إعادة تشكيل الشرق الأوسط.. من يصنع الوقائع ومن يجني المكاسب؟
العرب اللندنية
الجمعة 17 تموز 2026
أعادت الحرب الإقليمية بين الولايات المتحدة وإيران، وما رافقها من انهيار سريع لتفاهمات وقف إطلاق النار، طرح سؤال يتجاوز حدود المواجهة العسكرية المباشرة: من يعيد تشكيل الشرق الأوسط فعليًا؟ وهل تُصنع خرائط النفوذ الجديدة على طاولات التفاوض، أم في ميادين القتال؟.
وبينما تتنافس القوى الإقليمية على تثبيت مواقعها في مرحلة ما بعد الحرب، تبدو المفارقة أن الجهات التي تتحمل كلفة الصراع ليست بالضرورة هي نفسها التي تجني مكاسب التحولات السياسية والاستراتيجية.
ويكشف المشهد الإقليمي الحالي أن الشرق الأوسط دخل مرحلة إعادة توزيع للقوة، بعد سنوات من الحروب الممتدة من غزة ولبنان إلى سوريا والعراق والخليج.
ولم تعد المنافسة تدور فقط بين إيران وإسرائيل، بل باتت تشمل أيضًا قوى إقليمية صاعدة، مثل تركيا وقطر، استطاعت توسيع نفوذها عبر استثمار التحولات التي فرضتها المواجهات العسكرية، دون الانخراط المباشر في معظمها.
وفي قلب هذه التحولات، تبرز ثلاثة محاور رئيسية تتنافس على رسم النظام الإقليمي الجديد. الأول تقوده إيران، التي تعرضت لخسائر عسكرية وسياسية كبيرة، لكنها ما زالت تحتفظ بأوراق استراتيجية تجعلها لاعبًا لا يمكن تجاوزه.
والثاني يتمثل في محور إسرائيل، الذي حقق تفوقًا عسكريًا واضحًا لكنه يواجه تحديات دبلوماسية وسياسية متزايدة. أما الثالث فهو المحور الذي تقوده تركيا وقطر، والذي نجح في توسيع حضوره مستفيدًا من الفراغات التي أوجدتها الحرب.
ورغم الضربات التي تلقتها إيران، فإنها لم تفقد مكانتها الإقليمية بالكامل. فقد تعرضت بنيتها العسكرية والصاروخية لضغوط غير مسبوقة، وتراجع نفوذ حلفائها في لبنان وغزة وسوريا واليمن، إلا أنها ما زالت قادرة على التأثير في معادلات الأمن الإقليمي، مستفيدة من موقعها الجغرافي وسيطرتها على مضيق هرمز، الذي يظل أحد أهم الممرات الاستراتيجية لتجارة الطاقة العالمية.
وتشير التطورات الأخيرة إلى أن تراجع القوة لا يعني بالضرورة فقدان القدرة على التأثير. فإيران، رغم خسائرها، ما زالت تمتلك أدوات لفرض كلفة مرتفعة على خصومها، سواء عبر التهديد بإغلاق مضيق هرمز أو من خلال شبكاتها الإقليمية، وهو ما يجعل أي ترتيبات أمنية جديدة مضطرة إلى أخذ مصالحها وحساباتها في الاعتبار.
وفي المقابل، تبدو إسرائيل الطرف الذي غيّر موازين القوى العسكرية بصورة أكبر. فالعمليات التي استهدفت حماس وحزب الله والبنية العسكرية الإيرانية، إلى جانب انهيار نظام بشار الأسد، لم تكن مجرد نجاحات ميدانية، بل أسهمت في تغيير البيئة الاستراتيجية التي تتحرك فيها المنطقة بأكملها.
ويرى مراقبون أن كثيرا من التحولات السياسية اللاحقة لم تكن لتحدث لولا هذه الوقائع العسكرية. فصعود السلطة الجديدة في سوريا، على سبيل المثال، جاء بعد تراجع قدرة حلفاء دمشق على حمايتها، ما فتح المجال أمام قوى أخرى لإعادة ترتيب المشهد.
ويعزز ذلك فرضية أن القوة العسكرية لا تفرض نتائجها في ساحة المعركة فقط، بل تهيئ أيضًا الظروف التي تُبنى عليها التسويات السياسية.
غير أن التفوق العسكري لا يترجم دائمًا إلى نفوذ سياسي موازٍ. فإسرائيل، رغم نجاحها في إضعاف خصومها، تواجه تحديات متزايدة في توسيع شرعيتها الإقليمية والدولية، وهو ما يحد من قدرتها على تحويل الإنجازات العسكرية إلى مكاسب سياسية طويلة الأمد.
المفارقة تبدو أن الجهات التي تتحمل كلفة الصراع ليست بالضرورة هي نفسها التي تجني مكاسب التحولات السياسية والاستراتيجية.
وفي المقابل، تبدو تركيا وقطر من أبرز المستفيدين من البيئة الجديدة التي أفرزتها الحرب. فأنقرة عززت حضورها في سوريا، ووسعت شبكة علاقاتها الإقليمية، بينما كرست الدوحة موقعها كوسيط رئيسي في عدد من الملفات، مستفيدة من قدرتها على الحفاظ على قنوات اتصال مع أطراف متعارضة.
ويعكس هذا المسار نمطًا مختلفًا في إدارة النفوذ، يقوم على توظيف الدبلوماسية والاقتصاد والوساطة، بدلاً من الانخراط المباشر في المواجهات العسكرية. لكن هذا النهج يطرح سؤالًا حول العلاقة بين النفوذ والقوة، إذ إن الاستفادة من نتائج التحولات تختلف عن تحمل كلفة صنعها.
وتبرز هنا معادلة جديدة في الشرق الأوسط، مفادها أن من يصنع الوقائع العسكرية ليس بالضرورة من يجني ثمارها السياسية. فالقوى التي خاضت المواجهات وتحملت الخسائر دفعت ثمن إعادة تشكيل البيئة الاستراتيجية، بينما استطاعت أطراف أخرى توسيع نفوذها عبر استثمار هذه البيئة دون تحمل الكلفة نفسها.
ومن هذا المنطلق، لم يعد تعريف القوة الإقليمية يقتصر على امتلاك الجيوش أو القدرات الاقتصادية، بل بات يشمل أيضًا الاستعداد لتحمل تبعات استخدام هذه القوة. فالدولة التي ترغب في إعادة رسم النظام الإقليمي مطالبة بدفع أثمان سياسية وعسكرية واقتصادية، وهو ما يميز بين الدول التي تؤثر في مسار الأحداث وتلك التي تستفيد منها بعد وقوعها.
وتبرز المقارنة بين مواقف بعض القوى الإقليمية خلال الحرب لتوضيح هذا المفهوم. فبينما اختارت بعض الدول الرد العسكري المباشر على التهديدات التي واجهتها، فضلت دول أخرى الاكتفاء بالتحركات الدبلوماسية وتجنب الانزلاق إلى مواجهة مفتوحة، بما يعكس اختلافًا في حسابات المخاطر والكلفة.
وأما الولايات المتحدة، فتواجه بدورها تحديًا يتمثل في كيفية إدارة شبكة تحالفاتها في ظل هذه التحولات. فالحرب الأخيرة أظهرت أن النفوذ السياسي والقدرة على الوساطة لا يغنيان عن وجود شركاء قادرين على فرض وقائع ميدانية، كما أن التفوق العسكري وحده لا يضمن بناء نظام إقليمي مستقر.
وفي ضوء هذه المعطيات، يبدو أن الشرق الأوسط يتجه نحو مرحلة لا تُقاس فيها القوة بعدد الطائرات أو الصواريخ فقط، وإنما بقدرة الدول على تحمل كلفة إعادة تشكيل الإقليم، ثم تحويل الإنجازات العسكرية إلى ترتيبات سياسية مستدامة.
وبينما تستمر الحرب في إعادة رسم خرائط النفوذ، يبقى السؤال مفتوحًا حول من سيتمكن في النهاية من الجمع بين الأمرين: صناعة الوقائع على الأرض، وجني المكاسب عند رسم مستقبل المنطقة.