كُتّاب الموقع
أزمة القرار في الشرق الأوسط: المفاوضات كبديل عن الحلول

ربيع دندشلي

الإثنين 20 تموز 2026

ليست أزمة الشرق الأوسط اليوم أزمة نقص في القوة أو في المبادرات، بل أزمة إرادة سياسية تتردد في الحسم، وتخشى كلفة القرار أكثر مما تخشى كلفة استمرار الصراع. فالقيادة لا تُقاس بالموقع الذي يشغله صاحبها، بل بقدرته على اتخاذ القرار في اللحظة المناسبة، وتحمل تبعاته، والمضي به حتى نهايته.
 
لكن المشكلة في الشرق الأوسط لم تعد مرتبطة بالأفراد وحدهم، بل تحولت إلى منظومة كاملة من أنصاف المواقف، وأنصاف القرارات، وأنصاف التسويات. لذلك، لا تنتهي الحروب بانتصار واضح، ولا تفضي المفاوضات إلى سلام مستدام، ولا تنهض الدول بصورة مكتملة. تبقى المنطقة معلقة بين الحرب والسلام، وبين الدولة واللادولة، وبين التسوية والانفجار، في حالة مزمنة يمكن وصفها بسياسة اللاحسم.
 
لا تعاني المنطقة من نقص في المبادرات أو الوسطاء أو المؤتمرات. على العكس، ربما لم يعرف الشرق الأوسط في تاريخه الحديث هذا العدد من الاجتماعات والقمم والبيانات وخطط التهدئة. إلا أن كثافة الحركة الدبلوماسية لا تعني بالضرورة وجود سياسة حقيقية. ففي كثير من الأحيان، تتحول المفاوضات إلى وسيلة لتأجيل القرار، ويصبح وقف إطلاق النار استراحة لإعادة تنظيم القوة، وتتحول التسوية المؤقتة إلى بديل عن معالجة الأسباب التي أنتجت الصراع.
 
بين أخلاق المسؤولية وسياسة تجنب الكلفة
 
ميّز عالم الاجتماع الألماني ماكس فيبر بين "أخلاق الاقتناع" و"أخلاق المسؤولية". لا يكفي، وفق هذا التمييز، أن يعلن السياسي تمسكه بقضية عادلة أو مبدأ أخلاقي، بل عليه أن يتحمل مسؤولية النتائج الفعلية التي تترتب على قراراته. فالسياسة لا تُقاس بالنوايا المعلنة وحدها، وإنما بقدرة صاحب القرار على الموازنة بين المبادئ والنتائج والكلفة البشرية والاجتماعية والاستراتيجية.
 
وفق هذا المنظور، لا يكون التردد دائماً تعبيراً عن الاعتدال، كما لا يكون تأجيل القرار دليلاً على الحكمة. قد يتحول التأجيل نفسه إلى قرار شديد الخطورة، وقد تصبح محاولة تجنب الكلفة الآنية سبباً في كلفة مستقبلية أكبر.
 
المشكلة أن جزءاً كبيراً من النخب السياسية في المنطقة لم يعد يقيس نجاحه بما يحققه، بل بما يتجنبه. السياسي الناجح، وفق هذه الثقافة، ليس من يبني دولة أو يحسم خياراً، وإنما من ينجو من الأزمة، ويحافظ على موقعه، ويوزع المسؤولية على الآخرين. وبذلك تتحول السياسة من فن صناعة المستقبل إلى مهارة في إدارة الوقت وانتظار تغير الظروف.
 
أما كارل شميت، فرأى أن معنى السيادة يظهر في القدرة على اتخاذ القرار في اللحظة الاستثنائية. ولا يعني استحضار هذه الفكرة تبرير الاستبداد أو تمجيد القوة، بل التأكيد أن القيادة السياسية تُختبر عندما تكون الخيارات مكلفة وغير مضمونة، لا عندما تكون القرارات سهلة وخالية من المخاطر.
 
فالقيادة ليست أن تختار بين الخير والشر عندما يكون الفرق واضحاً، بل أن تختار بين بدائل صعبة، وأن تتحمل المسؤولية عن الاختيار، وألا تجعل الخوف من الخطأ ذريعة للامتناع الدائم عن الفعل.
 
التفاوض داخل الصراع
 
تقدم العلاقة بين الولايات المتحدة وإيران أحد أكثر النماذج وضوحاً على هذه الإشكالية. فالتفاوض بين الدولتين لم يعد نقيضاً للصراع، بل أصبح جزءاً من بنيته. يتفاوض الطرفان في الوقت الذي يرفع فيه كل منهما مستوى الضغط على الآخر، ويستخدمان التهديد والعقوبات والعمليات العسكرية والممرات البحرية بوصفها أوراقاً على طاولة المفاوضات.
 
شهدت الأسابيع الأخيرة جولات واتصالات هدفت إلى تثبيت التهدئة، ومعالجة وضع الملاحة في مضيق هرمز، وفتح الطريق أمام اتفاق أوسع. إلا أن الاتصالات تزامنت مع استمرار التوتر والضربات المتبادلة. وفي 10 و11 تموز/يوليو 2026، أُعلن عن موافقة واشنطن على مواصلة المحادثات بطلب إيراني، في الوقت الذي كانت فيه التهدئة السابقة قد تآكلت وتصاعدت المواجهة حول الملاحة في المضيق.
 
تكشف هذه المفارقة أن الطرفين لا يتعاملان مع الضغط والتفاوض بوصفهما مسارين متناقضين. واشنطن تسعى إلى استخدام قوتها العسكرية والاقتصادية لتحسين شروط الاتفاق، بينما تريد طهران إثبات أن أي تسوية لا يمكن أن تُفرض عليها من موقع الضعف، وأنها ما تزال قادرة على التأثير في أمن الخليج وتدفقات الطاقة والمصالح الأميركية.
 
بهذا المعنى، لا يجلس الطرفان إلى طاولة المفاوضات بعد انتهاء المواجهة، بل يتفاوضان من داخلها. لا يوقفان الصراع كي يتفاوضا، وإنما يستخدمان الصراع نفسه لتعديل موازين التفاوض.
 
سبق أن أفضت الاتصالات إلى تفاهمات مؤقتة مرتبطة بوقف الهجمات واستئناف الملاحة وبدء فترة تفاوض، كما عقدت محادثات فنية في الدوحة بشأن مضيق هرمز. لكن هذه التفاهمات بقيت شديدة الهشاشة، لأن الطرفين لم ينتقلا من منطق اختبار قوة الآخر إلى منطق بناء تسوية استراتيجية متبادلة.
 
فواشنطن لا تريد حرباً إقليمية مفتوحة، لكنها لا تريد أيضاً اتفاقاً يُنظر إليه باعتباره اعترافاً بنفوذ إيران أو قبولاً بقيود محدودة على برنامجها وسياساتها الإقليمية. وإيران تحتاج إلى تخفيف الضغط الاقتصادي وإعادة الإعمار واستعادة قدرتها على الحركة، لكنها تخشى أن تتحول التنازلات إلى بداية تفكيك عناصر قوتها وردعها.
 
لذلك، يريد كل طرف اتفاقاً لا يضطر فيه إلى دفع الثمن السياسي والاستراتيجي الكامل للاتفاق. تريد الولايات المتحدة تغييراً إيرانياً واسعاً من دون الانخراط في حرب طويلة أو تقديم ضمانات كبيرة، وتريد إيران رفع الضغوط والحصول على مكاسب اقتصادية من دون التخلي عن الأوراق التي بنت عليها مكانتها الإقليمية.
 
هذه هي معضلة "نصف الحل": كل طرف يريد نصف التسوية الذي يفيده، ويرفض النصف الذي يلزمه بتغيير سلوكه.
 
القوة التي لا تعرف ماذا تريد
 
ليست أزمة المنطقة في غياب القوة. الولايات المتحدة تمتلك تفوقاً عسكرياً واقتصادياً كبيراً، وإيران راكمت أدوات نفوذ وردع مباشرة وغير مباشرة، وإسرائيل تمتلك قدرة عسكرية وتكنولوجية واسعة، كما أن الدول العربية تمتلك موارد ومواقع استراتيجية مهمة.
 
لكن امتلاك القوة لا يجيب تلقائياً عن السؤال الأهم: ما الغاية السياسية من استخدامها؟
 
قد تدمر القوة منشأة أو تعطل قدرة عسكرية أو تفرض خسائر اقتصادية، لكنها لا تنتج وحدها نظاماً سياسياً جديداً أو تسوية قابلة للاستمرار. وعندما تغيب الغاية السياسية الواضحة، تتحول القوة إلى سلسلة من الضربات والردود، ويصبح كل تصعيد تمهيداً لمفاوضات جديدة، ثم تصبح المفاوضات هدنة قصيرة قبل تصعيد آخر.
 
لقد أثبتت التجارب المتكررة أن الردع، حين لا يرتبط بأفق سياسي، يستطيع تأجيل الحرب لكنه لا يعالج أسبابها. كما أن التفاوض، حين لا يرتبط باستعداد حقيقي لتقديم تنازلات متبادلة، يستطيع تخفيف التوتر لكنه لا يصنع سلاماً.
 
وهنا تظهر المفارقة الكبرى: قد يكون جميع الأطراف أقوياء بما يكفي لمنع هزيمتهم، لكن لا يكون أي منهم قوياً أو شجاعاً بما يكفي لصناعة التسوية.
 
لبنان في قلب المساومات
 
لا تقف آثار المفاوضات الأميركية–الإيرانية عند حدود الملف النووي أو مضيق هرمز. فلبنان، كما العراق وسوريا واليمن وفلسطين، حاضر بصورة مباشرة أو غير مباشرة في شبكة المصالح والتفاهمات والضغوط المتبادلة.
 
وقد ارتبطت تفاهمات التهدئة الأخيرة بخفض الأعمال القتالية في لبنان، كما ظهرت الملفات الإقليمية، ومن بينها لبنان، في النقاشات المتعلقة بالاتفاق الأوسع وشروط وقف الحرب.
 
لكن الخطر يكمن في أن يُعامل لبنان مرة أخرى بوصفه ورقة داخل تفاوض أكبر، لا دولةً لها سيادة ومصالح مستقلة. عندما تتقدم المفاوضات، ينخفض التصعيد على أرضه؛ وعندما تتعثر، ترتفع احتمالات استخدام جبهته لإيصال الرسائل أو تحسين المواقع التفاوضية.
 
لا يستطيع لبنان منع القوى الإقليمية والدولية من التفاوض بشأن مصالحها، لكنه يستطيع، نظرياً، أن يمنع تحوله إلى مادة للمفاوضات. وهذا يتطلب دولة تملك قرارها الأمني والسياسي، ورؤية واضحة لعلاقاتها الخارجية، ومؤسسات قادرة على تحويل المصلحة الوطنية إلى سياسة فعلية.
 
أما عندما تكون الدولة نصف دولة، والسيادة نصف سيادة، والقرار موزعاً بين الداخل والخارج، فلن تحصل البلاد إلا على نصف حماية ونصف استقرار. وقد تجد نفسها مشمولة بوقف إطلاق نار لم تشارك في صياغته، أو معرضة لتصعيد لم تقرر الدخول فيه.
 
في لبنان، كما في كثير من دول المنطقة، لا تُحل الأزمات بل تُرحّل. يُنتخب رئيس أو تُشكّل حكومة أو يُعقد تفاهم أمني، ثم يُقدم ذلك بوصفه إنجازاً نهائياً، مع أن الأسباب البنيوية للأزمة تبقى من دون معالجة: ضعف المؤسسات، تعدد مصادر القوة، غياب المحاسبة، انهيار الاقتصاد، وارتهان القرار الوطني للتوازنات الخارجية.
 
وهكذا تصبح التسوية وسيلة لإعادة إنتاج الأزمة في شكل أكثر قابلية للإدارة، لا وسيلة لإنهائها.
 
الاستقرار المُدار
 
يمكن وصف النظام الإقليمي الراهن بأنه نظام "الاستقرار المُدار" أو، بصورة أدق، "عدم الاستقرار المُدار". لا يسعى الفاعلون دائماً إلى إنهاء الصراع، بل إلى إبقائه ضمن حدود يمكن التحكم بها.
 
تريد القوى الكبرى منع الانهيار الكامل، لكنها لا تريد بالضرورة تحمل كلفة بناء نظام جديد. وتريد القوى الإقليمية الاحتفاظ بأوراقها، لكنها لا تريد مواجهة شاملة تهدد وجودها. أما النخب المحلية فتريد استمرار الدعم والحماية، من دون تنفيذ الإصلاحات التي قد تقلص نفوذها.
 
ينتج عن ذلك توازن غريب: الجميع يشكو من الوضع القائم، لكن معظم الفاعلين يخشون تغييره بصورة جذرية.
 
قد يكون النزاع، بالنسبة إلى بعض الأطراف، أقل كلفة من السلام؛ لأن السلام الكامل يتطلب تحديد الحدود، وتوزيع النفوذ، وتقديم الضمانات، والتنازل عن أوراق قوة، والاعتراف بحقوق الخصوم. أما النزاع المضبوط فيسمح لكل طرف بالاحتفاظ بسرديته وقوته وحلفائه، مع تجنب الانفجار الشامل.
 
ولهذا، تتحول المفاوضات إلى آلية لتنظيم الصراع لا لإنهائه، وتصبح الهدن أداة لإدارة وتيرته، وتصبح البيانات الدبلوماسية بديلاً عن القرار.
 
سلام بلا شجاعة
 
ليست الشجاعة السياسية في رفض التسويات، ولا في رفع سقف المواجهة، ولا في تقديم الخطابات المتشددة. قد يكون الذهاب إلى الحرب أسهل أحياناً من تقديم تنازل ضروري، وقد يكون الهروب إلى الشعارات أسهل من شرح الحقيقة للناس.
 
الشجاعة السياسية الحقيقية هي القدرة على تحديد ما يمكن تحقيقه، والاعتراف بحدود القوة، وتحمل كلفة الاتفاق، وإقناع المجتمع بأن التسوية ليست هزيمة حين تحمي الدولة وتوقف الاستنزاف.
 
في الحالة الأميركية–الإيرانية، يحتاج أي اتفاق مستدام إلى أكثر من ترتيبات مؤقتة للملاحة أو تعليق محدود للعقوبات أو وقف هش للضربات. يحتاج إلى معادلة تتناول مخاوف الطرفين بصورة مترابطة: البرنامج النووي، العقوبات، أمن الخليج، النفوذ الإقليمي، الضمانات، وإعادة الإعمار.
 
وقد رأى تحليل صادر عن معهد كوينسي أن التفاهمات المؤقتة قد تشكل مخرجاً من الصراع، لكن نجاحها يرتبط بربط الضغط بتخفيف ملموس للعقوبات، وربط ضبط السلوك الإيراني بمسار موثوق لإعادة الإعمار وخفض التصعيد الإقليمي.
 
أما محاولة تجزئة الملفات بحيث يأخذ كل طرف ما يريده فوراً ويؤجل التزاماته الأساسية، فلن تنتج إلا اتفاقاً مؤقتاً ينتظر أول اختبار كي ينهار.
 
 
من أنصاف الرجال إلى أنصاف المؤسسات
 
ربما كان من السهل اختزال الأزمة في شخصيات سياسية مترددة أو ضعيفة، واستخدام تعبير "أنصاف الرجال" لوصفها. لكن ذلك قد يعفي البنية السياسية نفسها من المسؤولية.
 
فالقادة لا يترددون في فراغ. إنهم يعملون داخل أنظمة تكافئ المواقف الرمادية، وتوزع المسؤولية، وتحمي الفشل، وتسمح لكل طرف بأن ينسب النجاح إلى نفسه ويلقي بالخسارة على غيره.
 
لهذا، لا تحتاج المنطقة فقط إلى قادة أكثر جرأة، بل إلى مؤسسات تمنع احتكار القرار وتضمن المحاسبة وتربط السلطة بالمسؤولية. فالحسم من دون مؤسسات قد يتحول إلى تهور أو استبداد، كما أن المؤسسات من دون إرادة سياسية قد تتحول إلى هياكل عاجزة.
 
المطلوب ليس "رجلاً قوياً" آخر، بل سياسة قوية: رؤية واضحة، ومؤسسات قادرة، وقرار شرعي، واستعداد لتحمل النتائج.
 
لا حلول كاملة بإرادات منقوصة
 
تكشف المفاوضات الأميركية–الإيرانية، كما تكشف أزمات لبنان وفلسطين وسوريا واليمن، أن المشكلة ليست في غياب معرفة الحلول. معظم الأطراف تعرف، بدرجات متفاوتة، ما الذي يمكن أن ينهي الصراع أو يخفف أسبابه. لكنها لا تريد دفع ثمنه، أو لا تستطيع إقناع جمهورها به، أو تفضّل المحافظة على أوراقها بدل تحويلها إلى تسوية.
 
لذلك، لا ينبغي أن يكون السؤال: لماذا لا تنجح المفاوضات؟
 
السؤال الأصح هو: هل يريد المتفاوضون فعلاً إنهاء الصراع، أم يريد كل منهم استخدام المفاوضات لإدارة الصراع وتحسين موقعه داخله؟
 
ما دام التفاوض امتداداً للحرب بوسائل أخرى، وما دامت الهدنة مجرد فرصة لإعادة بناء القوة، وما دام كل طرف يريد اتفاقاً يغيّر خصمه من دون أن يغيّره هو، فلن يكون هناك سلام كامل.
 
عندما تكون الإرادة نصف إرادة، والقيادة نصف قيادة، والدولة نصف دولة، والقرار نصف قرار، لا يمكن أن تكون النتيجة إلا نصف حل.
 
ونصف الحل في الشرق الأوسط ليس نصف أزمة، بل أزمة كاملة مؤجلة إلى موعد آخر.
 
 
المصدر: المدن