كُتّاب الموقع
ترامب يواجه حدود القوة النارية ودروس الحروب

غريغ جافي وإريك شميت- نيويورك تايمز

الإثنين 20 تموز 2026

تمسّك الرئيس دونالد ترامب بقناعة واحدة طوال الحرب مع إيران، التي شارفت على إكمال 5 أشهر: فإذا وجّه الجيش الأميركي ضربات قاسية بما يكفي لإيرانّ، فإنّ قادتها سيذعنون في نهاية المطاف لمطالبه، معلناً لشبكة «فوكس نيوز»: «سنقضي على جميع محطات توليد الكهرباء لديهم. وسندمّر جميع جسورهم ما لم يجلسوا إلى طاولة المفاوضات ويتفاوضوا». وسُئل: «هل تعتقد أنّ الإيرانيّين جادّون في التوصُّل إلى اتفاق؟»، فأجاب: «أعتقد أنّه ليس لديهم خيار».
 
لكن قبل سنوات قليلة فقط، كانت الحروب الطويلة والمحبطة في العراق وأفغانستان قد أطاحت إلى حدّ كبير بهذه الرؤية للقوّة العسكرية. ففي أشهرها الأولى، استندت كلتا الحربَين إلى استراتيجية عسكرية جديدة برزت إلى الواجهة بعد  حرب الخليج عام 1991. وكانت تقوم على فرضية مفادها أنّ شنّ هجمات متزامنة بأسلحة دقيقة على جبهات متعدّدة من شأنه أن يشلّ العدو، ويحقق نصراً سريعاً بأقل قدر من الخسائر البشرية.
 
 
ومع امتداد الحربَين في العراق وأفغانستان، بدأ إيمان المؤسسة العسكرية بهذا النهج الجديد يتراجع. وبحلول عام 2007، ترسخت نظرية جديدة للحرب، تجسّدت في عقيدة الجيش الخاصة بمكافحة التمرُّد. وكانت هذه الاستراتيجية تقوم على فكرة أنّ استخدام قوّة نارية مفرطة، إذا أسيء توظيفها، لن يؤدّي إلّا إلى إنتاج مزيد من الأعداء.
 
 
وجاء في العقيدة الجديدة: «أحياناً، كلّما زادت القوّة المستخدمة، أصبحت أقل فاعلية. أحياناً يكون عدم القيام بأي شيء هو أفضل ردّ فعل». واليوم، يتكرّر ذلك الجدل الممتد منذ عقود حول أفضل السبل لاستخدام التفوُّق الهائل الذي تتمتع به الولايات المتحدة في القوّة النارية، داخل أروقة البنتاغون، وفي البيت الأبيض، وفي الأجواء فوق إيران.
 
الحملة الأولى
الحملة العسكرية الأولى، التي استمرّت 38 يوماً وبدأت في 28 شباط، وجّهت ضربات قاسية إلى إيران. وقد استُهلّت بسلسلة مذهلة من الضربات الإسرائيلية التي أسفرت عن مقتل آية الله علي خامنئي، المرشد الأعلى للبلاد لـ37 عاماً، إلى جانب كبار قادته العسكريّين داخل مجمع في طهران.
 
 
وفي الأسابيع التي تلت ذلك، أعلن البنتاغون أنّه استهدف نحو 13 ألف هدف، دمّر البحرية والقوات الجوية الإيرانيّتَين إلى حدّ كبير، وألحق أضراراً جسيمة بترسانة إيران من الصواريخ والطائرات المسيّرة، وقتل نحو 40 من كبار القادة العسكريّين ومسؤولي الاستخبارات.
 
 
وقد أضعفت تلك الهجمات الجيش الإيراني، لكنّها لم تقضِ على قدرة إيران على تهديد جيرانها بهجمات صاروخية أو بطائرات مسيّرة. كما أنّها لم تُنهِ قدرة طهران على إغلاق مضيق هرمز بصورة فعّالة.
 
 
وكان من المفترض أن يفضي وقف إطلاق النار، الذي بدأ في 8 نيسان، إلى اتفاق ينهي الحرب، ويعيد فتح المضيق، ويضمن ألّا تمتلك إيران سلاحاً نووياً على الإطلاق. لكنّ الاتفاق انهار هذا الشهر، لتتجدّد الأعمال القتالية.
 
 
وأعلن وزير الدفاع بيت هيغسيث، أنّ الجيش الأميركي استغل فترة توقف الهجمات لتحديد نقاط الضعف الإيرانية. ووعد بأن تكون الحملة، عند استئنافها، أكثر كفاءة وفتكاً من الجهود السابقة.
 
 
لكن، حتى الآن، لا يبدو أنّ ذلك تحقق. إذ كشف مسؤولان أميركيان كبيران، أنّ إيران تمكّنت، منذ دخول وقف إطلاق النار حيّز التنفيذ، من استعادة أو إعادة بناء جزء كبير من قدرتها على إسقاط قوّتها العسكرية. ويشمل ذلك صواريخها الباليستية، مواقع إطلاق الصواريخ، مواقع إطلاق الطائرات المسيّرة المسلحة، ومنشآت أخرى تحت الأرض.
 
 
وأضاف المسؤولان، أنّ العديد من المواقع التي يزيد عددها على 300، وقصفتها الطائرات الحربية الأميركية هذا الشهر، هي أهداف سبق أن استهدفها الجيش خلال الهجوم الأول الذي بدأ في شباط.
 
 
وقد اقتصر الجزء الأكبر من الجولة الجديدة من الضربات حتى الآن على أهداف عسكرية، مثل مراكز القيادة، مواقع الصواريخ، ومنشآت المراقبة الساحلية التي تشكّل تهديداً للسفن التجارية في المضيق. كما بدا أنّ القوات الأميركية استهدفت مواقع ذات استخدامَين عسكري ومدني، من بينها جسر للسكك الحديد في شمال شرقي إيران، يبعد أكثر من 700 ميل عن المضيق.
 
 
على رغم من الضربات، واصلت إيران إطلاق النار على حركة الملاحة التجارية. وأشار ترامب إلى أنّه قد لا تكون هناك أهداف عسكرية إيرانية كثيرة متبقية على طول المضيق: «أصبحنا نجد صعوبة في العثور على أي شيء لديهم».
 
 
ولهذا، تعهّد بأن يوسّع الجيش الأميركي نطاق الحملة ويبدأ باستهداف أهداف مدنية، مثل الجسور والبُنية التحتية الكهربائية، التي يحتاج إليها الجيش الإيراني لمواصلة القتال. ويُعدّ أحد أكبر الأسئلة المطروحة داخل البنتاغون ما إذا كانت مثل هذه الضربات تشكّل جرائم حرب. أمّا القلق الآخر، فهو ما إذا كانت ستنجح بالفعل: هل ستدفع القادة الإيرانيّين إلى الاستسلام، أم أنّها ستزيد من تصلّب مقاومتهم مع ارتفاع أعداد القتلى؟
وتذهب إحدى النظريات إلى أنّ إدارة ترامب واجهت صعوبة في تحقيق أهدافها، لأنّ الجيشَين الأميركي والإسرائيلي استخدما قوّة مفرطة خلال الأيام الأولى من الحرب الجوية، ما أدّى إلى القضاء على القيادة الإيرانية وترك إدارة ترامب من دون شريك تفاوضي متماسك. مراجعجغرافية
 
ما هو الحل؟
وأوضح إس. كلينتون هاينوت، الفريق المتقاعد في القوات الجوية وخدم كأحد كبار مخططي الاستراتيجية الجوية في الشرق الأوسط خلال العقد الأول من الألفية: «إنّ حملات قطع الرأس تنجح، لكن ليس دائماً بالطريقة التي تريدها»، لأنّها تُحدث ارتباكاً وشللاً، لكنّها لا تدمّر قدرة العدو على مواصلة القتال.
 
 
وأضاف، أنّ هذا هو الحال في إيران حتى الآن: «ربما فَقَد العدو دماغه، لكنّ الجسد استمر في العمل كما دُرّب على ذلك طوال العقد الماضي». وباتت إدارة ترامب تجد نفسها في موقف تجلس فيه إلى طاولة المفاوضات في مواجهة خصم مرتبك، حاقد، ومتحصّن في مواقعه، إمّا غير راغب أو غير قادر على تقديم تنازلات دائمة.
 
 
أمّا ديفيد ديبتولا، وهو فريق متقاعد، يُنسب إليه على نطاق واسع الفضل في ابتكار الاستراتيجية القائمة على القوّة النارية التي سادت في أوائل تسعينات القرن الماضي، فيرى أنّ حملة جوية أكثر كثافة تستهدف شبكة إنتاج الكهرباء وتوزيعها في إيران، يمكن أن تشلّ قدرة الجيش الإيراني على المقاومة. وأضاف، أنّ تلك الأهداف يمكن استهدافها بطريقة مدروسة و«قابلة للعكس»، بما لا ينتهك قوانين الحرب. غير أنّ الرؤساء الأميركيين أخفقوا باستمرار في ترجمة تلك النجاحات العسكرية إلى ما يشبه نصراً دائماً.
 
 
المصدر: الجمهورية