كُتّاب الموقع
لماذا يُعد الإطار الثلاثي الخاص بلبنان وصفة لكارثة؟

العرب اللندنية

الأربعاء 22 تموز 2026

يثير اتفاق الإطار الثلاثي الذي رعته الولايات المتحدة بين لبنان وإسرائيل نقاشاً واسعاً حول قدرته على تحقيق الأهداف التي أعلنها، والمتمثلة في وقف القتال، واستعادة الهدوء على الحدود الجنوبية، وتعزيز سلطة الدولة اللبنانية.
 
وبينما تنظر واشنطن إلى الاتفاق بوصفه مدخلاً لإعادة ترتيب الوضع الأمني في جنوب لبنان، يرى عدد من المحللين أن بنوده قد تؤدي إلى نتائج معاكسة، إذ تمنح إسرائيل مساحة أوسع للإبقاء على وجودها العسكري، وتضع الدولة اللبنانية أمام استحقاقات داخلية معقدة، في مقدمتها ملف نزع سلاح حزب الله.
 
وتزداد أهمية هذه القراءة في ظل بدء تنفيذ الاتفاق عبر انتشار الجيش اللبناني في ما سمي "المناطق التجريبية"، بالتزامن مع ضغوط أميركية متصاعدة على بيروت للإسراع في بسط سلطة الدولة على كامل الجنوب، وربط أي انسحاب إسرائيلي إضافي بمدى التقدم في تفكيك البنية العسكرية لحزب الله.
 
ويرى مراقبون أن الاتفاق لم يكن نتاج مفاوضات متكافئة بين الأطراف الثلاثة، بل جاء في ظل اختلال واضح في ميزان القوى.
 
فإسرائيل دخلت المفاوضات وهي تمتلك تفوقاً عسكرياً واضحاً، وتسيطر على أجزاء من الأراضي اللبنانية، وتحظى بدعم أميركي سياسي وعسكري واسع.
 
وأما لبنان، فقد دخل المباحثات وسط أوضاع اقتصادية غير مسبوقة، ومؤسسات رسمية تعاني ضعفاً مالياً وإدارياً، إضافة إلى تداعيات الحرب التي أرهقت الدولة والجيش والمجتمع.
 
وفي مثل هذه الظروف، بدا أن هامش المناورة اللبناني محدود، الأمر الذي انعكس على طبيعة البنود التي جاءت في الاتفاق، حيث ربطت معظم الالتزامات اللبنانية بإجراءات تنفيذية واضحة، بينما تركت لإسرائيل مساحة أوسع لتقدير مدى الالتزام بهذه الإجراءات.
 
ويعتبر محللون أن هذه الصيغة تجعل الاتفاق أقرب إلى آلية لإدارة الأزمة بدلاً من أن يكون تسوية نهائية لها، إذ يبقى تنفيذ كثير من بنوده رهناً بالتقديرات السياسية والأمنية الإسرائيلية.
 
ويشكل الانسحاب الإسرائيلي من جنوب لبنان الركيزة الأساسية لأي تفاهم أمني طويل الأمد، إلا أن الاتفاق لا يحدد جدولاً زمنياً واضحاً لهذا الانسحاب، بل يربطه بما تصفه الوثيقة بالتقدم المتوازي في بسط سلطة الدولة اللبنانية ونزع سلاح حزب الله.
 
وبموجب الاتفاق، ينسحب الجيش الإسرائيلي تدريجياً من "مناطق تجريبية" يتولى الجيش اللبناني الانتشار فيها، على أن يعمل على منع أي وجود مسلح خارج المؤسسات الرسمية.
 
لكن هذا الترتيب يثير تساؤلات حول الجهة التي ستحدد ما إذا كانت الدولة اللبنانية قد حققت تقدماً كافياً في تنفيذ التزاماتها.
 
وفي ظل غياب معايير دقيقة، تستطيع إسرائيل اعتبار أي خطوة لبنانية غير كافية، وبالتالي تبرير استمرار وجودها العسكري بحجة أن شروط الانسحاب لم تكتمل بعد.
 
ويشير مراقبون إلى أن هذا الاحتمال ليس نظرياً فقط، بل يستند إلى مواقف إسرائيلية متكررة تؤكد أن الانسحاب الكامل لن يتم قبل إزالة ما تعتبره تهديداً أمنياً دائماً من جانب حزب الله.
 
وبذلك يتحول الانسحاب من التزام واضح إلى عملية مفتوحة زمنياً، ترتبط بحسابات سياسية وأمنية قد تتغير باستمرار.
 
ويضع الاتفاق الدولة اللبنانية أمام أكثر الملفات حساسية منذ عقود، وهو ملف سلاح حزب الله.
 
وعلى المستوى النظري، يحظى مبدأ احتكار الدولة للسلاح بتأييد واسع داخل الأوساط الدولية، كما يشكل أحد المطالب الرئيسية للإصلاح السياسي في لبنان. غير أن التطبيق العملي يبدو أكثر تعقيداً بكثير.
 
ولا يمثل حزب الله تنظيماً مسلحاً فحسب، بل يعد لاعباً سياسياً رئيسياً، ويتمتع بقاعدة شعبية واسعة داخل الطائفة الشيعية، كما يمتلك شبكة اجتماعية ومؤسسات خدمية وعلاقات إقليمية تجعل التعامل مع سلاحه قضية تتجاوز البعد العسكري.
 
ويرى محللون أن أي محاولة لفرض نزع السلاح بالقوة قد تقود إلى مواجهة داخلية، وهو السيناريو الذي تسعى معظم القوى اللبنانية إلى تجنبه.
 
وفي المقابل، فإن الاكتفاء بالحوار السياسي يحتاج إلى توافقات داخلية وإقليمية لم تنضج بعد، ما يجعل تنفيذ هذا البند من أصعب التحديات التي تواجه الدولة اللبنانية.
 
ويضع الاتفاق الجيش اللبناني في قلب المعادلة الجديدة. فهو الجهة التي يفترض أن تنتشر في المناطق التي تنسحب منها إسرائيل، وأن تمنع أي نشاط عسكري خارج إطار الدولة، وأن تثبت للمجتمع الدولي قدرة المؤسسات الرسمية على إدارة الأمن في الجنوب.
 
لكن هذه المهمة تتطلب إمكانات بشرية ولوجستية واستخباراتية كبيرة، فضلاً عن غطاء سياسي داخلي متماسك.
 
وتدرك واشنطن هذه التحديات، ولذلك تعهدت بمواصلة دعم الجيش اللبناني، سواء عبر التدريب أو التسليح أو المساعدات المالية.
 
إلا أن هذا الدعم، رغم أهميته، لا يحل المعضلة الأساسية، وهي أن نجاح الجيش في تنفيذ مهمته يعتمد أيضاً على البيئة السياسية الداخلية، وعلى طبيعة العلاقة مع حزب الله، وليس على القدرات العسكرية وحدها.
 
ومن أبرز الانتقادات التي يوجهها محللون للاتفاق أنه يرفع شعار تعزيز سيادة الدولة اللبنانية، لكنه في الوقت نفسه يمنح إسرائيل أدوات واسعة لمواصلة تدخلها العسكري.
 
ويتضمن الاتفاق إقراراً بحق الطرفين في الدفاع عن النفس، وهو مبدأ تفسره إسرائيل عادة بصورة واسعة تتيح لها تنفيذ عمليات عسكرية استباقية متى اعتبرت أن هناك تهديداً لأمنها.
 
ويرى مراقبون أن هذا البند قد يتحول عملياً إلى غطاء لاستمرار الغارات أو العمليات العسكرية داخل لبنان، حتى بعد بدء تنفيذ الاتفاق، ما يطرح تساؤلات حول مدى قدرة الدولة اللبنانية على فرض سيادتها الكاملة.
 
كما أن استمرار الاحتلال في بعض المناطق الحدودية، وربط الانسحاب بشروط مفتوحة، قد يؤدي إلى تكريس واقع أمني جديد يختلف شكلياً عن الاحتلال التقليدي، لكنه يبقي لإسرائيل نفوذاً مباشراً في إدارة المشهد الحدودي.
 
الاتفاق لم يكن نتاج مفاوضات متكافئة بين الأطراف الثلاثة، بل جاء في ظل اختلال واضح في ميزان القوى.
 
ورغم أن الاتفاق يركز على الجوانب الأمنية، فإنه لا يقدم حلولاً واضحة للأسباب السياسية التي أدت إلى الأزمة.
 
فملفات مثل ترسيم الحدود البرية، والانتهاكات المتكررة، وتعويض المتضررين، وآليات المساءلة القانونية، لا تحظى بحضور واضح في الاتفاق.
 
كما أن مستقبل العلاقة بين الدولة اللبنانية وحزب الله، وهو جوهر الأزمة الداخلية، لا يجد معالجة سياسية متكاملة، بل يقتصر على مقاربة أمنية تقوم على نزع السلاح.
 
ويرى محللون أن أي تسوية دائمة تحتاج إلى توافق سياسي لبناني شامل، يحدد دور الدولة، ومستقبل المقاومة، والعلاقة مع إسرائيل، وهي ملفات لا يمكن حسمها عبر ترتيبات أمنية فقط.
 
ولا يمكن فصل الاتفاق عن التحولات الإقليمية الأوسع. فقد جاء في سياق تفاهمات أميركية إيرانية هدفت إلى احتواء التصعيد في المنطقة، وإعادة ترتيب ملفات عدة تمتد من الخليج إلى لبنان.
 
وتسعى واشنطن إلى تثبيت معادلة جديدة تقلص نفوذ الجماعات المسلحة المدعومة من إيران، وتعزز حضور مؤسسات الدولة في عدد من دول المنطقة.
 
وفي المقابل، تراقب طهران وحلفاؤها هذه الترتيبات بحذر، لأن نجاحها قد ينعكس على مستقبل النفوذ الإيراني في لبنان.
 
ولهذا، فإن مستقبل الاتفاق لن يتحدد فقط داخل لبنان، بل سيتأثر أيضاً بمسار العلاقة بين الولايات المتحدة وإيران، وبالتطورات الإقليمية الأوسع.
 
ويرى مراقبون أن الاتفاق يمثل بداية مرحلة جديدة أكثر مما يمثل نهاية للصراع. فنجاحه يتوقف على قدرة الأطراف على تنفيذ التزامات معقدة سياسياً وأمنياً، بينما قد يؤدي أي تعثر إلى إعادة إنتاج الأزمة بصورة مختلفة.
 
كما أن استمرار الخلاف حول سلاح حزب الله، وغموض آليات الانسحاب الإسرائيلي، واحتمال استمرار العمليات العسكرية تحت عنوان "الدفاع عن النفس"، كلها عوامل تجعل الطريق نحو الاستقرار طويلاً وشائكاً.
 
ويبدو أن اتفاق الإطار الثلاثي يهدف إلى إدارة مرحلة انتقالية أكثر من كونه يرسم تسوية نهائية للنزاع. فهو يوفر إطاراً أمنياً جديداً، لكنه لا يجيب عن الأسئلة الجوهرية المتعلقة بالسيادة اللبنانية، ومستقبل سلاح حزب الله، وحدود الدور الإسرائيلي، وآليات بناء دولة قادرة على احتكار القرار الأمني والعسكري.
 
ومن ثم، فإن نجاح الاتفاق سيظل رهناً بقدرة الأطراف اللبنانية على التوصل إلى تفاهمات داخلية، وباستعداد إسرائيل للالتزام بانسحاب فعلي من الأراضي اللبنانية، وباستمرار الدعم الدولي للدولة اللبنانية دون تحويلها إلى طرف في مواجهة داخلية جديدة.
 
وحتى يتحقق ذلك، سيبقى الاتفاق موضع اختبار، بين من يراه خطوة نحو الاستقرار، ومن يعتبره إطاراً قد يكرس اختلال موازين القوى ويؤجل، بدلاً من أن يحل، أزمات لبنان المزمنة.