كُتّاب الموقع
عمق التفاوض تحقيق السلام.. واشنطن: إذا فشلتم لكم إسلام أباد!

منير الربيع

الجمعة 26 حزيران 2026

بكثير من الصعوبة والتشنج سارت المفاوضات الإسرائيلية اللبنانية على مدى ثلاثة أيام برعاية الولايات المتحدة الأميركية. تفاوتت أجواء الجلسات بين التوتر والتشنج وعدم تحقيق تقدم، وبين إصرار الأميركيين على الخروج بإعلان نوايا هدفه رسم مسار واضح للعلاقات اللبنانية الإسرائيلية، وإنهاء حالة العداء بين البلدين والانتقال إلى مرحلة من السلام. أصر الأميركيون على تضمين أي بيان أو إعلان نوايا مصطلح "تحقيق السلام بين لبنان وإسرائيل"، بينما حاول لبنان أن يتجنب مثل هذه العبارة مع الإصرار على اتفاق الهدنة ووقف العمليات العدائية. العنوان العريض للمفاوضات يتجاوز كل التفاصيل المرتبطة بالحديث عن مناطق تجريبية أو انسحاب إسرائيلي. فما يريده الأميركيون والإسرائيليون هو الانتقال إلى مستوى جديد من العلاقات بين البلدين، والعمل على سحب سلاح حزب الله بالكامل، بغض النظر عن كيفية الوصول إلى ذلك.
 
حرية الحركة
 
أصبح واضحاً أن الأميركيين مارسوا ضغطاً على إسرائيل أولاً لوقف النار بشكل كامل، وثانياً للانسحاب من لبنان. لكنهم في المقابل أرادوا من لبنان تقديم تنازلات لها علاقة بإنهاء حالة العداء مع إسرائيل ووضع إطار للتفاهم حول آلية سحب سلاح حزب الله. الموقف الأميركي دفع بالسفير الإسرائيلي في أميركا يحيئيل ليتر إلى رفض ما سمّاه "إزاحة القطار عن السكة" وتحويل الاهتمام من تفكيك حزب الله والاتفاق مع الدولة اللبنانية حول هذا الأمر إلى مناقشة وقف النار والانسحاب الإسرائيلي، بينما كانت المطالب اللبنانية واضحة لجهة تثبيت وقف إطلاق النار، ووضع جدول زمني للانسحاب. وهو ما لم يقبل به الإسرائيليون الذين رفضوا أيضاً الالتزام بتثبيت وقف إطلاق النار وعدم القيام بأي عملية عسكرية ووقف الاغتيالات، لا بل حاول الإسرائيليون الاحتفاظ بحرية الحركة والحق بتنفيذ عمليات عسكرية، وهو ما رفضه لبنان.
 
الانسحاب من بلدات محددة
 
عندما احتد النقاش حول هذه المسألة، تدخل الأميركيون ومارسوا المزيد من الضغوط على الإسرائيليين لدفعهم إلى الانسحاب من بعض النقاط، فعرض الإسرائيليون الانسحاب من منطقتي الوزاني وعين عرب في القطاع الشرقي، لكنهم لم يلتزموا بذلك. ولدى مناقشة مسألة الانسحاب من مناطق واسعة، وفق الطرح الذي تقدم به لبنان وهو الانسحاب من الأقضية، خصوصاً أن الوفد اللبناني اقترح الانسحاب من قضاء صور، وبدء تحرك الجيش باتجاه المناطق التي يتم الانسحاب منها، رفض الإسرائيليون ذلك، وتمسكوا بالانسحاب من بلدات محددة، مثل الانسحاب من علي الطاهر وكفرتبنيت، وزوطر الشرقية وزوطر الغربية، وقد طلب الإسرائيليون من الجيش اللبناني أن يدخل للسيطرة على علي الطاهر وتفكيك المنشآت العسكرية فيها، هذا الأمر اعتبره الوفد العسكري اللبناني محاولة لإدخال لبنان في مشكلة داخلية، والدخول في صدام مع حزب الله، بينما عملية سحب سلاح الحزب تحتاج إلى مسار لبناني من دون تدخل إسرائيلي. واقترح الجيش اللبناني انسحاب إسرائيل مثلاً من مجدل زون ودخول الجيش الى النفق المكتشف هناك، لكن الإسرائيليين رفضوا ذلك واعتبروا أنهم يريدون قيام الجيش بمهمة سحب سلاح حزب الله في شمال الليطاني وجنوبه، ولكن في المناطق التي لم تدخل إليها القوات الإسرائيلية، على اعتبار أن المناطق التي دخلتها إسرائيل في جنوب الليطاني لا تحتاج للتنظيف عسكرياً لأن القوات الإسرائيلية هي التي تولت ذلك.
 
الجيش والإسرائيليون
 
في المضمون تريد إسرائيل أن يعمل الجيش اللبناني بناء على توجيهاتها، وهذا ما رفضه الوفد اللبناني بشقيه العسكري والسياسي. وهنا جرى الانتقال إلى مشكلة أخرى، تتعلق بكيفية عمل الجيش في الجنوب، وسط إصرار إسرائيلي على تشكيل وحدات خاصة من الجيش مهمتها التنسيق مع الجيشين الإسرائيلي والأميركي في عملية سحب السلاح. بينما كان الرد اللبناني رافضاً بشكل قاطع لأي تعاون مع الجيش الإسرائيلي، بالإضافة إلى رفض مسألة انشاء وحدات خاصة، لأن هذا يعتبر تدخلاً في شؤون الجيش وكيفية إدارة قطعاته العسكرية.
 
احتمالات لن تُحسم
 
إلى جانب الضغوط الأميركية على إسرائيل، مورست ضغوط على لبنان أيضاً، على قاعدة ضرورة الوصول إلى تفاهم مع إسرائيل والخروج بإعلان النوايا، خصوصاً أن الإسرائيليين لوّحوا بالانسحاب من المفاوضات في حال لم يتم تحقيق التقدم المطلوب، وهنا نصح الأميركيون اللبنانيين بأنه في حال فشلت المفاوضات فهذا يعني إعادة ربط مسار لبنان بمسار اسلام أباد والمفاوضات الإيرانية الأميركية، وهذا لن يصب في مصلحة الدولة اللبنانية. حتى الآن تتكون خلاصة، أن مسار الجنوب سيبقى مفتوحاً على احتمالات متعددة، جميعها لن تكون محسومة في المدى الزمني القريب. فأولاً حزب الله يرفض الاعتراف بالمفاوضات والالتزام بأي نتيجة عنها، وهو يصر على ربط ملف لبنان بملف إيران. ثانياً، إسرائيل ترفض الانسحاب الكامل من جنوب لبنان من دون ضمان تفكيك سلاح حزب الله في كل منطقة جنوب الليطاني، وفي مناطق أساسية وواسعة في شمال الليطاني. ثالثاً، في حال صدر إعلان النوايا، فذلك قد يتسبب بمشكلة سياسية داخلية، لا سيما أن مصادر الثنائي الشيعي تؤكد رفضها الاعتراف به، وأن ما توافق عليه هو حصراً إتفاق 27 تشرين الثاني من العام 2024، مع ضمان وقف كامل للنار، وسط تحذيرات يطلقها حزب الله من الردّ على أي عملية ينفذها الإسرائيليون، وهو ما لا ينفصل عن كلام قائد فيلق القدس اسماعيل قاآني بأنه في حال لم تنسحب إسرائيل من الجنوب بإرادته، فإن حزب الله سيعمل على إجبارها على الانسحاب بالقوة العسكرية.
 
 
المصدر: المدن