كُتّاب الموقع
لماذا يُعد إرسال قوات سورية إلى لبنان لقتال حزب الله فكرة خطيرة؟

العرب اللندنية

الأربعاء 22 تموز 2026

يفتح مقترح ترامب بإسناد مهمة مواجهة حزب الله إلى القوات السورية نقاشاً يتجاوز الخيارات العسكرية إلى إعادة طرح سؤال قديم عن حدود الدور السوري في لبنان. فالمشكلة لا تكمن في هوية القوة التي ستواجه الحزب، بقدر ما تكمن في أن أي وجود عسكري سوري، مهما كانت مبرراته، يصطدم بذاكرة لبنانية مثقلة بإرث الوصاية.
 
رغم أن الرئيس السوري أحمد الشرع سبق أن استبعد فكرة إرسال قوات سورية إلى لبنان، فإن مجرد تداول هذا السيناريو يعكس التحولات التي تشهدها المنطقة، كما يثير تساؤلات بشأن طبيعة الدور الذي قد تضطلع به دمشق في النظام الإقليمي الجديد، وحدود قبول اللبنانيين بعودة أي حضور عسكري سوري إلى أراضيهم.
 
وتنبع حساسية هذا الطرح من أن لبنان لا ينظر إلى أي انتشار عسكري سوري باعتباره خطوة أمنية معزولة، بل يربطه مباشرة بتجربة بدأت عام 1976 مع دخول القوات السورية تحت مظلة “قوات الردع العربية” التي أُنشئت لوقف الحرب الأهلية. غير أن هذا الوجود تحول تدريجياً إلى نفوذ عسكري وسياسي استمر حتى عام 2005، وأصبح أحد أبرز العوامل المؤثرة في الحياة اللبنانية طوال تلك المرحلة.
 
وخلال تلك السنوات، لعبت دمشق دوراً مباشراً في إدارة التوازنات الداخلية اللبنانية، وتعرضت أجهزتها الأمنية والعسكرية لاتهامات واسعة بالتدخل في الحياة السياسية وارتكاب انتهاكات بحق مواطنين لبنانيين.
 
ولذلك، فإن فكرة عودة الجيش السوري، حتى وإن جاءت في إطار مهمة محددة ضد حزب الله، ستُقرأ لدى شريحة واسعة من اللبنانيين باعتبارها استعادة لمرحلة يعتقد كثيرون أنها انتهت بانسحاب القوات السورية قبل أكثر من عقدين.
 
أي مواجهة مباشرة بين الجيش السوري وحزب الله قد تهدد بإعادة إنتاج انقسامات طائفية ومذهبية لطالما سعى لبنان إلى احتوائها
 
ولا تقتصر المخاوف على البعد التاريخي، بل تمتد إلى طبيعة النظام اللبناني القائم على توازنات طائفية وسياسية شديدة الحساسية، حيث يمكن لأي تدخل عسكري خارجي أن يعيد خلط هذه التوازنات.
 
ويزداد الأمر تعقيداً عندما يكون الطرف المتدخل هو سوريا، التي لا تزال ترتبط بعلاقات متشابكة مع مختلف القوى اللبنانية على المستويات السياسية والطائفية والأمنية.
 
كما أن شخصية الرئيس السوري أحمد الشرع تضيف بعداً آخر للنقاش. فالشرع يحظى بتأييد داخل بعض الأوساط السنية في لبنان، ولاسيما في مدينة طرابلس، بينما يمثل حزب الله القوة السياسية والعسكرية الأبرز داخل البيئة الشيعية.
 
وبالتالي، فإن أي مواجهة مباشرة بين الجيش السوري والحزب قد لا تبقى ضمن إطارها العسكري، بل قد تتحول إلى عامل يزيد من حدة الاستقطاب المذهبي، ويهدد بإعادة إنتاج انقسامات لطالما سعى لبنان إلى احتوائها.
 
ويتعزز هذا الاحتمال بسبب الإرث الثقيل للعلاقة بين القوى التي تقود سوريا الجديدة وحزب الله. فقد كان الحزب أحد أبرز الداعمين العسكريين لنظام بشار الأسد طوال سنوات الحرب السورية، وشارك في معارك مفصلية ضد الفصائل المسلحة التي خرج منها عدد من المسؤولين الحاليين في دمشق.
 
ومن ثم، قد يُنظر إلى أي تدخل عسكري سوري ضد الحزب باعتباره امتداداً لصراع قديم أو محاولة لتصفية حسابات تراكمت خلال سنوات الحرب، أكثر من كونه عملية تستهدف تحقيق الاستقرار في لبنان.
 
وإلى جانب الاعتبارات السياسية والطائفية، تبرز تساؤلات حول قدرة سوريا نفسها على تنفيذ مثل هذه المهمة. فالجيش السوري لا يزال في مرحلة إعادة البناء بعد سنوات الحرب، فيما تواجه البلاد تحديات اقتصادية وأمنية كبيرة، فضلاً عن استمرار الحاجة إلى إعادة هيكلة المؤسسة العسكرية وبسط سلطة الدولة على كامل أراضيها.
 
وفي ظل هذه الظروف، يبدو الانخراط في عملية عسكرية خارج الحدود خياراً يفرض أعباء إضافية على دولة ما زالت منشغلة بإعادة ترتيب أوضاعها الداخلية.
 
يبدو الانخراط في عملية عسكرية خارج الحدود خياراً يفرض أعباء إضافية على دولة ما زالت منشغلة بإعادة ترتيب أوضاعها الداخلية
 
كما أن تركيبة المؤسسة العسكرية السورية الحالية تثير بدورها نقاشاً واسعاً، في ظل وجود تشكيلات متعددة الخلفيات داخلها، بعضها يحمل توجهات أيديولوجية متشددة.
 
ويرى مراقبون أن هذا الواقع يزيد من صعوبة تنفيذ عمليات دقيقة في بيئة معقدة مثل لبنان، حيث يتداخل البعد الأمني مع الاعتبارات الطائفية والسياسية، ويصبح أي خطأ ميداني قابلاً للتحول إلى أزمة داخلية وإقليمية.
 
ومن جهة أخرى، لا يبدو أن استبدال العمليات الإسرائيلية بعمليات سورية سيغير كثيراً من تعقيدات المشهد. فحزب الله يعتمد منذ سنوات على بنية عسكرية منتشرة داخل مناطق مأهولة بالسكان، الأمر الذي يجعل أي عمل عسكري ضده محفوفاً بخطر وقوع خسائر مدنية، بصرف النظر عن الجهة التي تنفذه. ولذلك، فإن الحديث عن قدرة القوات السورية على تحقيق مستوى أعلى من الدقة يبقى افتراضاً يصعب إثباته عملياً.
 
وإقليمياً، قد يفتح أي انتشار عسكري سوري في لبنان الباب أمام إعادة رسم موازين القوى في المشرق العربي. فمثل هذه الخطوة قد تُفسَّر باعتبارها عودة للدور السوري التقليدي في لبنان، وهو ما قد يثير تحفظات لدى قوى إقليمية ودولية ترى أن استقرار لبنان يمر عبر تعزيز مؤسسات الدولة اللبنانية، لا عبر إحياء أدوار عسكرية خارجية.
 
أما داخلياً، فمن المرجح أن يؤدي مجرد طرح الفكرة إلى انقسام سياسي واسع. فالقوى التي عارضت الوجود السوري سابقاً قد تعتبرها محاولة لإحياء الوصاية السورية بصيغة جديدة، بينما قد تنظر إليها أطراف أخرى من زاوية الحسابات الأمنية. غير أن القاسم المشترك بين مختلف المواقف يبقى الخشية من أن يؤدي أي وجود عسكري سوري جديد إلى إعادة فتح ملفات الماضي بدلاً من الإسهام في معالجة أزمات الحاضر.
 
ولا يتعلق مقترح ترامب بإيجاد بديل عسكري لمواجهة حزب الله بقدر ما يعكس تصوراً جديداً لإعادة توزيع الأدوار الأمنية في المشرق. غير أن خصوصية الحالة اللبنانية تجعل من الصعب التعامل مع هذا الطرح بمنطق عسكري بحت، لأن ذاكرة اللبنانيين ما زالت تختزن إرث ثلاثة عقود من الوجود السوري، فيما تجعل التوازنات الطائفية والسياسية الحالية أي تدخل خارجي مغامرة قد تتجاوز كلفتها السياسية والأمنية أي مكاسب عسكرية محتملة.