الأميركيون الديموقراطيون يكشفون خفايا الصفقة المتعلقة بلبنان
جورج حايك
الأربعاء 24 حزيران 2026
في ظلّ ضياع الرأي العام اللبناني وانقسامه بين من يرجّح أن مسار المفاوضات سيؤدي إلى رفع النفوذ الإيراني عن لبنان ونزع سلاح "حزب الله"، ومن يعتبر أنه سيعزّز الحضور الإيراني فيه ويُمكّن "الحزب" من المحافظة على سلاحه، تتّجه الأنظار إلى واشنطن، حيث يبدو المشهد السياسي أكثر وضوحاً، باعتبارها عاصمة القرار السياسي الأساسية التي تُطبخ فيها السيناريوهات والحلول. وحتماً، ليس لبنان بعيداً عن الأجندة الأميركية - الإيرانية، إذ كان جزءاً من الصراع الذي نشأ منذ أكثر من مئة يوم.
لا شكّ في أن الحزب الديمقراطي الأميركي يتابع ما يجري في هذه المفاوضات. ورغم ابتعاده عن البيت الأبيض الذي يحكمه رئيس من الحزب الجمهوري، تؤكد مصادر ديمقراطية مطّلعة أن الرئيس دونالد ترامب نجح في إعادة فتح مضيق هرمز، لكن لا يزال هناك الكثير مما يجب فعله خلال الستين يوماً المقبلة لمعالجة العديد من القضايا العالقة، بما في ذلك كبح جماح الطموحات النووية الإيرانية، وتحديد نطاق تخفيف العقوبات، وحجم الدعم المالي الموعود به. وتلفت المصادر إلى أن من المثير للدهشة أن الاتفاق يشمل الحرب الإسرائيلية مع "الحزب" في لبنان، ويثير احتمال أن يصبح الوجود العسكري الأميركي في المنطقة قابلاً للتفاوض.
إيران فرضت أجندتها؟
وترى المصادر الديمقراطية أن مذكرة التفاهم تُفهم، في المقام الأول، على أنها وقف لإطلاق النار، إلا أن هذا الترتيب سيُمدَّد إلى أجل غير مسمى ريثما يتم التوصل إلى اتفاق شامل. وتستدل على ذلك بقول ترامب نفسه:"إذا لم تُعجبني، فسنعود إلى إطلاق النار عليهم وإلقاء القنابل على رؤوسهم". إلا أنه يدرك أن إيران قادرة على شلّ حركة مضيق هرمز، وأن وجود الأسطول الأميركي بأكمله قد لا يكون كافياً لردعها ما لم يُقدِم على عملية عسكرية مكلفة لكسر هذه المعادلة.
ووفق المصادر الديمقراطية، فإن اتفاق ترامب يعكس أولويات إيران حتى الآن أكثر مما يعكس أولويات الولايات المتحدة. فالإيرانيون يتحدثون عن انتصار، وقد نجحوا جزئياً في فرض أجندتهم على المفاوضات. ولا تزال هذه الأجندة شبه خالية من البحث الجدي في الملف النووي، باستثناء ما أعلنته طهران مسبقاً من أنها لن تُصدّر اليورانيوم العالي التخصيب، وأنها لا تعتبر الوكالة الدولية للطاقة الذرية جهة محايدة. وإذا تمسكت بهذا الموقف، فلن يكون بالإمكان التحقق من أي اتفاق نووي بصورة كافية. كما أنها لم تتخلَّ عن استثمار نفوذها الجغرافي لتحقيق مكاسب مادية قد تتخذ أشكالاً مختلفة، من رسوم العبور إلى الحصول على مقابل مالي لقاء عدم استهداف دول الخليج.
جرأة إيران ازدادت بعد الحرب
وتكشف المصادر الديمقراطية ما هو أخطر من ذلك، إذ ترى أن جرأة إيران ازدادت بعد هذه الحرب، إلى حدّ أنها فرضت على الفريق المفاوض الأميركي البحث في سلوك إسرائيل في لبنان. بل نجحت في ربط الاتفاق بالأحداث اللبنانية، وهو ما يُعدّ، برأيها، مصدر قلق بالغ لإسرائيل، علماً أن مصالح الدولة اللبنانية وإسرائيل تتقاطع في ما يتعلق بخروج إيران من لبنان، إلا أن الاتفاق يبدو وكأنه يدعو، بدلاً من ذلك، إلى إنهاء العمليات العسكرية الإسرائيلية هناك.
وتشير المصادر إلى أن ترامب قيّد الحركة الإسرائيلية في لبنان، فيما ستواصل إيران دعم "الحزب"، سراً إذا لزم الأمر. وإذا ألزمت الإدارة الأميركية إسرائيل بالانسحاب من بعض المواقع في الجنوب اللبناني، فقد يحاول مقاتلو "الحزب" العودة إلى المناطق الحدودية من دون إطلاق رصاصة واحدة في البداية، وهو ما يقلق إسرائيل، وقد يؤدي لاحقاً إلى أزمة كبيرة بين الحكومة الإسرائيلية وإدارة ترامب.
وتعتبر المصادر أن الاتفاق يمنح إيران مكسباً إضافياً يتعلق بـِ "حزب الله". فقد سعت طهران إلى حماية حليفها اللبناني واختبار مدى تصميم إدارة ترامب على إبقاء لبنان خارج نطاق المفاوضات. لكنها أدركت أن العزيمة الأميركية قابلة للتراجع. وبذلك يحصل "الحزب"، في الحد الأدنى، على مهلة إضافية، وقد يستفيد، في أفضل الأحوال، من الدعم الاقتصادي الذي قد تحصل عليه إيران خلال الستين يوماً المقبلة أو بعدها.
ولا تكتفي المصادر الديمقراطية بكشف هذه الوقائع، بل تثير أيضاً مسألة وعود ترامب برفع جميع العقوبات عن إيران والإفراج عن مليارات الدولارات من الأموال المجمدة، وهو ما يثير قلقاً بالغاً لدى الإسرائيليين. فقد يعني ذلك توفير موارد إضافية لـِ "الحزب" في لبنان، خصوصاً أن الاتفاق لا يتضمن ما يمنع ذلك. كما أنه يتجاهل برنامج الصواريخ الإيراني، الذي أظهرت الحرب الأخيرة مدى خطورته على إسرائيل.
ودية ترامب مع النظام الإيراني
وتتّهم المصادر الديمقراطية ترامب بأنه يتعامل اليوم بودّية مع النظام الإيراني، في الوقت الذي يوجّه فيه انتقادات حادة إلى رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو بسبب تصرفاته في لبنان. وبدلاً من دعم الإيرانيين المطالبين بتغيير النظام، يبدو أن ترامب يسعى إلى العمل معه ومنحه شرعية سياسية رغم سلوكه. كما كشفت المصادر لـِ "المدن" أن من بين التسريبات المتعلقة بالاتفاق تعهّد الولايات المتحدة بعدم "التدخل في الشؤون الداخلية" لإيران، وهذا ما يعني عملياً عدم تقديم أي دعم للمعارضة هناك. وترى أن هذا التعهد يشكل تخلياً شبه كامل عن الحركة الديمقراطية الإيرانية.
قد يكون ترامب قد استمتع بالإنجازات التكتيكية التي حققها الجيشان الأميركي والإسرائيلي، لكنه أنهى الصراع من دون تحقيق نصر استراتيجي واضح، على الأقل حتى الآن. بل إنه قبل بشروط تبدو أقرب إلى خدمة المصالح الإيرانية، وفي مقدّمها عدم إلزام "الحزب" بتفكيك سلاحه. فهل يدوم هذا الواقع؟
المصدر: المدن