كُتّاب الموقع
باب المندب يقود إلى مواجهة أوسع في الشرق الأوسط

العرب اللندنية

الإثنين 27 تموز 2026

أعاد إعلان جماعة الحوثي فرض حصار بحري على السعودية، مقرونًا بتهديدات باستهداف حركة الملاحة في البحر الأحمر، فتح باب المندب أمام مرحلة جديدة من التصعيد الإقليمي، ليتحول المضيق الاستراتيجي من ممر تجاري عالمي إلى ساحة مواجهة قد تتجاوز حدود الحرب اليمنية، وتمتد إلى قلب الصراع الدائر بين الولايات المتحدة وإيران.
 
ومع تزايد الحديث عن احتمال استهداف منشآت الطاقة السعودية وخطوط تصدير النفط، تبدو الجبهة اليمنية مرشحة للعب دور أكثر تأثيرًا في معادلة الصراع الإقليمي، بما ينذر بتداعيات تتجاوز أمن الملاحة لتشمل أسواق الطاقة والتوازنات الجيوسياسية في الشرق الأوسط.
 
وجاء إعلان الحوثيين فرض حصار بحري على السعودية بعد أيام من تصاعد التوتر بين واشنطن وطهران، وفي ظل تقارير تحدثت عن تشجيع إيراني للجماعة على تشديد الضغوط في البحر الأحمر إذا وسعت الولايات المتحدة عملياتها العسكرية ضد إيران.
 
وبهذا التطور، لم يعد باب المندب مجرد نقطة عبور حيوية للتجارة العالمية، بل أصبح ورقة ضغط جديدة في المواجهة بين إيران والولايات المتحدة.
 
ويرى مراقبون أن الحوثيين يسعون إلى نقل الضغط من مضيق هرمز، الذي تستخدمه طهران كورقة استراتيجية، إلى باب المندب، بما يوسع نطاق التهديد للممرات البحرية التي تعتمد عليها تجارة الطاقة العالمية. كما يمنح هذا التحرك إيران وسيلة إضافية للتأثير في أسواق النفط دون الانخراط المباشر في عمليات عسكرية جديدة.
 
ويكتسب باب المندب أهمية استثنائية لأنه يربط البحر الأحمر بالمحيط الهندي، وتعبره نسبة كبيرة من صادرات النفط والسلع المتجهة بين أوروبا وآسيا، ما يجعل أي اضطراب فيه ينعكس سريعًا على حركة التجارة العالمية وتكاليف النقل وأسعار الطاقة.
 
ولا يقتصر الخطر على السفن العابرة للمضيق، بل يمتد إلى البنية التحتية للطاقة في السعودية، التي أعادت خلال السنوات الأخيرة توجيه جزء كبير من صادراتها النفطية إلى البحر الأحمر عبر خط أنابيب الشرق–الغرب، الذي ينقل الخام من المنطقة الشرقية إلى ميناء ينبع على الساحل الغربي، بهدف تقليل الاعتماد على مضيق هرمز.
 
ومع تحول ميناء ينبع إلى منفذ رئيسي لصادرات النفط السعودية، يصبح أكثر عرضة للتهديد إذا قرر الحوثيون توسيع عملياتهم. فالجماعة سبق أن استهدفت منشآت نفطية ومحطات ضخ داخل المملكة، كما أعلنت في عام 2019 مهاجمة محطتي ضخ على خط الأنابيب، ما يؤكد امتلاكها القدرة على الوصول إلى أهداف بعيدة نسبيًا.
 
ويرى خبراء أن الحوثيين قد لا يركزون على استهداف خط الأنابيب نفسه، لصعوبة إصابته على امتداد مساره، وإنما قد يتجهون إلى ضرب محطات الضخ أو منشآت الخدمات المساندة أو حتى استهداف المياه القريبة من ميناء ينبع، بما يرفع تكاليف التأمين على ناقلات النفط ويعطل حركة الشحن دون الحاجة إلى تدمير المنشآت بالكامل.
 
ويمثل التصعيد البحري أيضًا تهديدًا مباشرًا للهدنة غير المعلنة التي خففت حدة الحرب في اليمن منذ عام 2022. فمنذ ذلك التاريخ تراجعت الهجمات الواسعة على المنشآت السعودية، لكن التطورات الأخيرة تشير إلى احتمال انهيار هذا الوضع إذا دخلت السعودية والحوثيون في جولة جديدة من تبادل الضربات.
 
ويحذر محللون من أن أي استهداف لمنشآت الطاقة أو الملاحة قد يدفع الرياض إلى الرد عسكريًا، الأمر الذي قد يعيد الحرب اليمنية إلى مرحلة العمليات المكثفة بعد سنوات من التهدئة النسبية.
 
ولا يقتصر الخطر على الجبهة العسكرية، بل يمتد إلى الوضع الإنساني في اليمن، الذي لا يزال يعاني آثار سنوات الحرب، إذ قد يؤدي تجدد العمليات العسكرية إلى تعطيل وصول المساعدات الإنسانية وتفاقم أوضاع ملايين المدنيين.
 
ويأتي التحرك الحوثي في وقت تواجه فيه إيران ضغوطًا عسكرية متزايدة نتيجة الضربات الأميركية والإسرائيلية، ما يدفعها إلى الاعتماد بصورة أكبر على حلفائها الإقليميين لتوسيع ساحات المواجهة.
 
وبينما تواصل طهران استخدام مضيق هرمز كورقة ضغط رئيسية، يمنحها تصعيد الحوثيين في باب المندب قدرة على تهديد ممر بحري آخر لا يقل أهمية، الأمر الذي يزيد من الضغوط على الولايات المتحدة وحلفائها في الخليج.
 
الحوثيون يسعون إلى نقل الضغط من مضيق هرمز، الذي تستخدمه طهران كورقة استراتيجية، إلى باب المندب، بما يوسع نطاق التهديد للممرات البحرية التي تعتمد عليها تجارة الطاقة العالمية.
 
كما يتيح هذا النهج لإيران إيصال رسالة مفادها أن أي استهداف لأراضيها ستكون له تداعيات تتجاوز الخليج، لتشمل البحر الأحمر وخطوط التجارة والطاقة الدولية، وهو ما يرفع كلفة أي مواجهة عسكرية طويلة.
 
ورغم أن الحوثيين لم ينفذوا حتى الآن هجمات واسعة على السفن المتجهة إلى السعودية، فإن مجرد إعلان الحصار بدأ ينعكس على حركة الملاحة.
 
فقد غيّرت عدة ناقلات نفط مسارها لتجنب عبور باب المندب، بينما اتجهت شحنات نفط سعودية إلى مسارات بديلة، وسط مخاوف من ارتفاع تكاليف النقل والتأمين.
 
كما يتوقع خبراء أن يؤدي استمرار التهديدات إلى تقليص حركة السفن عبر البحر الأحمر وقناة السويس، وهو ما ستكون له انعكاسات مباشرة على اقتصادات دول تعتمد على هذا الممر، وفي مقدمتها مصر، إضافة إلى زيادة الضغوط على أسواق الطاقة العالمية.
 
وبالنسبة للولايات المتحدة، يفتح التصعيد في البحر الأحمر تحديًا جديدًا، إذ تجد نفسها أمام احتمال إدارة جبهة إضافية في الوقت الذي تواصل فيه عملياتها العسكرية ضد إيران.
 
ورغم أن واشنطن لا تبدو راغبة في توسيع نطاق الحرب، فإن استمرار تهديد الملاحة الدولية أو استهداف منشآت الطاقة السعودية قد يدفعها إلى تعزيز وجودها العسكري في البحر الأحمر والخليج، وتكثيف التعاون مع حلفائها لحماية الممرات البحرية.
 
وفي الوقت ذاته، يزداد الاهتمام بإحياء الجهود الدبلوماسية عبر سلطنة عمان والأمم المتحدة لمنع انزلاق الأزمة إلى مواجهة شاملة، خاصة أن أي تصعيد جديد قد ينسف ما تحقق من تهدئة في اليمن خلال السنوات الماضية.
 
ولم يعد باب المندب مجرد مضيق استراتيجي تمر عبره السفن التجارية، بل أصبح أحد أهم مفاتيح الصراع في الشرق الأوسط. فمع انتقال التوتر من مضيق هرمز إلى البحر الأحمر، تتسع رقعة المواجهة بين إيران وخصومها، بينما يتحول الحوثيون إلى لاعب رئيسي في معادلة أمن الطاقة العالمي.
 
وإذا استمرت وتيرة التصعيد الحالية، فإن المنطقة قد تكون أمام مرحلة تتداخل فيها الحرب اليمنية مع الصراع الإقليمي، بما يهدد أمن الملاحة، ويزيد اضطراب أسواق النفط، ويفتح الباب أمام مواجهة أوسع يصعب احتواء تداعياتها.