الخطة ج الأميركية.. كيف أعادت الحرب مع إيران رسم معادلة التعاون النووي مع السعودية؟
العرب اللندنية
الإثنين 27 تموز 2026
أعادت الولايات المتحدة رسم ملامح سياستها النووية في الشرق الأوسط بإعلانها اتفاقاً جديداً مع المملكة العربية السعودية يهدف إلى تسريع برنامجها النووي المدني، في خطوة يرى مراقبون أنها تتجاوز مجرد التعاون في مجال الطاقة لتؤسس لمرحلة جديدة من إدارة ملف الانتشار النووي في المنطقة.
ولا يتعلق التحول فقط بمنح الرياض فرصة تطوير برنامج نووي سلمي بالتعاون مع واشنطن، وإنما يعكس مراجعة أميركية شاملة لسياسة استمرت لعقود، قامت على منع أي دولة شرق أوسطية من امتلاك قدرات تخصيب اليورانيوم محلياً.
ويأتي الاتفاق في وقت تعيش فيه المنطقة واحدة من أكثر مراحلها اضطراباً منذ عقود، مع استمرار الحرب الأميركية الإيرانية، وتراجع فرص إحياء الاتفاق النووي مع طهران، وتصاعد المخاوف من سباق تسلح نووي إقليمي.
وفي هذا السياق، يرى عدد من الخبراء أن واشنطن انتقلت من سياسة "المنع المطلق" إلى سياسة "الاحتواء عبر الشراكة"، وهو ما وصفه الباحث الأميركي ويليام ويكسلر بـ"الخطة ج" لمنع الانتشار النووي.
ولا يقتصر هذا التحول على السعودية وحدها، بل قد يصبح نموذجاً جديداً للتعامل مع حلفاء الولايات المتحدة في الشرق الأوسط، بما يعيد صياغة معادلات الردع والتوازنات الاستراتيجية في المنطقة خلال السنوات المقبلة.
وشكل منع انتشار الأسلحة النووية أحد أكثر ثوابت السياسة الخارجية الأميركية منذ نهاية الحرب العالمية الثانية. فمنذ خمسينيات القرن الماضي، تبنت واشنطن ما يمكن وصفه بـ"الخطة أ"، والتي قامت على نشر الاستخدامات السلمية للطاقة النووية مع فرض قيود صارمة تحول دون انتقال التكنولوجيا العسكرية أو المواد الحساسة التي يمكن استخدامها في إنتاج الأسلحة النووية.
وفي إطار هذه السياسة، أطلق الرئيس الأميركي دوايت أيزنهاور برنامج "الذرة من أجل السلام"، الذي مهد لإنشاء الوكالة الدولية للطاقة الذرية، وشجع دولاً عديدة على تطوير برامج نووية مدنية تحت رقابة دولية.
واستفادت دول الشرق الأوسط من هذه المبادرة، بما في ذلك إيران في عهد الشاه وإسرائيل، قبل أن تتغير البيئة السياسية بصورة جذرية لاحقاً.
لكن هذه المقاربة واجهت أول اختبار حقيقي في ستينيات القرن الماضي عندما اكتشفت واشنطن أن فرنسا تساعد إسرائيل في بناء مفاعل ديمونا، كما تلقت معلومات عن تعاون علماء ألمان مع مصر في برامج صاروخية وعسكرية.
وأثار ذلك مخاوف الرئيس الأميركي جون كينيدي من تحول الشرق الأوسط إلى ساحة سباق نووي مفتوح، فحذر آنذاك من عالم قد تمتلك فيه عشرات الدول السلاح النووي خلال سنوات قليلة.
إلا أن تلك المخاوف لم تتحقق بالشكل الذي كان متوقعاً. فبعد مرور أكثر من ثمانية عقود على دخول العالم العصر النووي، لا يزال عدد الدول المالكة للأسلحة النووية محدوداً للغاية، وهو ما تعتبره واشنطن أحد أبرز نجاحات سياستها الخارجية.
ومع نهاية السبعينيات وبداية الثمانينيات، أدركت الولايات المتحدة أن الأدوات الدبلوماسية وحدها لم تعد كافية لمنع الانتشار النووي، خاصة بعد الثورة الإيرانية، وتصاعد النزاعات الإقليمية، وظهور برامج نووية سرية في أكثر من دولة.
ومن هنا انتقلت إلى ما يمكن وصفه بـ"الخطة ب"، التي اعتمدت على مزيج من الضغوط السياسية، والعمليات الاستخباراتية، والعقوبات الاقتصادية، وأحياناً القوة العسكرية المباشرة.
ودعمت واشنطن الضربة الإسرائيلية للمفاعل النووي العراقي عام 1981، ثم الهجوم الإسرائيلي على المفاعل السوري عام 2007، كما شاركت لاحقاً في عمليات إلكترونية وعسكرية استهدفت البرنامج النووي الإيراني.
وإلى جانب ذلك، لعبت الدبلوماسية الأميركية دوراً محورياً في إقناع ليبيا بالتخلي عن برنامجها النووي عام 2003، وفي توقيع الاتفاق النووي مع الإمارات عام 2009، الذي اعتبر "المعيار الذهبي" لأنه سمح بإنتاج الطاقة النووية مقابل التخلي الكامل عن تخصيب اليورانيوم داخل الدولة.
غير أن هذه السياسة تعرضت لهزة كبيرة مع توقيع الاتفاق النووي مع إيران عام 2015، ثم انسحاب إدارة الرئيس دونالد ترامب منه عام 2018. فبينما رأى مؤيدو الاتفاق أنه يؤخر حصول إيران على السلاح النووي ويمنع سباق تسلح إقليمياً، اعتبره ترامب اتفاقاً غير كافٍ، وانسحب منه سعياً إلى فرض اتفاق جديد بشروط أكثر تشددا
ولا يقتصر هذا التحول على السعودية وحدها، بل قد يصبح نموذجاً جديداً للتعامل مع حلفاء الولايات المتحدة في الشرق الأوسط، بما يعيد صياغة معادلات الردع والتوازنات الاستراتيجية في المنطقة خلال السنوات المقبلة.
لكن التطورات اللاحقة لم تسر وفق ما كانت تأمله واشنطن. فالحرب التي اندلعت بين الولايات المتحدة وإيران خلال عام 2026 لم تنجح، بحسب كثير من التقديرات، في إنهاء البرنامج النووي الإيراني بصورة نهائية، كما أن مذكرة التفاهم التي وقعتها الدولتان لاحقاً أبقت على البرنامج النووي الإيراني في صورته القائمة، ما يعني أن طهران احتفظت بجزء مهم من بنيتها النووية وخبراتها العلمية.
ومن هنا بدأت معضلة جديدة بالنسبة لصناع القرار الأميركيين. فإذا كانت إيران ستحتفظ بقدرات نووية كامنة، فإن دولاً عربية عديدة قد ترى نفسها مضطرة إلى البحث عن وسائل ردع مماثلة، خاصة بعدما تعرضت خلال العام الحالي لهجمات مباشرة بالصواريخ والطائرات المسيّرة الإيرانية أو عبر حلفاء طهران في المنطقة.
وفي هذا السياق، يأتي الاتفاق النووي مع السعودية باعتباره محاولة أميركية لإدارة هذا الواقع الجديد بدلاً من تجاهله. فبدلاً من منع تطوير البرامج النووية المدنية بصورة مطلقة، تسعى واشنطن إلى احتضان هذه البرامج والإشراف عليها من الداخل، بما يضمن استمرار النفوذ الأميركي عليها ويحول دون انتقالها إلى منافسين مثل روسيا أو الصين.
وتشير المعلومات الأولية إلى أن الاتفاق ينص على تسريع البرنامج النووي المدني السعودي، مع قيام الشركات الأميركية بتوفير المفاعلات والتكنولوجيا النووية، إضافة إلى دراسة تمتد لعامين لتقييم الجدوى الاقتصادية لتخصيب اليورانيوم داخل المملكة.
ورغم أن الرئيس ترامب عاد لاحقاً ليؤكد أنه "لن يكون هناك تخصيب"، فإن تفاصيل الاتفاق لم تنشر بعد، وهو ما فتح الباب أمام تكهنات بأن المقصود قد يكون السماح بعمليات تخصيب تتم داخل الأراضي السعودية، لكن تحت إدارة شركات أميركية ومن دون نقل التكنولوجيا الحساسة إلى الجانب السعودي.
ويمثل هذا السيناريو تحولاً جوهرياً مقارنة بالسياسة الأميركية التقليدية، التي كانت ترفض بصورة قاطعة أي تخصيب لليورانيوم داخل دول الشرق الأوسط باستثناء إيران التي سعت إلى ذلك خارج الإرادة الأميركية.
ومن الناحية السياسية، يشكل الاتفاق أيضاً انتصاراً واضحاً للدبلوماسية السعودية، إذ نجحت الرياض في انتزاع تعاون نووي أميركي متقدم من دون الالتزام المسبق بالشرط الذي كانت إدارة الرئيس السابق جو بايدن تضعه، والمتمثل في ربط الاتفاق النووي بالتطبيع مع إسرائيل.
ورغم أن ترامب لمح لاحقاً إلى إمكانية استمرار هذا الربط، فإن المؤشرات الحالية توحي بأن الملفين يسيران في مسارين منفصلين، بما يمنح السعودية هامشاً أوسع في التفاوض.
ولا تقتصر أهمية الاتفاق على العلاقات الثنائية بين الرياض وواشنطن، بل تمتد إلى مجمل النظام الإقليمي. فإذا جرى توقيع الاتفاق بصيغته الحالية، فمن المرجح أن تطالب دول أخرى حليفة للولايات المتحدة بالحصول على ترتيبات مماثلة، وهو ما قد يؤدي إلى انتشار برامج نووية مدنية متقدمة في الشرق الأوسط تحت المظلة الأميركية.
ويرى مؤيدو هذه المقاربة أن دمج البرامج النووية العربية في شراكات عميقة مع الولايات المتحدة سيكون أكثر فاعلية من ترك هذه الدول تتجه نحو شركاء آخرين، كما أنه يمنح واشنطن نفوذاً طويل الأمد على البنية التحتية النووية في المنطقة.
لكن هذا النهج لا يخلو من المخاطر. فالتاريخ يثبت أن التحالفات السياسية ليست ثابتة، وأن الدول قد تغير توجهاتها الاستراتيجية مع مرور الوقت. ويستشهد المنتقدون بما حدث مع إيران نفسها، التي كانت حليفاً وثيقاً لواشنطن قبل ثورة عام 1979، ثم تحولت إلى أحد أبرز خصومها.
كما يخشى آخرون من أن يؤدي السماح بالتخصيب المحلي، حتى لو كان محدوداً وخاضعاً للرقابة، إلى فتح الباب تدريجياً أمام سباق نووي إقليمي يصعب احتواؤه مستقبلاً، خصوصاً إذا تدهورت البيئة الأمنية أكثر، أو انهارت منظومة الرقابة الدولية.
وفي المقابل، يرى أنصار الاتفاق أن البدائل المتاحة أصبحت محدودة. فمحاولة منع الدول العربية من تطوير برامج نووية مدنية في وقت تحتفظ فيه إيران ببرنامجها النووي لن تكون سياسة قابلة للاستمرار، كما أن ترك الساحة لروسيا أو الصين سيؤدي إلى تراجع النفوذ الأمريكي في واحدة من أكثر مناطق العالم حساسية.
وفي ضوء ذلك، تبدو "الخطة ج" محاولة للتكيف مع واقع جديد أكثر منها تغييراً أيديولوجياً في السياسة الأميركية. فهي لا تتخلى عن هدف منع الانتشار النووي، لكنها تسعى إلى تحقيقه عبر أدوات مختلفة تقوم على الشراكة الاقتصادية، والارتباط الصناعي، والتعاون التكنولوجي، بدلاً من الاعتماد الحصري على الضغوط والعقوبات والعمليات العسكرية.
ويبقى نجاح هذه المقاربة رهناً بقدرة الولايات المتحدة على الحفاظ على نفوذها داخل البرامج النووية الجديدة، وبمدى التزام شركائها بالقيود المفروضة عليها. فإذا نجحت واشنطن في إدارة هذه الشراكات بحكمة، فقد تتمكن من احتواء سباق التسلح النووي في الشرق الأوسط.
وأما إذا فشلت، فإن المنطقة قد تدخل مرحلة جديدة تتعدد فيها البرامج النووية الوطنية، وتتراجع فيها الخطوط الفاصلة بين الاستخدامات السلمية والطموحات العسكرية، بما يجعل مستقبل الأمن الإقليمي أكثر تعقيداً من أي وقت مضى.