مفاوضات لبنان تدخل منعطف هام.. والمحادثات الأهم ليست في روما فأين تكون؟
روما/ وكالة نوفا
الأربعاء 15 تموز 2026
لا تجري أهم مفاوضات مستقبل لبنان في روما، أمام عدسات التلفزيون العربي والدولي الذي يتابع دخول وخروج الوفود من السفارة الأمريكية في شارع فيا فينيتو منذ أمس. بل يُعقد الاجتماع الحاسم في بيروت، في مقر وزارة الدفاع في يرزة، ضمن الحيّ الدبلوماسي والمؤسسي للعاصمة اللبنانية، حيث يناقش مسؤولون أمريكيون وممثلون عن الجيش اللبناني الجوانب العملياتية لانسحاب إسرائيلي محتمل من المنطقتين التجريبيتين الأوليين، حسبما ذكرت "وكالة نوفا" من مصادر مطلعة على المفاوضات، والتي أفادت بأن النقاشين يجريان بالتوازي ويرتبطان بخط اتصال مباشر مع الرئاسة اللبنانية.
بين روما وبيروت
في روما، تجري المناقشات على المستوى السياسي والدبلوماسي، حيث كُلِّف مسؤولون مدنيون وسفراء بتحديد إطار الآلية المتفق عليها في واشنطن في 26 يونيو/حزيران. وفي بيروت، تركز المناقشات على الشروط الملموسة اللازمة لنقل السيطرة على الأراضي من القوات الإسرائيلية إلى الجيش اللبناني.
ويوضح المصدر لـ"نوفا": "تلفت صور سيارات الوفود الداخلة والخارجة من السفارة الأمريكية الانتباه، لكن المفاوضات الجوهرية تجري بين الجيشين الأمريكي واللبناني".
وتشير التقارير إلى أن تعليمات الرئيس جوزيف عون واضحة: فبدون تحديد موعد نهائي واضح لانسحاب القوات الإسرائيلية من المناطق التجريبية ودخول الجيش اللبناني لاحقاً، لن تكون بيروت مستعدة لمواصلة المحادثات.
توضح المصادر أن الممثلين اللبنانيين الموجودين في روما يرفعون تقاريرهم مباشرةً إلى المستشارين العسكريين للرئاسة، الذين يتابعون في الوقت نفسه مفاوضات يرزه. وفي نهاية هذه المرحلة، سيعود القرار إلى عون بشأن توافر الظروف اللازمة لمواصلة عملية التفاوض.
ويُعدّ هذا قرارًا بالغ الحساسية نظرًا لزيارة الرئيس اللبناني إلى واشنطن، المقررة في 21 يوليو/تموز، حيث من المتوقع أن يلتقي بالرئيس الأمريكي دونالد ترامب.
ووفقًا للمصدر نفسه، فإن إسرائيل على دراية أيضًا بمحاولة المؤسسات اللبنانية توسيع سيادة الدولة بشكل ملموس في جنوب البلاد.
وفي الأسابيع الأخيرة، انخفضت حدة العمليات الإسرائيلية، بحسب التقارير: لا تزال الهجمات مستمرة، خاصةً عند رصد عمليات نقل أسلحة أو معدات تُنسب إلى حزب الله، لكن لم ترد أنباء عن تفجيرات جديدة في بيروت. وفي الوقت نفسه، بدأ بعض النازحين بالعودة إلى البلدات الجنوبية، على الرغم من استمرار هشاشة الوضع الأمني.
تعتبر إسرائيل القدرات العسكرية المستمرة لحزب الله تهديدًا استراتيجيًا، يتفاقم بفعل الحرب المستمرة التي يشنها الحزب دعمًا لحركة حماس الفلسطينية. أما بالنسبة لبيروت، فالأمر أكثر خطورة: إعادة بناء دولة تآكلت سيادتها تدريجيًا بفعل الحروب بالوكالة، ووجود الميليشيات، ونظام سياسي ومالي يعاني من الفساد والانهيار الاقتصادي.
ساحة صراع
لقد أصبحت البلاد التي كانت تُوصف بـ"سويسرا الشرق الأوسط" ساحة صراع رئيسية بين القوى الإقليمية، في حين فقد آلاف المدخرين ودائعهم في الأزمة المصرفية. ولا يزال المجتمع اللبناني منقسمًا بشدة.
يتفاقم الخوف والاستياء تجاه إسرائيل، نتيجة عقود من الحرب وما يعتبره قطاع كبير من السكان استخدامًا مفرطًا للقوة، بالتزامن مع تزايد التعصب تجاه حزب الله واستخدام الأراضي اللبنانية لمصالح خارجية.
وإذا تمكن عون من ضمان انسحاب إسرائيلي من المناطق الأولية ونشر الجيش، فسيحظى بدعم أوسع بكثير لمشروع استعادة سيادة الدولة. إلا أن التوقعات لا تزال منخفضة.
ويشير المصدر إلى أن "الشعب يائس، وحتى العديد من السياسيين اللبنانيين لا يؤمنون حقًا بنجاح هذه المفاوضات". ولهذا السبب تحديدًا، أكثر من التصريحات الإيجابية التي صدرت في ختام اجتماعات روما، فإن تحديد موعد الانسحاب الإسرائيلي الأول في بيروت هو ما سيحدد ما إذا كان اتفاق واشنطن سيتحول إلى عملية حقيقية أم سيبقى مجرد اتفاق على الورق.
الجولة السادسة
تتواصل اليوم المحادثات الدبلوماسية لليوم الثاني على التوالي في روما، باستضافة السفارة الأمريكية، ضمن الجولة السادسة من المفاوضات المباشرة بين الطرفين.
ويهدف الجانب الأمريكي إلى ترجمة الاتفاق الإطاري الموقع في 26 يونيو/حزيران في واشنطن إلى إجراءات ملموسة. وتتمحور المحادثات، التي تُعقد خلف أبواب مغلقة، حول ما يُسمى "المناطق التجريبية"، وهما أول منطقتين في جنوب لبنان من المتوقع أن تنسحب منهما القوات الإسرائيلية - وفقًا للاتفاق الإطاري - تاركةً السيطرة للقوات المسلحة اللبنانية ريثما يتم استكمال نزع سلاح حزب الله الشيعي الموالي لإيران.
ويمثل إسرائيل سفيرها لدى الولايات المتحدة يحيئيل ليتر، بينما يمثل لبنان سفيرته لدى واشنطن ندى حمادة معوض، وسيمون كرم، الممثل الدبلوماسي اللبناني السابق لدى الولايات المتحدة. ويرأس الوفد الأمريكي، بحسب التقارير، دان هولر، مستشار وزارة الخارجية الأمريكية والقائم بأعمال مدير مكتب تخطيط السياسات.
في روما، اقتصر الحضور على المسؤولين المدنيين فقط، دون وجود أي ممثلين عسكريين، على عكس جولة المفاوضات السابقة التي استضافتها واشنطن.
وقد يُحدّ غياب المسؤولين من إمكانية مناقشة التخطيط العملياتي للانسحاب الإسرائيلي ونشر الجيش اللبناني لاحقاً بتفصيل دقيق. مع ذلك، ووفقاً لتصريح متحدث باسم وزارة الخارجية الأمريكية نقلته وسائل الإعلام الإسرائيلية أمس، فقد جرت أولى جلسات النقاش في العاصمة الإيطالية "في جو إيجابي" وكانت المحادثات "مثمرة"، حيث أعرب الجانبان عن "رغبتهما في المضي قدماً".
ينص الاتفاق الذي تم التوصل إليه في 26 يونيو/حزيران على أن يتولى الجيش اللبناني تدريجياً "المسؤولية الأمنية الكاملة والفعالة" في المناطق التجريبية، بالتزامن مع إعادة انتشار مُثبتة للقوات الإسرائيلية. وقد تم تحديد منطقتين مبدئيتين، بينما يخضع توسيع نطاق الآلية ليشمل أجزاء أخرى من الأراضي لاتفاق متبادل بين الطرفين. وبمجرد التحقق من نزع سلاح الجماعات المسلحة غير الحكومية وتفكيك بنيتها التحتية، من المتوقع أن يسيطر الجيش اللبناني سيطرة كاملة على هذه المناطق، مما يسمح بعودة السكان وبدء إعادة الإعمار بدعم دولي.
من المتوقع أن يبدأ المشروع في بلدة زوتر، في قضاء النبطية. كما طلب الرئيس اللبناني جوزيف عون من الولايات المتحدة ضمان بقاء تلة علي الطاهر المجاورة تحت سيطرة الجيش اللبناني.