كيف يمكن لدول الخليج تحويل أزمة هرمز إلى فرصة استراتيجية؟
العرب اللندنية
الإثنين 13 تموز 2026
لم تعد أزمة مضيق هرمز تُقرأ في دول الخليج بوصفها تحديًا أمنيًا مرتبطًا بإمدادات الطاقة فقط، بل تحولت إلى دافع لإعادة التفكير في البنية الاقتصادية واللوجستية للمنطقة بأكملها. فالتوترات التي شهدها المضيق خلال الأشهر الماضية، وما رافقها من اضطراب في حركة الملاحة وارتفاع تكاليف التأمين والنقل، دفعت العواصم الخليجية إلى تسريع مشاريع ممرات التجارة والطاقة البديلة، في محاولة لتحويل المخاطر الجيوسياسية إلى فرصة استراتيجية تعزز مكانتها في الاقتصاد العالمي.
وتستند هذه المقاربة إلى قناعة متزايدة بأن الاعتماد على ممر بحري واحد، مهما بلغت أهميته، لم يعد خيارًا آمنًا في بيئة إقليمية تتكرر فيها الأزمات. ومن هنا، تتجه دول الخليج إلى الاستثمار في شبكات متكاملة من الموانئ والسكك الحديدية وخطوط الأنابيب، بما يتيح تنويع مسارات التصدير والتجارة وربط الخليج مباشرة بالبحر المتوسط والبحر الأحمر، وصولًا إلى الأسواق الأوروبية.
ويبدو أن هذا التحول يتجاوز مجرد البحث عن بدائل لمضيق هرمز، ليعكس رؤية أوسع لإعادة صياغة الدور الاقتصادي للمنطقة. فالممرات الجديدة لا تستهدف فقط حماية صادرات النفط والغاز من أي اضطرابات مستقبلية، وإنما تهدف أيضًا إلى جعل الخليج مركزًا رئيسيًا للتجارة والخدمات اللوجستية والصناعات المرتبطة بسلاسل الإمداد العالمية.
وتبرز السعودية في مقدمة هذا التوجه، من خلال تطوير ميناء نيوم وتحويله إلى مركز لوجستي عالمي، إلى جانب توسيع شبكات السكك الحديدية نحو البحر الأحمر والأردن، والعمل على إنشاء ممرات لوجستية جديدة تربط الخليج بالمشرق العربي. كما تتداول الرياض وأنقرة مقترحات لإحياء خط سكك حديدية يربط الأردن بسوريا، وهو مشروع قد يفتح منفذًا مباشرًا إلى البحر المتوسط إذا ما استقرت الأوضاع السياسية والأمنية.
الاعتماد على ممر بحري واحد، مهما بلغت أهميته، لم يعد خيارًا آمنًا في بيئة إقليمية تتكرر فيها الأزمات.
وفي الوقت نفسه، تمضي الإمارات في تنفيذ مشاريع تعزز قدرتها على تصدير النفط خارج مضيق هرمز، من خلال توسيع خطوط الأنابيب المتجهة إلى بحر العرب، بما يقلل من اعتماد صادراتها على الممر البحري الأكثر حساسية في العالم. كما يسهم مشروع السكك الحديدية بين الإمارات وسلطنة عُمان في تعزيز مكانة الموانئ العُمانية الواقعة خارج مضيقي هرمز وباب المندب، بما يوفر خيارات إضافية أمام حركة التجارة الإقليمية.
ولا يقتصر الرهان الخليجي على البنية التحتية، بل يشمل أيضًا تطوير البيئة التنظيمية التي تجعل هذه الممرات أكثر كفاءة. فنجاح التجارة البرية يتطلب تكاملًا جمركيًا ورقميًا، وتوحيدًا للإجراءات، واعتماد أنظمة دفع إلكترونية حديثة، إضافة إلى إزالة العوائق غير الجمركية التي لا تزال تحد من انسياب البضائع بين دول المنطقة.
وفي هذا السياق، يكتسب مشروع الممر الاقتصادي بين الهند والشرق الأوسط وأوروبا (IMEC) أهمية متزايدة، باعتباره إطارًا يمكن أن ينسق بين المشاريع الوطنية المختلفة، ويوفر منصة لتوحيد المعايير والإجراءات، بدل الاكتفاء بإنشاء طرق نقل منفصلة.
نجاح التجارة البرية يتطلب تكاملًا جمركيًا ورقميًا، وتوحيدًا للإجراءات، واعتماد أنظمة دفع إلكترونية حديثة، إضافة إلى إزالة العوائق غير الجمركية التي لا تزال تحد من انسياب البضائع بين دول المنطقة.
ورغم أن المشروع فقد جزءًا من زخمه بعد الحرب في غزة، فإن المتغيرات التي فرضتها أزمة هرمز أعادت الاهتمام به باعتباره أحد أهم المشاريع القادرة على إعادة رسم خريطة التجارة بين آسيا وأوروبا.
غير أن نجاح هذه المبادرات يتطلب تطوير المشروع من فكرة "ممر واحد" إلى شبكة مترابطة من الممرات، تسمح بتجاوز أي تعطيلات قد تصيب البحر الأحمر أو مضيق هرمز أو حتى دول العبور نفسها. فتنوع المسارات يمثل عنصرًا أساسيًا في بناء سلاسل إمداد أكثر مرونة، ويمنح الشركات العالمية ثقة أكبر في استدامة حركة التجارة.
كما تتيح هذه المشاريع فرصة لتعزيز التكامل الاقتصادي داخل الشرق الأوسط نفسه، وليس فقط بين آسيا وأوروبا. فربط دول الخليج بالأردن وسوريا ومصر وتركيا يمكن أن يخلق أسواقًا جديدة، ويزيد حجم الاستثمارات المتبادلة، ويوفر فرص عمل، ويعيد إحياء دور بعض الدول كمراكز عبور وخدمات لوجستية بعد سنوات من الاضطرابات.
ومن زاوية الطاقة، تدفع أزمة هرمز إلى إعادة النظر في شبكات تصدير النفط والغاز. فإلى جانب المشروع الإماراتي، تبرز مقترحات لإحياء خط أنابيب يربط العراق بميناء العقبة الأردني، إضافة إلى مشاريع قد تمنح الكويت وقطر والبحرين منافذ بديلة لصادراتها الهيدروكربونية. ورغم أن هذه المشاريع تواجه تحديات مالية وسياسية، فإن استمرار المخاطر في الممرات البحرية يمنحها أهمية استراتيجية متزايدة.
لكن الاستثمار في البنية التحتية وحده لن يكون كافيًا. فالقطاع الخاص، الذي يُعوَّل عليه في تمويل جزء كبير من هذه المشاريع، يحتاج إلى ضمانات سياسية وأمنية طويلة الأمد. فالمستثمرون يترددون في ضخ مليارات الدولارات في مشاريع تمر عبر مناطق غير مستقرة أو تعتمد على تفاهمات سياسية قد تتغير مع تبدل الظروف الإقليمية.
وتبرز هنا أهمية التنسيق الحكومي، ليس فقط في تمويل المشاريع، بل أيضًا في توحيد التشريعات، وتسريع إجراءات العبور، وتعزيز التعاون الأمني لحماية الممرات الجديدة. فكلما زادت درجة التنسيق بين الدول، ارتفعت جاذبية هذه المشاريع أمام المستثمرين العالميين.
وفي موازاة ممرات التجارة والطاقة، تبرز فرصة أخرى تتمثل في بناء بنية تحتية رقمية إقليمية. فالمنطقة تمتلك مقومات تؤهلها لتصبح مركزًا عالميًا للحوسبة ومراكز البيانات، مستفيدة من موقعها الجغرافي، وتوافر الطاقة، والاستثمارات الضخمة في التكنولوجيا. غير أن تحقيق هذا الهدف يتطلب أطرًا تنظيمية موحدة، وقدرات أكبر لحماية البنية الرقمية من الهجمات السيبرانية.
وتبدو أزمة مضيق هرمز، على الرغم من تداعياتها الأمنية والاقتصادية، حافزًا لدول الخليج لتسريع تحول استراتيجي طال انتظاره. فبدل الاكتفاء بإدارة الأزمات، تتجه المنطقة نحو بناء شبكة متكاملة من الممرات البرية والبحرية والرقمية، تعزز أمن التجارة والطاقة، وتدعم التكامل الاقتصادي، وتمنح الخليج دورًا أكثر تأثيرًا في حركة الاقتصاد العالمي.
وإذا نجحت هذه المشاريع في تجاوز التحديات السياسية والتمويلية، فقد تتحول أزمة هرمز من مصدر للمخاطر إلى نقطة انطلاق لمرحلة جديدة من النفوذ الاقتصادي الخليجي.