"اختبار" المناطق التجريبية: عودة السيادة أم إدارة الاحتلال؟
بتول يزبك
الإثنين 29 حزيران 2026
بعد سيل التّسريبات الإسرائيليّة التي برزت أمس بشأن "المناطق التّجريبيّة" في جنوب لبنان، بدأت تتّضح صورة أكثر تعقيدًا من تلك الّتي يوحي بها مفهوم الانسحاب في ظاهره. فهذه المناطق، القائمة على انسحاب الجيش الإسرائيليّ من مساحات جغرافيّة محدّدة تمهيدًا لتسلّم الجيش اللّبنانيّ زمام السّيطرة، قد تتحوّل، وفق المعطيات المتداولة، إلى أداة سياسيّة وأمنيّة لاختبار قدرة الدّولة اللّبنانيّة، وإلى وسيلة لإبقاء الانسحاب مشروطًا وقابلًا للتّعليق أو التّراجع.
وتكشف التّصريحات الصّادرة عن مسؤولين إسرائيليّين، إلى جانب ما تنشره وسائل الإعلام العبريّة، أنّ المرحلة التّجريبيّة لا تقوم بالضّرورة على انسحاب نهائيّ أو نقل كامل للسّلطة، بقدر ما تؤسّس لصيغة ميدانيّة مرنة تحتفظ فيها إسرائيل بما تسمّيه "السّيطرة العمليّاتيّة بالنّيران"، وتمنح نفسها حقّ العودة إلى المناطق التي تنسحب منها متى اعتبرت أنّ شروط الاتّفاق لم تُنفّذ.
انسحاب قابل للعكس
في هذا السّياق، أفادت "القناة 15" الإسرائيليّة بأنّ الملحق الأمنيّ للاتّفاق الإطاريّ يسمح للجيش الإسرائيليّ بالدّخول مجدّدًا إلى المناطق التّجريبيّة.
ويعني ذلك، عمليًّا، أنّ الانسحاب المنتظر لا يرقى إلى مستوى إنهاء الاحتلال أو نقل السّيادة بصورة نهائيّة، بل يقترب من إعادة انتشار مشروطة يمكن التّراجع عنها بقرار إسرائيليّ يستند إلى تقدير أمنيّ أحاديّ.
ومن هذه الزّاوية، تتحوّل "المنطقة التّجريبيّة" إلى مساحة رماديّة بين الانسحاب والبقاء. فهي ليست أرضًا محرّرة بالكامل تخضع للسّيادة اللّبنانيّة الحصريّة، وليست أيضًا منطقة احتلال معلن وفق الصّيغة التّقليديّة، بل منطقة اختبار تراقب فيها إسرائيل أداء الجيش اللّبنانيّ، وتحتفظ لنفسها بحقّ التّدخّل، فيما تبقى الحدود الفاصلة بين الانتشار اللّبنانيّ والوصاية الأمنيّة الإسرائيليّة غير واضحة.
وفي السّياق نفسه، نقلت صحيفة "يديعوت أحرونوت" عن مصدر أمنيّ إسرائيليّ قوله: "إذا لم ينجح الجيش اللّبنانيّ في المنطقتين الميدانيّتين، فلن نمضي في إنشاء مناطق إضافيّة".
ويكشف هذا الموقف أنّ إسرائيل لا تنظر إلى المنطقتين بوصفهما خطوة أولى في مسار انسحاب حتميّ، بل باعتبارهما امتحانًا أمنيًّا يُبنى على نتائجه مستقبل الاتّفاق كلّه.
فالجيش اللّبنانيّ مطالب، وفق هذه المقاربة، بإثبات قدرته على منع عودة عناصر حزب الله، ومصادرة السّلاح، وإزالة البنية العسكريّة، وضبط المنطقة بما يتوافق مع الشّروط الإسرائيليّة. وبذلك، لا يعود نجاح المرحلة مرتبطًا فقط بقدرة الدّولة اللّبنانيّة على الانتشار، بل بمدى اقتناع إسرائيل بأنّ هذا الانتشار يلبّي معاييرها الأمنيّة.
وهنا تكمن إحدى أبرز مشكلات الصّيغة التّجريبيّة، إذ تمنح إسرائيل دور المراقب والحَكَم في آنٍ معًا، وتجعل الانتقال إلى مراحل إضافيّة خاضعًا لتقييمها المنفرد.
نزع السّلاح شرطًا للانسحاب
إلى جانب التّسريبات الصّحافيّة، نُقل عن وزير الخارجيّة الإسرائيليّ جدعون ساعر قوله إنّه "لا أمن على حدودنا الشّماليّة إلّا بنزع سلاح حزب الله"، فيما أعلن وزير الأمن يسرائيل كاتس أنّ الجيش الإسرائيليّ سيواصل عمليّاته في لبنان "لإزالة التّهديدات وضمان أمن سكّان الشّمال".
ويضع هذان الموقفان المناطق التّجريبيّة ضمن معادلة أوسع، لا تقتصر على جنوب لبنان أو على المواقع التي سينتشر فيها الجيش اللّبنانيّ، بل تمتدّ إلى ملفّ سلاح حزب الله في لبنان كلّه.
فإسرائيل لا تتعامل مع المرحلة التّجريبيّة باعتبارها نهاية جزئيّة للصّراع، بل بوصفها أداة ضغط تنقل النّقاش من مسألة الانسحاب إلى مسألة السّلاح. وبهذه الطّريقة، يصبح الانسحاب مرتبطًا بشرط واسع وغير محدّد زمنيًّا، هو نزع سلاح حزب الله، ما يسمح لإسرائيل بإبقاء وجودها العسكريّ مفتوحًا طالما اعتبرت أنّ هذا الشّرط لم يتحقّق.
وتزامن ذلك مع إعلان الجيش الإسرائيليّ مواصلة عمليّاته في ما سمّاه "المنطقة الأمنيّة"، وفق توجيهات المستوى السّياسيّ، مشيرًا إلى أنّه سيسمح للجيش اللّبنانيّ بالبدء في التّرتيبات اللّازمة لتسلّم منطقتين تجريبيّتين.
لكنّه أكّد، في الوقت نفسه، أنّه يحافظ على "السّيطرة العمليّاتيّة بالنّيران" في جميع المناطق التي سيطر عليها، وأنّه يمنع عودة السّكّان أو عناصر حزب الله إليها.
ويطرح هذا الإعلان تناقضًا جوهريًّا بشأن طبيعة الانسحاب نفسه، إذ لا يمكن الحديث عن انتقال كامل للسّيادة إذا بقيت إسرائيل قادرة على استهداف المنطقة، ومنع السّكّان من العودة إليها، وتحديد الجهات المسموح لها بدخولها.
كما أنّ الاحتفاظ بالسّيطرة بالنّيران يعني أنّ الجيش اللّبنانيّ قد يتسلّم أرضًا تبقى مكشوفة أمنيًّا وعسكريًّا أمام إسرائيل، ما يجعل انتشاره محكومًا بتوازن دقيق بين متطلّبات السّيادة وشروط التّنسيق الميدانيّ.
خريطة لم تُحسم بعد
في موازاة ذلك، تتّجه الأنظار إلى قريتَي زوطر الغربيّة وفرون، اللّتين كشفت هيئة البثّ الإسرائيليّة أنّهما ستشكّلان محور المرحلة التّجريبيّة الأولى.
وكان رئيس الوزراء الإسرائيليّ بنيامين نتنياهو قد ظهر، خلال إحاطة مصوّرة، وخلفه خريطة تُظهر المنطقتين اللّتين يُفترض تسليمهما لاحقًا إلى الجيش اللّبنانيّ.
وبحسب تقارير إسرائيليّة، قد تشمل المنطقة الواقعة شمال نهر اللّيطاني نطاقًا يضمّ زوطر الشّرقيّة وزوطر الغربيّة ويحمر الشّقيف، فضلًا عن المنطقة المحيطة بقلعة الشّقيف وبلدات أرنون وكفرتبنيت وأطراف ميفدون.
أمّا جنوب نهر اللّيطاني، فقد تشمل المنطقة نطاقات جغرافيّة وبلدات تقع خارج خطوط المواجهة المباشرة، وتُعدّ من أولى محطّات انتشار الجيش اللّبنانيّ وتفتيشه، وبينها دير سريان والطّيّبة والقنطرة وقرى أخرى متاخمة لخطوط الانتشار التّجريبيّة.
لكنّ الحدود النّهائيّة لهذه المناطق لم تُحسم بعد، إذ يُفترض أن تتولّى اللّجان العسكريّة الميدانيّة ومجموعة التّنسيق الثّلاثيّة مهمّة تحديدها وترسيمها.
ولا يبدو هذا الغموض مجرّد تفصيل تقنيّ، بل قد يكون جزءًا من بنية الاتّفاق نفسه، لأنّ إبقاء الحدود مرنة يتيح تعديلها وفق نتائج الاختبار الميدانيّ والتّفاهمات السّياسيّة.
مرحلة أولى أم إقامة طويلة؟
في مقابل الحديث عن انسحاب تجريبيّ، أعلن كاتس أنّ نتنياهو أوعز إلى الجيش بالاستعداد لـ"بقاء طويل" داخل المنطقة الأمنيّة، التي قال إنّها تمتدّ حتّى عشرة كيلومترات داخل الأراضي اللّبنانيّة.
كما أكّد أنّه "لن تكون هناك إعادة انتشار أو انسحاب ما دام حزب الله لم يُنزَع سلاحه في كلّ لبنان".
ويكشف هذا الموقف أنّ مفهوم "المرحلة التّجريبيّة" يحمل تفسيرين متناقضين. فبالنّسبة إلى لبنان، يُفترض أن تكون خطوة أولى نحو انسحاب شامل واستعادة السّيادة، فيما تتعامل معها إسرائيل بوصفها اختبارًا قد يبرّر تثبيت وجودها العسكريّ وإطالة أمده.
ومن هنا، تصبح المرحلة الأولى قابلة للتحوّل إلى مرحلة مفتوحة، ولا سيّما إذا ربطت إسرائيل الانتقال إلى المراحل التّالية بهدف واسع مثل نزع سلاح حزب الله في جميع الأراضي اللّبنانيّة.
طريق طويل وفرص محدودة
رأت صحيفة "إسرائيل هيوم" أنّ طريق تنفيذ الاتّفاق بين لبنان وإسرائيل لا يزال طويلًا ومعقّدًا ومليئًا بالعقبات، مشيرةً إلى أنّ فرص نجاحه ليست مرتفعة.
وتنسجم هذه القراءة مع طبيعة الشّروط المتداخلة التي تحكم المناطق التّجريبيّة، إذ يتطلّب توسيعها توافقًا عسكريًّا وسياسيًّا، ونجاحًا ميدانيًّا للجيش اللّبنانيّ، وقبولًا إسرائيليًّا بنتائج انتشاره، فضلًا عن ضبط حزب الله ومنع عودته إلى المنطقة.
كما أنّ استمرار الغارات الإسرائيليّة، ومنها الغارة على دير سريان، يضعف الثّقة بإمكان تحوّل المرحلة التّجريبيّة إلى مسار مستقرّ، ويؤكّد أنّ إسرائيل لا تزال تفصل بين تسليم الأرض ووقف عمليّاتها العسكريّة.
اختبار للسّيادة لا للانتشار فقط
تضع صيغة المناطق التّجريبيّة الدّولة اللّبنانيّة أمام اختبار مزدوج. فهي مطالبة بإثبات قدرتها على بسط سلطتها ونشر جيشها ومنع وجود أيّ سلاح خارج المؤسّسات الشّرعيّة، وفي الوقت نفسه مطالبة بمنع تحوّل هذا الانتشار إلى غطاء لاستمرار الوصاية الأمنيّة الإسرائيليّة.
ولا يتعلّق الاختبار، هنا، بقدرة الجيش اللّبنانيّ على الدّخول إلى القرى فحسب، بل بقدرته على فرض سيادة غير منقوصة، تسمح بعودة السّكّان وتمنع إسرائيل من الاحتفاظ بحقّ التّدخّل الدّائم.
أمّا إسرائيل، فتستخدم المرحلة التّجريبيّة لإعادة تعريف الانسحاب، من خطوة عسكريّة واضحة إلى عمليّة تدريجيّة قابلة للتّعليق، ومشروطة بتقييمات أمنيّة قد تتبدّل باستمرار.
تسوية مؤقّتة أم واقع دائم؟
الانتقال من وقف التّصعيد إلى إنهاء الاحتلال لا يزال محكومًا بشروط متعارضة. فلبنان يريد انسحابًا يفتح الباب أمام استعادة السّيادة، فيما تريد إسرائيل انتشارًا لبنانيًّا يضمن أمنها، ويُبقي لها في الوقت نفسه حقّ العودة والتّدخّل.
وعليه، فإنّ "المنطقة التّجريبيّة" ليست آليةً وحسب في اتّفاق الإطار، بل تمثّل جوهره السّياسيّ والأمنيّ. فنجاحها قد يفتح الباب أمام انسحاب أوسع وانتشار متدرّج للجيش اللّبنانيّ، أمّا فشلها، أو إعلان إسرائيل فشلها، فقد يحوّلها إلى ذريعة لتثبيت "المنطقة الأمنيّة" وإطالة أمد الاحتلال.
وبين الاحتمالين، يبقى السّؤال الأهمّ: هل ستكون المناطق التّجريبيّة بداية استعادة السّيادة اللّبنانيّة، أم صيغة جديدة لإدارة الاحتلال من دون إنهائه؟
المصدر: المدن