كُتّاب الموقع
سيناريوهات دولية وإقليمية.. لبنان حصة مَن؟

حسني محلي

الجمعة 17 تموز 2026

واشنطن تنسّق مع أنقرة وعدد من عواصم المنطقة، لإعادة ترتيب المشهد الإقليمي عبر الضغط على سوريا ولبنان والعراق وإيران، بما يخدم المصالح الأميركية والإسرائيلية ويفتح الباب أمام تحولات سياسية وأمنية واسعة.
 
منذ أن ناشد الرئيس الأميركي دونالد ترامب، علناً، الرئيس السوري أحمد الشرع التدخل عسكرياً في لبنان لإتمام المهمة التي فشل المجرم بنيامين نتنياهو في تحقيقها ضد حزب الله، تتحدث أوساط سياسية وإعلامية عديدة عن سيناريوهات مختلفة بشأن تحركات أميركية وتركية وفرنسية وسعودية وإسرائيلية لإيجاد مخرج معقول وعملي لتلبية دعوة ترامب.
 
ومع أن الرئيس الشرع رفض التدخل عسكرياً في لبنان، فإنه أرسل وزير خارجيته، أسعد الشيباني، لجسّ نبض الأطراف اللبنانية، باستثناء حزب الله، بعدما أجرى جولة دعائية في طرابلس، المحسوبة أيضاً على القوى السنية المدعومة من تركيا.
 
ومع أن المعلومات التي ترددت خلال زيارة الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون إلى دمشق تحدثت عن رفض فرنسي للفكرة الأميركية، فإن ترامب لم يتردد في طرحها مجدداً خلال لقائه الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، على هامش أعمال قمة حلف شمال الأطلسي في أنقرة، في 7 و8 تموز/يوليو الجاري، بعدما تحدث أكثر من مرة عن "قوة الجيش التركي، بالعدد والعدة"، في إشارة منه إلى ضرورة الاستفادة من هذا الجيش خدمةً للأهداف المشتركة بين أنقرة وواشنطن.
 
ضغوط على دمشق
كل ذلك، دفع ترامب وأردوغان إلى توجيه دعوة عاجلة إلى الرئيس الشرع، الذي جاء إلى أنقرة والتقى بهما، حيث بدت على وجهه ملامح الانزعاج، بل التوتر أيضاً، خلال اجتماعه بهما على انفراد. وتحدثت المعلومات آنذاك عن ضغوط أميركية على الشرع "للعب دور فاعل وسريع في المخططات الأميركية، وإلا فإن واشنطن ستعيد النظر في علاقاتها مع دمشق، التي لولا الدعم الأميركي المباشر لما حظيت بأي اعتراف دولي".
 
كما تحدثت المعلومات عن تنسيق وتوافق أميركي - تركي بشأن تطورات المنطقة، وبصورة خاصة في لبنان، ولاحقاً في العراق، ليسهم كل ذلك في مساعي ترامب إلى وضع النقاط على الحروف في مشروعه الإقليمي، الذي يعتمد فيه، بالدرجة الأولى، على دعم أردوغان. وكان ترامب قد قال أكثر من مرة إن "أردوغان ينفذ كل ما يطلبه منه"، كما قال إنَّه وأردوغان "أوصلا الشرع إلى السلطة".
 
لقاءات لتحديد مسار المنطقة
وتوقعت المعلومات أيضاً أن يحسم ترامب مصير مشاريعه ومخططاته الخاصة بالمنطقة بعد مباحثاته مع رئيس الوزراء العراقي علي الزيدي في البيت الأبيض، ثم مع الرئيس اللبناني جوزاف عون، في 21 تموز/يوليو، وأخيراً مع نتنياهو، الذي قد يدعوه إلى البيت الأبيض قبل الانتخابات البرلمانية في "إسرائيل"، المقررة في 27 تشرين الأول/أكتوبر المقبل.
 
كما تحدد هذه اللقاءات، إلى جانب نتائج المباحثات التي أجراها أردوغان مع رئيس الوزراء اللبناني نواف سلام في إسطنبول، في 10 تموز/يوليو، والاتصال الهاتفي الذي أجراه ترامب مع ولي العهد السعودي محمد بن سلمان، في 11 تموز/يوليو، مسار المرحلة المقبلة في المنطقة.
 
وفي الوقت نفسه، كان رئيس جهاز الاستخبارات التركي، إبراهيم قالن، قد أنهى جولته في العراق، حيث التقى مختلف الأطراف العراقية، وسط حديث عن دور تركي جديد وأوسع في العراق، في إطار التنسيق والتعاون مع واشنطن، التي كلّفت سفيرها في أنقرة، توم باراك، بهذه المهمة، إلى جانب مهمته في سوريا، وبصورة غير مباشرة في لبنان، وفق الرؤية الأميركية - الإسرائيلية - التركية المشتركة.
 
ويفسر كل ذلك حديث ترامب، خلال اجتماعه مع أحمد الشرع، عن "التزامه المطلق بالدفاع عن إسرائيل"، وكيف أنه اعترف بالقدس عاصمةً لها، ومنحها الجولان السوري، من دون أي رد فعل من الشرع، الذي يبدو أنه يتمنى من الرياض وأنقرة مساعدته في مواجهة الضغوط، إن لم نقل التهديدات الأميركية العلنية والوقحة أمام الإعلام.
 
كما يتمنى من العاصمتين، ولا سيما أنقرة، مساعدته في مواجهة التهديدات الإسرائيلية، مع استمرار التوغل الإسرائيلي في الجنوب السوري، والذي يبدو أنه سيستمر مع استمرار سياسات نتنياهو الاستفزازية والتصعيدية لضمان فوزه في الانتخابات المقبلة.
 
وهو ما يحتاج إلى دعم واضح وعلني من ترامب، الذي يقال إنه يريد التخلص من نتنياهو لضمان كسب أردوغان ومحمد بن سلمان والشرع إلى جانبه في مشاريعه ومخططاته الحالية والمستقبلية، الهادفة إلى رسم خريطة المنطقة من جديد، بعد تحديد مسار العلاقات الأميركية مع إيران وانعكاسات ذلك على لبنان واليمن والعراق والمنطقة عموماً.
 
تصريحات فيدان والرد الإيراني
ويفسر كل ذلك كلام وزير الخارجية التركي، هاكان فيدان، لصحيفة "ذا ناشيونال" الإماراتية، في 11 تموز/يوليو، إذ استبعد أي مواجهة مسلحة مع "إسرائيل"، وعبّر عن استعداد بلاده لإعادة العلاقات مع "تل أبيب" إلى وضعها الطبيعي، في حال تشكيل حكومة جديدة من دون نتنياهو. كما اتهم طهران "باستهداف دول الجوار وزعزعة أمن المنطقة واستقرارها عبر وكلائها، كما تفعل إسرائيل".
 
وقد رد المتحدث باسم وزارة الخارجية الإيرانية، إسماعيل بقائي، على تصريحات فيدان، قائلاً: "من الغريب جداً أن يقوم شخص مثل السيد فيدان بمقارنة غير صحيحة كهذه، لأن الكيان الصهيوني توسعي بطبيعته، ويسعى للإضرار بالمنطقة بأكملها، بما فيها تركيا. كما أن إيران ليس لها أي وكيل في المنطقة، والوكيل الوحيد هو الكيان الصهيوني، وعلى الأتراك أن تكون تحليلاتهم متطابقة مع الواقع، ولا تخدم إسرائيل".
 
وتؤكد تصريحات فيدان، التي أدلى بها لصحيفة إماراتية، صحة المعلومات التي تتوقع تغييراً محتملاً في سياسات أنقرة الإقليمية وفق الأجندة الأميركية، بالتنسيق مع الرياض ودمشق وبغداد وبيروت. ويريد ترامب من هذه الأطراف حسم قراراتها، قبل نهاية الشهر الجاري، لمصلحة مشاريعه ومخططاته، التي يهدف من خلالها إلى تحقيق مزيد من الانتصارات العسكرية والسياسية والمكاسب الاقتصادية، قبيل الانتخابات الأميركية المقبلة في تشرين الثاني/نوفمبر، والتي ستقرر مصيره السياسي والشخصي في حال خسارته الأغلبية في الكونغرس الأميركي بمجلسيه، النواب والشيوخ.
 
المنطقة لم تتعلم من تجاربها
وفي جميع الحالات، وبعد العودة إلى التصعيد في العدوان على إيران والقصف السعودي لمطار صنعاء، يبدو واضحاً أن أنظمة المنطقة لم تتعلم من كل ما عاشته منذ "طوفان الأقصى"، والعدوان على لبنان، ثم إيران، وقبل ذلك إسقاط النظام في سوريا، في إطار صفقة إقليمية ودولية لم تخدم سوى الكيان الإسرائيلي.
 
وكاد هذا الكيان يحقق كل أهدافه في لبنان، ومن خلاله في المنطقة، لولا العناد الإيراني خلال مباحثات إسلام آباد، الذي سد الطريق أمام كل المتواطئين مع "تل أبيب" في الداخل اللبناني، ومنعهم من تطبيق "الاتفاق الإطاري" الأميركي - اللبناني - الإسرائيلي.
 
وأراد ترامب لهذا الاتفاق أن يسهم في تقسيم لبنان دينياً وطائفياً وسياسياً، وفق مزاج كل من باريس وواشنطن و"تل أبيب" والرياض وأنقرة، وفي الحد الأدنى أبوظبي والدوحة، لكن بعد التخلص من حزب الله، كي يتسنى له توجيه الضربة القاضية إلى إيران، بعدما حققت انتصاراتها الدبلوماسية والسياسية والنفسية الأخيرة، التي أزعجت القاصي والداني، فتحالفوا من جديد ضدها.
 
 
المصدر: الميادين