم، في ظل استمرار الخروقات وتهجير السكان من جهة، وبقاء الأسرى في سجون الاحتلال، والتنازل عن حق مقاضاة إسرائيل كما يرد في البند الثالث عشر من الاتفاق من جهة أخرى.
 
تتسع الجبهة المعارضة للاتفاق يوماً بعد يوم، مع تزايد الأصوات التي تعيد التدقيق في مضامينه، وصولاً إلى شبه إجماع لدى أطراف سياسية وازنة على أنّه، لا يحقق مصلحة لبنان. ووفق لائحة متداولة فإنّ عشرين حزباً في لبنان تعارض الاتفاق، وترى فيه "اتفاق عار"، فيما تؤيده أربعة أحزاب فقط، هي "القوات اللبنانية"، "الكتائب"، "الوطنيين الأحرار" و" حزب الحوار الوطني"، وهي تستند إلى أن الاتفاق يعيد الاعتبار للدولة اللبنانية ويؤمن لها فرصة للاستقرار وفصل قرارتها عن المسار الإيراني. 
 
انقسام يفتح الباب أمام أسئلة مركزية، أولها هل يؤدي الاتفاق إلى أزمة داخلية في البلد، وضمنها تساؤلات، على ماذا يستند المؤيدون في قراءتهم للاتفاق؟ وما البدائل التي تطرحها القوى المعارضة؟ وكيف يُقرأ الربط بين أي انسحاب إسرائيلي من جنوب لبنان وملف سلاح حزب الله؟ أمّا الأبرز اليوم، فالسؤال المطروح: كيف يمكن أن تُدار المرحلة سياسياً وقانونياً إذا دخل الاتفاق مساره التنفيذي؟
 
ويتقدّم النقاش بين من يرى أنّ الاتفاق لا يرتّب التزامات دائمة ولا يحتاج إلى المرور في مجلس النواب، ومن يرى فيه سقطة دستورية تستوجب نقاشاً أوسع، ما يطرح أسئلة حول حدود الصلاحيات في إبرام اتفاق بهذا الحجم، وما إذا كان يمكن المضي به من دون غطاء سياسي وطني أوسع.
 
ولا يقتصر الجدل حول الاتفاق على بنوده أو أبعاده القانونية، بل يمتد إلى انعكاساته الداخلية، خصوصاً ما يتعلق بالترتيبات الأمنية ودور الدولة والجيش اللبناني في إدارة هذا المسار، وهذه كلها ملفات تحتاج إلى توافق داخلي وحوار سياسي أوسع قبل تثبيتها.  
 
الاتفاق كإطار لإدارة الصراع 
 
عضو كتلة "الكتائب اللبنانية" النائب سليم الصايغ يرى أنّ الاعتراضات السياسية لا تقدّم بديلاً عملياً، وأنّ تعطيل المسار قد يقود إلى مزيد من الانكفاء الداخلي، مشيراً إلى أنّ بقاء الوسيط الأميركي منخرطاً يشكل عنصراً أساسياً لضبط الصراع.  
 
ورداً على المعترضين على الاتفاق، يقول الصايغ في حديث مع "المدن": "هناك حملة يقودها الثنائي الشيعي ضد اتفاق الإطار، ولكن في المقابل هناك رئاسة جمهورية ومجلس نيابي وحكومة ومؤسسات، وإذا كان هناك من يريد الذهاب إلى استفتاء شعبي، فنحن جاهزون لمعرفة من يريد الحرب ومن لا يريدها".
 
بالنسبة إلى الصايغ "المعارضون للاتفاق لا يملكون أي بديل"، بل على العكس "يدخلون البلد في حالة انتحار". ويتابع: "يريدون استنساخ تجربة شباط الـ1984، ويوهمون الناس بأنهم من أسقط اتفاق 17 أيار. أمّا نحن فنقول إّن اتفاق الحدود البحرية أسوأ من 17 أيار، والأسوأ أنهم بسبب سياستهم أوصلونا إلى هذه الاتفاقات مع إسرائيل بعد مغامرات عام 2006، وجرّونا إلى حروب وأوصلونا إلى موقع تفاوضي مع إسرائيل. هم من أعادونا إلى الوراء وهم من دمّروا جنوب لبنان".
 
في المقابل، ورداً على سؤال عن أي بند من بنود الاتفاق يضمن سيادة واستقرار لبنان ويصب في مصلحته التي يدافع عنها وفريقه السياسي، يقول الصايغ: "ما يصب في مصلحة لبنان، هو أن الوسيط الأميركي لا يزال منخرطاً في العملية. لأنه لو انسحب الأميركي من القضية، وقد قال إنه يريد أن يترك لسوريا أن تتدخل وتقضي على حزب الله، فإن بقاء الأميركي منخرطاً في المسار يُعد أمراً أساسياً". ولكن هل يقوم الجانب الأميركي بهذا الدور ويؤمن الانسحاب وعودة الأسرى، وهو يترك لإسرائيل بنداً يسمح له بحرية الحركة، يجيب الصايغ: "ما عمل عليه الأميركي هو ضبط هذا الصراع. ففي الوقت الذي كان فيه لبنان مساحة مفتوحة للاحتلال، وكانت الضاحية مستباحة وكانت بيروت مستباحة، أتى الأميركي وضبط هذا الصراع، وقال إنه قادر على ممارسة الضغط اللازم، وترك في المقابل للإسرائيلي هامش التصرف إذا رأى تحركات في المنطقة".
 
ورداً على موقف رئيس الجمهورية القائل إن الاتفاق حقّق السيادة، وسؤال عمّا إذا كانت السيادة قد تحققت في ظل استمرار الطيران الإسرائيلي والخروقات والاعتداءات في الجنوب، قال "هذا الاتفاق وضع لبنان على مسار السيادة، والسيادة اللبنانية وضعت في مسار الحماية لتحقيق هذه السيادة".
 
وفيما يتعلق بالمسار الدستوري للاتفاق، قال إنّه "لا يحتاج إلى مجلس النواب لأنه لا يرتّب التزامات دائمة"، مضيفاً: "في موضوع كاريش كان الحديث عن ضرورة المرور بمجلس النواب، أما هذا الاتفاق فهو اتفاق إطار لوضع مسار وخارطة طريق". 
 
العودة إلى اتفاق الهدنة 
 
على المقلب الأخر، يطرح عضو كتلة "التنمية والتحرير" النائب محمد خواجة جملة اعتراضات، معتبراً أنّ الاتفاق يتضمن أربعة عشر بنداً لا يظهر فيها ما يخدم لبنان بشكل واضح، بل يحمل طابع الإلزام والضغط، مشككاً في جدوى بعض المناطق المدرجة ضمن الاتفاق. ويذهب أبعد من ذلك باعتبار أنّ البدائل موجودة وأبرزها العودة إلى اتفاق الهدنة، محذّراً من أنّ المسار الحالي قد ينقل الاشتباك إلى الداخل اللبناني ويعمّق الانقسام السياسي. ويتساءل خواجة في حديث مع "المدن": "لماذا يُفترض بلبنان أن يوافق على اتفاق يرى أنّه جاء لمصلحة إسرائيل"؟ وفيما يتعلق بالمناطق التجريبية التي أدرجت ضمن الاتفاق، فتثير علامات استفهام، مشيراً إلى أنّ فرون وزوطر الغربية، لا تُعد أساساً مناطق واقعة تحت الاحتلال الإسرائيلي، معلقاً "عم يبيعونا من جيبتنا". ويرى خواجة أنّ بنود الاتفاق تحمل طابع الإلزام والضغط والتهديد، معتبراً أنّ إسرائيل لا تجد مشكلة في إبقاء الوضع القائم لسنوات طويلة إذا كان ذلك يحقّق مصالحها، فيما يبقى لبنان أمام مسار مفتوح زمنياً من دون ضمانات واضحة.
 
ويشير خواجة إلى أنّ بين البدائل المطروحة العودة إلى اتفاق الهدنة، معتبراً أنّ هذا الخيار لم يجرِ التطرّق إليه ضمن اتفاق الإطار، ويصف ما حصل بأنّه "وثيقة استسلام للبنان". كما وجّه خواجة انتقاداً إلى موقف رئيس الجمهورية جوزاف عون، داعياً إلى شرح الكيفية التي يحافظ بها الاتفاق على سيادة لبنان، "أين هي السيادة وممنوع على سكان عشرات البلدات في الجنوب من العودة إليها، وعدم وجود جدول زمني واضح لذلك". 
 
ويرى خواجة أنّ ما سعت إليه الدولة اللبنانية هو "قطع الطريق على رهانات مرتبطة بتفاهمات إقليمية ودولية، وعلى إيران بالدرجة الأولى"، مؤكداً أنّ موقفهم السياسي يتمثّل في التعامل مع الاتفاق وكأنّه غير قائم. 
 
ورداً على سؤال حول ما إذا أخذ الاتفاق مساره التنفيذي، قال إنّ الموقف حينها سيُبنى على مقتضيات المرحلة، مؤكداً في الوقت نفسه الحرص على وحدة البلاد والاستقرار الداخلي، ورفض أي مسار قد يدفع اللبنانيين إلى الانقسام أو المواجهة الداخلية. ورأى خواجة أنّ الاعتراض على الاتفاق لا يقتصر على الثنائي، بل يعكس موقف شريحة واسعة من اللبنانيين الذين يعتبرون أنّ الاتفاق لا يخدم مصلحة لبنان، معتبراً أنّه كما سقط اتفاق 17 أيار، فإن هذا الاتفاق أيضاً قد يواجه المصير نفسه.
 
وختم بدعوة رئيس الجمهورية جوزاف ورئيس الحكومة نواف سلام عون إلى التراجع عن القرار، تحت عنوان الحفاظ على السيادة، مؤكداً أنّ أي خلافات داخلية يجب أن تُعالج عبر الحوار الداخلي.
 
سردية السلاح 
 
بدوره، يقدّم عضو تكتل "الجمهورية القوية" النائب رازي الحاج، مقاربة مختلفة تقوم على اعتبار أنّ التجربة التي حكمت لبنان خلال العقود الماضية، والقائمة على خيار السلاح ومحور الممانعة، أوصلت البلاد إلى الحروب والدمار والأزمات المتراكمة. ويرى في حديث مع "المدن" أنّ السردية التي قامت على أنّ السلاح يشكل عامل حماية وردع لم تُنتج النتائج الموعودة، وأنّ اللحظة الحالية تفرض الانتقال إلى اختبار "خيار الدولة" للمرة الأولى.
 
ورداً على ما إذا كان هذا الاتفاق قادرًا على تأمين السيادة للبنان، يعتبر الحاج أنّ ذلك يبقى مرتبطاً بالتزام الدولة بحصرية السلاح وترسيخ مفهوم الدولة السيادية، مشيراً إلى أنّ أي عدم التزام إسرائيلي عندها يفتح مساراً مختلفاً للنقاش. كما يربط الدفاع عن الاتفاق بالمؤسسات القائمة، من حكومة ورئاسة جمهورية وأطر دستورية، رافضاً أي انتقال من نموذج الدولة التعددية إلى نموذج أحادي القرار.
 
فهل يملك هذا الاتفاق فرصاً فعلية للتنفيذ على أرض الواقع؟ أم أنّ الانقسام السياسي والدستوري، إلى جانب الوقائع الميدانية، سيجعل منه عنواناً جديداً لإدارة الأزمة بدل إنهائها؟
 
المصدر: المدن