مقترح «حل هرمز»: تقاسُم بين الخليجيين
نيل ماكفاركهار- نيويورك تايمز
الثلاثاء 21 تموز 2026
إذا كانت الحرب بين الولايات المتحدة وإيران قد انبثقت من توترات مزمنة بشأن برنامج طهران النووي، فإنّ بؤرة الاهتمام انتقلت بصورة حادّة إلى سيطرة إيران على مضيق هرمز. وقد أسفر ذلك عن خنقٍ لما يقارب خُمس إمدادات النفط العالمية، وأشعل نزاعاً محتدماً أعاد الطرفَين إلى مواجهة مفتوحة. وعلى رغم من التأكيدات المتكرّرة للرئيس دونالد ترامب، بأنّ إيران لا تمتلك قوّة بحرية تُذكر، وأنّ المضيق مفتوح أمام الملاحة، فإنّ حركة الشحن تراجعت بصورة حادّة في ظل تجدّد الضربات الإيرانية ضدّ السفن التجارية. وقد توقفت الجهود الديبلوماسية عملياً، وواصل الجيشان تبادل الهجمات في المنطقة. ويرى خبراء عسكريّون أنّ محاولة فتح المضيق بالقوّة، في خضم حرب دائرة، ستكون مهمّة دامية وشبه مستحيلة، أشبه بعقاب لا نهاية له.
في خضم البحث عن حلول، طرح أحد مراكز التحليل نموذجاً توفيقياً محتملاً لمنطقة الخليج العربي، ويستند إلى معاهدة كانت غامضة نسبياً وأُلغِيت لاحقاً، وكانت تنظّم في الماضي الإنتاج الجماعي للفحم والصلب في أوروبا بعد الحرب العالمية الثانية. ويقضي المقترح بأن تتعامل الدول المطلّة على الخليج معه باعتباره إقليماً مشتركاً، أو ما يشبه المُلكِية الإقليمية العامة، وأن تفرض رسماً رمزياً على ناقلات النفط فقط لتمويل صيانة الممر. وأوضح المركز، أنّ الطرح قد ينسجم مع القانون الدولي، يلبّي مطلب طهران بالحصول على دور رقابي أكبر، ويمنح الدول الـ8 المطلة على الخليج مصلحة مشتركة في الحفاظ على السلام.
وأوضح إسفنديار باتمَنغليج، مؤسس والمدير التنفيذي لمؤسسة «بورصة وبازار»، البحثية في لندن والمركّزة على التنمية والديبلوماسية في الشرق الأوسط والمنطقة الأوسع: «إذا لم نكن قادرين على تخيُّل عالم تتولّى فيه هذه الدول فرض رسم رمزي لتمويل بعض أعمال السلامة البحرية وحماية البيئة، فإنّ ذلك يشكّل مؤشراً إلى ما إذا كان هناك أي مسار يمكن أن يقود إلى سلام إقليمي أكثر استدامة».
تشابه بين الخليج وأوروبا ما بعد الحرب
تستند الفكرة الأساسية للمقترح إلى أنّ وضع الخليج يشبه وضع أوروبا في نهاية الحرب العالمية الثانية. ففي خضم السعي للتعافي من نزاعَين دمويَّين ومدمّرَين، رفض وزير الخارجية الفرنسي آنذاك، روبرت شومان، محاولة عزل ألمانيا بالطريقة التي عوملت بها بعد الحرب العالمية الأولى. وبدلاً من ذلك، تعاونت فرنسا وألمانيا في إنتاج الفحم والصلب، الأساسيين في صناعة التسلح، في إطار اتفاق عُرف باسم «الجماعة الأوروبية للفحم والصلب». وأعلن شومان، عام 1950، إنّ ذلك جعل الحرب بين الخصمَين التاريخيَّين «ليست مجرّد أمر لا يمكن تصوُّره، بل أصبحت مستحيلة مادياً». وانضمّت إلى فرنسا وألمانيا كل من إيطاليا، بلجيكا، لوكسمبورغ، وهولندا، في تحالف مهّد لقيام الاتحاد الأوروبي. غير أنّ تحقيق اتحاد مماثل في الخليج يتطلّب تجاوز عقبات عديدة، في مقدّمتها تباين الأجندات السياسية والخصومات التاريخية. ومع ذلك، فإنّ البديل المطروح حالياً، والمتمثل في محاولة فتح المضيق بالقوّة العسكرية، سيكون مهمّة شديدة الصعوبة.
وأوضحت مارا كارلين، أستاذة قضايا الأمن القومي في جامعة جونز هوبكنز، وأشرفت على التخطيط العسكري الاستراتيجي في إدارة الرئيس جو بايدن بصفتها مساعدة لوزير الدفاع، إنّ وزارة الدفاع الأميركية وضعت على مدى عقود خططاً لإعادة فتح مضيق هرمز في حال اندلاع نزاع. وأوضحت أنّ عمليات إزالة الألغام البحرية بطيئة للغاية ومرهقة، كما أنّ السفن القليلة التابعة للبحرية الأميركية والمصمَّمة لهذه المهمّة ستكون عرضةً للاستهداف، ولذلك كان يُفترض دائماً وجود هدنة باعتبارها شرطاً مسبقاً. وأضافت: «انصبّ التركيز في مسألة إعادة فتح المضيق بصورة شبه كاملة على افتراض وجود بيئة آمنة، لأنّ محاولة إعادة فتحه والخوض في هذه العملية الشاقة لإزالة الألغام، بينما يمكن لهجوم واحد أن يُعيد المهمّة كلّها إلى نقطة الصفر».
المرافقة للسفن
وثمة خيار آخر يتمثل في أن توفّر الولايات المتحدة، أو تحالف دولي ما، مرافقة بحرية للسفن. وقد استخدمت البحرية الأميركية هذا الأسلوب لحماية ناقلات النفط الكويتية التي كانت ترفع العلم الكويتي وتتعرّض لهجمات إيرانية في أواخر الحرب العراقية - الإيرانية خلال ثمانينات القرن الماضي. وأدّى ذلك إلى اندلاع اشتباكات متكرّرة مع القوات الإيرانية، كما أنّ إحدى السفن الحربية التي اصطدمت بلغم كادت أن تغرق. ومنذ ذلك الحين، طوّرت إيران وسائل تهديد أكثر مرونة، تشمل الطائرات المسيّرة والصواريخ التي تُطلق من منصات متحرِّكة، بالإضافة إلى زوارق الهجوم السريع التي يستخدمها «الحرس الثوري الإسلامي»، تُعرف باسم «أسطول البعوض».
السيطرة على الساحل الإيراني
وأوضح رايان كروكر، السفير الأميركي السابق لدى العراق والكويت، أنّ تحييد الهجمات الإيرانية سيتطلّب قوات برية واسعة للسيطرة على الساحل الإيراني الطويل، ما من شأنه أن يرفع بدرجة كبيرة مخاطر سقوط قتلى أميركيّين.
فيما تعتقد سوزان مالوني، نائبة رئيس ومديرة برنامج السياسة الخارجية في «معهد بروكينغز»، أنّ التقدير كان «أنّنا نستطيع إعادة فتح المضيق، لكن ليس ضمن إطار زمني أو بكلفة اعتُبرت مقبولة».
وفي تقريرهما، يشير باتمَنغليج وزميله مهران حقيريان في «بورصة وبازار»، إلى أنّ موانئ الخليج الكبرى، مثل ميناء جبل علي في دبي، تفرض بالفعل رسوماً خدمية على السفن التي تستخدم مرافقها، بالتالي فإنّ منح صلاحية مماثلة لهيئة فوق وطنية تتولّى توزيع العائدات لن يشكّل قفزة كبيرة. وتنتمي 6 دول عربية مطلة على الخليج (السعودية، قطر، الإمارات، الكويت، البحرين وسلطنة عُمان)، حليفة للولايات المتحدة، إلى «مجلس التعاون الخليجي»، الذي يُظهر فعالية عامة في التوصُّل إلى إرشادات جماعية بشأن قضايا اعتيادية مثل التصنيع، لكنّها تشتهر بانقساماتها عندما يتعلّق الأمر بالتحرُّك السياسي المشترك.
ويرى باتمَنغليج، أنّ إضافة إيران والعراق إلى هذا الإطار قد تجعل المجلس أكثر تقلّباً، ممّا أثار قلق بعض المسؤولين الأوروبيّين. فهم ينظرون إلى الشرق الأوسط باعتباره منطقة ممزّقة بالصراعات بصورة دائمة، لكنّه أشار إلى أنّ فرنسا وألمانيا كانتا تتمتعان بالسمعة نفسها بعد الحرب العالمية الثانية. ويبقى السؤال الأساسي هو ما إذا كانت الولايات المتحدة وإيران ستوافقان على مثل هذا الطرح.
المصدر: الجمهورية